|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ممدوح السكاف بين قصيدتين ـــ د.نزار بريك هنيدي عُرِفَ ممدوح السكاف في الساحة الثقافية السورية، كواحد من شعراء قصيدة التفعيلة. إلا أنه كتب أخيراً مجموعة من قصائد النثر، جمعها في كتاب بعنوان (الصومعة والعنقاء)أصدره عام 2003. مما يطرح التساؤل حول جدّية هذا التحوّل من جهة، وحول الدوافع التي تكمن خلفه من جهة أخرى. فمن المعروف أن قصيدة النثر لا تعني مجرّد التخلي عن (التفعيلة) في الكتابة الشعرية، كما يظنّ عدد كبير من الشباب الذين يكتبونها هذه الأيام، وإنما هي المعادل الفني للاختلاف في نظرة الشاعر للواقع الذي يعيشه، وموقفه منه، وتبدّل مكانته فيه، وتغيّر فهمه لطبيعة العمل الشعري ووظيفته. وبناءً على ذلك، قد يكون من الطريف، ومن المفيد في الوقت نفسه، أن نحاول استقراء الإجابة عن هذا التساؤل، من داخل التجربة الشعرية ذاتها. ولهذا الغرض سنحاول المقارنة بين قصيدتين للشاعر، تنتمي الأولى منهما إلى شعر (التفعيلة)، بينما تنتمي الأخرى إلى (قصيدة النثر)، متتبعين التحوّلات التي يمكن أن تكون قد لحقت بنظرة الشاعر إلى العالم، وإلى دوره فيه. وقد اخترت لذلك قصيدتين، يمكن لكل واحدة منهما أن تمدّنا بالمعطيات المطلوبة لبحثنا بشكل صريح وواضح، عدا عن أنهما تقبلان المقارنة فيما بينهما، لأنهما تشتركان في الخطوط العامة، بالرغم من أن الفاصل الزمني بينهما يبلغ أكثر من عشرين عاماً. فالقصيدة الأولى كان الشاعر قد صدّر بها مجموعته (في حضرة الماء) التي صدرت عام1983، وهي تحمل عنوان (الانتظار). أما القصيدة الثانية فتحمل عنوان (أحلام أمير الرماد) وقد تضمنتها مجموعة (الصومعة والعنقاء) الصادرة عام 2003. وفي الحقيقة، فإن كل قصيدة منهما تقوم على ثلاثة خطوط رئيسة، هي وصف الواقع أو العصر، وحال الشاعر، وانتظار الحبيبة المخلّصة. وهي الخطوط التي سنستعرضها بادئين بالقصيدة الأولى (الانتظار): فإذا قمنا بتتبع الصورة التي يرسمها الشاعر على امتداد هذه القصيدة، للعالم الذي يحيط به، فسنجد أنه يشبّه الواقعَ بالسماء الغاربة، أو الليل الذي ليس له صباح. فالدهر معتم، والوجود بائس، والعمر صحراء من القحط، والزمن أسود، طرقه قوراء لا توصل السائرين عليها إلى غايتهم، بل تلولبهم في إعصار دوائرها وتنصب لهم رايات الإحباط. وهو زمن الصخر الذي لا ينطق، والصمت الذي لا يورق، والإرث الكلسي الذي ينخر العظام. زمن الاستسلام للأقدار، ولثلج العصر الرجعي.زمن الخوف من القوى المتسلطة التي ترقب الحركات والسكنات، وتحصي الأنفاس، وتستعمر الذات. وإذا تتبّعنا ملامح الشاعر كما تبدو في هذه القصيدة، فإننا سنجد الكآبة تشرّش في عروقه، والغبش الأسود يلفّ نفسه، وقلبه قد مات، وانطفأت مسرجته. إنه لا يعرف غير شقائه الروحي وضعفه الإنساني. أركانه وأساساته انهدمت، ولم يبق منه سوى جراح صديد، وقوقعة،وكهف موبوء بالطاعون، وحشرجة وغرغرة. فهو الأوحد بين الفقراء، والمفرد في الصحراء، والغارق في البأساء، والساهم في الأشياء، والضائع في الأنحاء، والرافل بالأشلاء. إلا أنه ،و مع كل ذلك البؤس والشقاء، مازال قادراً على الحلم. ومازال يصبو إلى مستقبل مشرق يرسمه في لثغة أشعاره ساقيةً ومرايا وشجرة نارنج في بستان. لذلك فهو ينتظر مجيء الحبيبة التي ستغيّر له الواقع المظلم، وتنير له دروب المستقبل. الحبيبة التي تقتحم أوردته وخلاياه