جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

«الشهادة = المقاومة + الفداء» ـــ د.عيسى الشماس

في يوم الشهداء، نستذكر أول ما نستذكر، قافلة الشهداء الذين علّقوا على أعواد المشانق، في السادس من أيار 1916، بأمر من الظالم السفاح جمال باشا الوالي العثماني على دمشق وتوابعها، حيث نصبت المشانق في دمشق وبيروت لأكثر من عشرين مناضلاً من خيرة (الثوّار والمفكرين والعلماء) هبّوا في وجه الاحتلال العثماني ودعوا إلى مقاومته، وطرده من أرض الوطن الذي عانى من ظلمه واستغلاله أكثر من أربعة قرون... وقد صوّر الشاعر /جميل صدقي الزهاوي/ تلك الحادثة/ المأساة بلوحة طبيعية رفعت في كلّ بيت، تجسّد وحشيّة المحتلّ، وتحذّر من غدره وعدم الاستكانة له:‏

على كلِّ عودٍ صاحبٌ وخليلُ‏

وفي كلِّ بيتٍ رنّةٌ وعويلُ‏

كأنّ جذوعَ القومِ فوقَ رؤوسهم‏

نجومُ سماءٍ في الصباحِ أفولُ‏

وتجمع بين الحزن والتفاؤل بزوال الاحتلال وعودة الكرامة والحرية، لأن هذه النجوم الآفلة ليست إلاَّ مقدّمة لسطوع نجوم أخرى في دورة الكون والحياة، وعندها تصبح أعواد المشانق وحبالها، رمز القداسة والفداء، كما قال الشاعر القروي/ وهو يصلّي على أرواح الشهداء الطاهرة:‏

خيرُ المطالع تسليمٌ على الشهدا‏

أزكى الصلاة على أرواحِهمْ أبدا‏

قد علّقتكُمْ يدُ الجاني ملطّخةً‏

فقدّسَتْ بكمُ الأعوادُ والمسُدا‏

ونستذكر أيضاً، صورة الشهيد البطل /يوسف العظمة/ الذي أبى إلاَّ أن يواجه قوات /غورو/ العاتية، ويستشهد ورفاقه دفاعاً عن كرامة الوطن وقدسية ترابه، لتبقى ذكراه إلى الأبد، منارة يهتدي بها المناضلون والمدافعون عن حرية الوطن وكرامته. ويردّد كل مواطن مع الشاعر /خليل مردم بيك/ الذي قال في البطل/يوسف العظمة/:‏

أيوسفَ والضحايا اليومَ كثرٌ‏

ليهنك كنتَ أولَ من بداها‏

فديتُكَ قائداً حيّاً وميتاً‏

وضعتَ لكلِّ مكرمةٍ لواها‏

ونستذكر في هذه المناسبة أيضاً، شهداء أمّتنا العربية، وفي مقدّمتهم المجاهد عمر المختار الذي قاوم الاستعمار الإيطالي في ليبيا، ونستذكر المليون شهيد في الجزائر، وفي طليعتهم الشهيد المجاهد عبد القادر الجزائري الذي قارع الفرنسيين سنوات طوال، حتى استشهد دفاعاً عن الجزائر بلد المليون شهيد. كما نستذكر الفدائيين/ المقاومين الشهداء في فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني/ الاستيطاني، الذي سلب الأرض والتاريخ والهوية، ولكنّ الفدائي الفلسطيني فضّل الموت الشريف على الذلّ والهوان، ليعبّد بفدائه طريق العودة إلى الوطن والتاريخ، فيحمل روحه على راحته ويقدّمها قرباناً لعودته إلى وطنه والعيش كريمة:‏

سأحملُ روحي على راحتي‏

وألقي بها في مهاوي الردى‏

فإمّا حياةٌ تسرُّ الصديق‏

وإمّا مماتٌ يغيظُ العدا‏

وهاهم أيضاً شهداء حرب تشرين التحريرية، الذين رووا بدمائهم تراب الوطن الغالي، وكتبوا أروع الملاحم البطولية في التضحية والفداء، في مقاومة العدوّ الإسرائيلي وتلقينه درساً في الصمود والمقاومة، فكانوا بحقّ «أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر»، كما وصفهم القائد الخالد حافظ الأسد... وهل هناك أكرم من الذي يجود بدمه وروحه، من أجل حياة شعبه وكرامة وطنه..؟ إنّه يستحقّ الإجلال والتعظيم والتقديس. وكما قال فيهم الشاعر الكبير سليمان العيسى:‏

ناداهمُ البرقُ فاجتازوهُ وانهمروا‏

عندَ الشهيدِ تلاقى اللهُ والبشرُ‏

وليس بعيداً عنّا، شهداء المقاومة اللبنانية الأبطال الذين حررّوا الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وتصدّوا ببسالة فائقة للاعتداءات الإسرائيلية، وآخرها العدوان الوحشي في (تموز 2006)، حيث حطّموا غطرسة العدو ومرّغوا أنفه بتراب الجنوب الصامد، وردّوه خائباً، متكبّداً خسائر فادحة، ليبقى تراب لبنان طاهراً بدماء الشهداء، فتنبت فيه قيم المقاومة والفداء، كما في قول الشاعر:‏

دُحَر العدوانُ، زغردْ يا جنوب‏

وافرشِ الأرضَ زهوراً وطيوب‏

هاهمُ الأبطالُ جاؤوا للفِدا‏

عبّدوا الدربَ بحبّاتِ القلوب‏

شهداءٌ، زهتِ الدنيا بهم‏

ولواءُ النصرِ خفّاقٌ.. طروب‏

إنّ ما نعيشه اليوم، وما نشهده في فلسطين والعراق وجنوب لبنان، يؤكّد أنّ جذوة المقاومة والشهادة، ما زالت وستبقى متوهجّة في النفوس الأبية التي ترفض الذلّ والهوان.‏

وسيبقى الشهداء أبداً مشاعل نور، مكلّلين بالمجد والخلودُ، على طريق الحرية والعزّة والكرامة...!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244