كما العاصفة، وتندفع تيّاراً يحيل طأطأة جبينه رفضاً، وشراعه المتهاوي بحراً مصطخباً، لتكون الزمن الأبيض في الزمن الأسود: (أنتظر مجيئك من عتمة دهري فارتحلي صوبي نوراً فضّياً يمنحني الطيب خصوبة أمطار تثقلني بالوعد سفائن أشواق ترسو في قلبي ارتحلي نحوي عبقاً من صحراء العرب، شميمَ عرارٍ لحناً بدوياً ينزف من نايٍ نورسة، سوسنة, وسحائب آفلة من رحلتها الصيفيّة كوني زمني الأبيض في الزمن الأسود) إنها الحبيبة التي لا بدّ أن تكون ريحاً عاتية وبرقاً متفجراً وسيلاً وطوفاناً ، تكنس عفن الواقع وتقبّل الشمس، شمس الحضارة والحرية والازدهار. وبالرغم من أن الشاعر لا يصرح باسم مخلصته المنتظرة، بل يتساءل عن اسمها فيقول (لكن ما اسمك/ من أنت) إلا أن الأوصاف التي يسبغها عليها تبيّن بوضوح أنه يقصد (الثورة) وفق العرف الذي كان شائعاً بين الشعراء العرب في تلك المرحلة عندما يكنّون عن الثورة بالحبيبة. وما الإشارة إلى عبق صحراء العرب وشميم عرار إلا لتأكيد طموح الشاعر في أن تعمل الثورة المنتظرة على استعادة مجد الأمة العربية في عصور صعودها وعزتها وازدهارها. وإذا كانت القوى المسيطرة قد تمكنت بطغيانها من قمع الناس وإرغامهم على النوم والاستكانة، فإن الشاعر،الذي يمثّل وجدان الأمة وطليعتها لا يمكن له إلا أن يبقى مستيقظاً ينتظر قدومها. بالرغم من كل ما يحمله هذا الانتظار من مخاطر، بسبب تربّص عيون الحراس وكلاب الحارات وأحجار الحيطان التي تسمع همسات الناس وتحاسبهم عليها. لذلك ينتظر مجيئها سرّاً. ليس بسلبية المنتظر، وإنما بقيامه بفعل التحريض والتأكيد على حتميّة انتصارها: (خوضي بحر التجربة الأعمق، خوضيه ولا بدّ ستنتصرين.) إلا أن الشاعر لا يكتفي بذلك، فبما أنه يتبوّأ مكانة متميّزة في مجتمعه، وبما أنه يمثّل الطليعة المتقدّمة فيه، لأنه يعرف أكثر مما يعرف الآخرون، ويمتلك من الأفكار والقدرة على الاستبصار ما يفرض عليه واجباً أكبر، فإنه يعمد إلى توجيه الثورة، وإرشادها، وتسديد خطواتها أيضاً: (اعتمدي الصهوة واندفعي نحوي ضدّ مسار الريح أذيبي ثلج العصر الرجعي على وهج حرائقك.) وبالرغم من أن طول الانتظار، وتأخّر الاستجابة لنداءاته، قد يجعله يشعر باليأس أحياناً فيبكي، (أنتظر مجيئك لكن لن تأتي أنتظرك لكن لن تأتي أعرف ذاك وأبكي). إلا أن إيمانه بحتميّة الانتصار ( ولا بدّ ستنتصرين) يجعله مستعداً ليسافر هو إليها، أي ليهيئَّ لها شروط كينونتها : (كوني..سأسافر لا بدّ إليكِ ). ومن أجل تهيئة هذه الشروط يكتب الشعر. مدركاً أن وظيفته كشاعر، تتطلب منه، أول ما تتطلب، أن يستثير همم الآخرين، ويحرّضهم ويجعلهم أكثر وعياً بالواقع الذي يعيشونه، وأكثر قدرة على مجابهته. لذلك فهو يضع الآخرين نصب عينيه دائماً أثناء الكتابة. بل إنه لا يتورّع عن مخاطبة قرّائه داخل القصيدة نفسها، متدخلاً في آليّة تلقيهم للقصيدة وفهمهم لها: ( لكني – عفواً يا من تقرؤني- أتمنى لو تعلم أني لا أعرف إلا حب القصص وحبّ الشعر، وحب الأصحاب ) وعندما يتوغّل أكثر في متاهات القصيدة، ويشعر أن القارئ قد شَرَد، أو تعب، أو ابتعد عن المعنى الذي أراده، يعود ليصرخ به: ( لكن هل تسمعني يا من تقرؤني هل تسمعني؟) فهو يؤمن أنه صاحب رسالة، وأن على هذه الرسالة أن تصل إلى قرائه جليّة وواضحة. فكتابة الشعر ليست عملاً عبثياً، بل هي حفر بالسكيّن على جدران القلب: ( وقصيدة شعر أحفرها بالسكين على جدران القلب) أما في القصيدة الثانية: أحلام أمير الرماد. فإن الشاعر يرسم لنا منذ مطلع القصيدة ،صورة شديدة القتامة عن الواقع الذي يعيش فيه. فهو واقع صلد قاس، لا تتخلله أية نسمة حياة، لأن نوافذه مقدودة أصلاً من الصخر، ومع ذلك فهي موصدة أبداً. ولا يمكن لغير الموت أن يتسلّل من شقوقها الضيّقة. حتى النار لو أرادت أن تندلع فإنها لن تجد سوى عاصفة خامدة، ولن تخلّف وراءها سوى الرماد والبرودة، والصمت والعدم. ويستخدم الشاعر تشكيلة متنوعة من الصور التي يغلب عليها الطابع الحسي المباشر، و التي تدل على الذبول والموت. فالحديد يقوم على قوائم من قماش متهدّل، ويهوي إلى الصدأ. وفصل الوداع قد أزف، وأوشكت الستائر على الانسدال. والقطرات تتساقط على أرض الحديقة مثلما تتساقط الروح تحت أطلال الجسد. و قطار العاشق انقلب، وتناثرت أشلاؤه في أودية الضياع . لقد أصبح العالم كله بالنسبة للشاعر مجرد خطوات متعبة، وتبغ يمج دخانه على مطر الليل، ورصيف يقتعده، وصعلكة في شوارع الذكريات،.ولم يبق فيه من أحد يصاحبه في جنازة موته، سوى الآس والنخيل، والسرادق والكراسي. أما الشاعر نفسه، فهو يعشق الظلّ، ويحبّ الجلوس في المقاعد الأخيرة. روحه تتساقط تحت أطلال جسده، وقلبه بنفسجة حزينة تذوي من الوحشة. وهو وحيد لم يبق له سوى غرفة ذكرياته المعتمة، وهواجسه التي تتناسل كالهواء الأصفر، وتدفع بجسده إلى غرغرة البكاء.إنه موغل في برودته، حزين، ومتأكد بأنه بلا قدرة على الاشتعال.فروحه تسري فيها ومضة ثلجية. وحواسه حزينة، وسريره بارد موحش. أما حبيبته المنتظرة في هذه القصيدة، فهي تحمل أجنّة من ريح، وتهبّ زوبعة تدفع بالأرض إلى عناق السماء. وتنشد نشيد الخصوبة، فيعيد السمندر تشكيل هيولاه، وتنفخ العنقاء في رمادها لتقوم من موتها خضراء.وهي عزيف الريح و عاصفة الحرائق، وفتيل القنديل الذي يضيء كهف الموت. إلا أن هذه الحبيبة المنتظرة، لا تظهر في هذه القصيدة، إلا كطيف أو وهم أو ذكرى. فليس لدى الشاعر ما يفعله بانتظار قدومها سوى أن يكلّم طيفها متساءلاً: ( أكلمتني أنتِ أم المرايا أم ينابيع الذكريات حين تغرّد على ضفاف الساقية أم وهمي ينداح في أوهامه ) بل إن حلمه نفسه هذا لا يرقى إلى مستوى (الرؤيا) التي يمكن أن تبشّره بمجيئها. فثمة سائل شمعي يغلّف رؤياه فتجعله يسقط في دياجي الغياهب. ولذلك تتشوّه حواسّه أيضاً، فيقول : (أسمع عطرك من ظلام بعيد/ أشمّ نوره) مستعملاً السمع للعطر، والشمّ للنور، لا على سبيل (تراسل الحواس) عند الرمزيين، بل لتأكيد تشوّش الرؤيا، وتشوّه صورة الحبيبة فيها، حيث يرى ما لا يعقل من حدائق جسدها، ويراها تحلم به وتنام مع غريمه في سرير واحد. لذلك يبدو انتظارها عبثياً، فلا دمع في قارورة الدواء يعينه على انتظارها. وليس له إلا أن يحلم بها ممدّدة إلى جانبه في فراش موته. ومع أن القارئ المستعجل للقصيدتين، سيجد تشابهاً كبيراً بينهما، فيما يتعلّق بتصوير الواقع، وحال الشاعر فيه، وطبيعة الحبيبة المنتظرة، وموقف الشاعر منها. إلا أن ثمة فروقاً هامّة لا بدّ من التوقف عندها. فإذا تأملنا صورة الواقع في القصيدة الأولى (الانتظار)، فإننا سنجد أن الشاعر لم يكتف بنعته بالعتمة والقحط والسواد، وإنما أشار إلى عدد من العوامل التي تشخّص الأسباب الكامنة وراء كل ذلك البؤس والقبح والظلام الذي يخيّم فوقه. وأهمها الرواسب الفكرية والاجتماعية المتخلفة التي تنخره من الداخل (الإرث الكلسي الذي ينخر العظام). والأفكار الرجعية التي تعيق تقدمه (ثلج العصر الرجعي). والصمت والخنوع والاستسلام للقدر (من أقدار تستسلم لمقادرها). وقمع القوى المتسلطة (عيون الحراس، وكلاب الحارات، وأعينهم ترقب حركاتك بل سكناتك/ تحصي أنفاسكِ/ تستعمر ذاتك) أما في القصيدة الثانية، فالشاعر يكتفي برسم صورة الواقع القاتم الصلد الذي لا ينضوي إلا على الموت وشيعته من رماد وبرودة وصمت وعدم. دون أن يكون معنيّاَ على الإطلاق بتشخيص الأسباب التي أدّت به إلى ذلك. اما الحبيبة المنتظرة، أو المخلّصة، فقد رأيناها في القصيدة الأولى تحمل جميع صفات الثورة التي تندفع كالتيّار وتتفجّر كالبرق، وتسعى إلى قلب الواقع كالطوفان، وتتقدم لتعانق الشمس. مستعيدة مجد الأمة العربية ومحققة نهضتها. مما يعني أن الشاعر قد ألبسها لباساً عقائدياً قومياً وتقدميّاً في الوقت نفسه. بينما لم نرها في القصيدة الثانية، إلا كطيف أو وهم أو ذكرى غير محدّدة الملامح. أما الشاعر نفسه، وبالرغم من البؤس والشقاء الذي يعيشه في الحالتين، فقد رأيناه في القصيدة الأولى مصرّاً على لعب دوره الطليعي، كفرد من مجموع، عليه أن يبقى مستيقظاً بالرغم من نوم الجميع . وهو يؤمن بحتميّة انتصار الثورة (لابدّ ستنتصرين) لذلك فهو لا ينتظر قدومها فحسب، بل يعمل على دعمها وتوجيهها أيضاً. فللشاعر رسالة، وعلى القصيدة أن تتوجّه إلى قرّاء لتؤدي دورها في تحريضهم واستنهاضهم . بينما نراه في القصيدة الثانية منعزلاً يعتكف في زاوية باردة من روحه. لا يصاحبه أحد في جنازة موته. حتى أننا لا نعثر على ذكر للآخرين في القصيدة كلها. فقد استقال الشاعر من دوره الطليعي، وأصبح عاشقاً للظل، يجلس في المقاعد الأخيرة. بل لقد اعتزل الشاعر العالم وانكفأ إلى ذاته، ولم يعد يهتمّ بغير أحلامه وهواجسه وذكرياته وأحوال جسده وحواسه: (- أغتسل بالسائل الشمعي يتلألأ في رؤياي. - تتساقط روحي تحت أطلال جسدي. - وهمي ينداح في أوهامه. - صباح الجسد يتمطّى. - حاسة السمع تقوى لديك كثيراً. - أستمرّ في الحلم-. - يحنّ الطلل إلى ذكرياته، أعيره جسدي). ولذلك فلم يعد الخلاص يعني له ثورة شاملة على الواقع المتخلّف، ولا نهضة عربية تستعيد الأمجاد، ولم يعد بوسعه سوى أن يصلي لخلاصه الفردي: (وحيداً في غرفة الذكريات المعتمة/ يصلي صلاة الخلاص). بعد أن فقد إيمانه بأية حقيقة أو نظرية أو عقيدة، وأصبح كائناً هامشياً عاجزاً ومعزولاً. وفي الحقيقة، فإن هذه الفروق بين القصيدتين، هي التي تشكّل المرجعيّة الفكرية، والأساس النظري الذي قامت عليه قصيدة النثر، كما يرى دارسوها ومنظّروها. ومن ثم فإن لجوء ممدوح السكاف إلى شكل (قصيدة النثر) في قصيدته الجديدة، جاء منسجماً مع ما أراد التعبير عنه، من ناحية تغيّر رؤيته للعالم، ومكانته فيه، وتبدّل فهمه لدور الشاعر ووظيفة القصيدة . إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا المجال، لا سيّما بالنسبة للقريبين من الشاعر، والمتابعين لتجربته ، هو: هل يعكس هذا الاختيار تحوّلاً حقيقيّاً في شخصيّة الشاعر؟ أم أنه ليس أكثر من مجرّد نزوة فنيّة عارضة، جاءت بدافع من المثاقفة النظرية، والرغبة في مسايرة الأعداد المتزايدة من الشعراء الذين ينتهجون نهج قصيدة النثر. د. نزار بريك هنيدي دمشق 15/3/2008 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |