جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ذات مساء ـــ سناء هايل الصباغ

ذات مساء ندي من المساءات الأخيرة لشتاء هادئ مسالم، دخلت غرفتي، امتطيت مقعدي الصغير أفرغت سلال صدري من محصول الأسئلة فوق طاولتي التي طالما شاركتني أفراحي وأحزاني، حبي وأوجاعي لطالما رقصت طرباً للحن صنعه نقر أناملي على سطحها في لحظات شرودي الكثيرة وسعادتي القليلة، ولطالما كتمت أناتها تحت ضربات قبضتي الغاضبتين فوقها مختزنة بعضاً من أوجاعي داخل خشبها الأصم الأبكم، وغالباً ما كانت وسادتي التي أزرع عليها أحلامي حتى تدغدغ أولى خيوط الفجر وجنتي فأحررها من ثقل رأسي معتذرة منها....‏

في ذاك المساء كان خشب الطاولة يستعد كعادته في نهاية كل يوم لامتصاص حالتي التي تولدها أحداث النهار بكافة مناخاته..... لكن هذا المساء كان غريباً متناقضاً. كان ضوء القمر يملأ السماء في وقت يتوجب فيه على الغيوم الرمادية أن تحجبه فتحيله مساءً ماطراً، كان هادئاً صامتاً في وقت يفترض به أن يكون عاصفاً صاخباً.....‏

شعرت أني أشبه ذاك المساء بتناقضاته، فبعد أن لمحته كطيف حلم وردي مر بي ـ في وحدة من اللحظات النادرة لاقتناص الفرح ـ هيج أعاصيراً وأنواءً في داخلي على الرغم من الصمت المخيف الذي غلف وجهي. اعتصر قلبي ألماً على الرغم من بسمة بلهاء انفلتت عنها شفتاي.‏

سرب من الأسئلة ما زال يحاصرني خلف الطاولة، فأبدأ بها، أوجه قسماً من السرب ليحط عليها:‏

*لماذا يختنق صوتي وتتبعثر حروفي وينتفض قلبي؟‏

*..................!!!!!!!!!!‏

أيمم وجهي شطر نافذتي لأسألها:‏

*لماذا تفر مني الكلمات، وتضيع الجمل، وتتشتت الأفكار؟....‏

*..................!!!!!!!!!!‏

*تتعلق مقلتاي بسكون الستارة فأستجدي جوابها.‏

*لماذا هذا الحزن الذي يعتريني على الرغم من السعادة المرعبة التي يتوجب علي أن أشعر بها.....‏

*..................!!!!!!!!!!‏

ضقت ذرعاً من إشارات التعجب التي قوبل بها سيل الأسئلة الذي يتقاذفني، فمرة أعلو فأغزل من ضوء القمر شالاً لأحلامي، ومرة أهبط فأجرح روحي بشذرات حلمي المتكسر على أرض الواقع. ما الذي يحصل معي؟‏

خليط من المشاعر المتناقضة يجتاحني، يهز كياني، يبعثرني... يلملمني... يحرضني على التمرد ثم يقمعني، يحثني على التحدي..... ثم يسحقني يستنزف أدمعي يحرق أعصابي ويُفرحني يُشعرني بوجودي، يحافظ على كرامتي ثم يذلني.‏

ألتجئ إلى القلم.. أبثه شكواي... عله يمتص شحنة من غضبي وأخرى من سعادتي.. عله يبدد حيرتي ويخفف نبضات قلبي عندما يسيل دمه فوق السطور السوداء الرتيبة فينسف رتابتها مهدئاً من هيجان بحر الكلمات والتي تتأرجح فوقها تلك المشاعر كالقوارب التائهة، التواقة لمنارة تهديها لبر يستوعبها فتستريح عليه.. لكنه خيب ظني عندما سار فوق السطور يكتب حرفاً فيسقط الآخر سهواً فيما بينها، يرسم كلمة، فتهوي جملة. حتى صار ما تسرب بين السطور أكثر مما علق عليها.‏

مرة أخرى، ضقت ضرعاً بقلمي فحاولت تشريحه، عرّيته من كل ما يسترُ جسده الهزيل، انتزعت دماغه، عبثت في تلافيفه، باحثة عن باقي الحروف المنسية، فتشت عن شرارةٍ توقد فكرة جديدة لعبارةٍ تصور ما يختلج في قلبي بدقة وإيجاز، لنصٍ يشرح بصدق ما أعانيه لكن عبثاً فعلت، فكلما انتهى قلمي المسكين من خط صفحة بحروف فوضوية لا معنى واضح لها ولا مسار محدد لأفكارها. كان يسير بنزق فوق تلك الحروف من أقصى زاوية للورقة حتى أسفلها راسماً خطين متصالبين يشكلان قطرين للورقة تتمحور حولهما مشاعر القهر التي تنتابني، وأحاسيسي المستفاضة في تلك اللحظات من ذاك المساء الذي قرر التخلي عن صمته، فلا أشعر بأناملي إلا وهي تعجن الورقة تلو الأخرى بكل ما أحمل بين أضلعي من مشاعر همجية وبكل ما يُثقل صدري من حقدٍ وتمردٍ وكراهية، ومفرغةً بذلك بضعَ شحناتٍ من ثورتي على تلك الأوراق الضعيفة، ليقيني بعجزها عن مواجهتي.....‏

بعد أن يئست من محاولتي ترويض قلمي، وبعد إذعانه بفشله بالتعبير عمّا يخالجني، جلبت ورقة بيضاء لا تحوي سطوراً رتيبة تنزلق الأحرف بينها، بل إني طردت كل حروف الأبجدية خارج النافذة بعد أن أعلنت عجزها عن القبض على مشاعري وحبسها ضمن قضبان الورقة الرمادية.‏

وعندما تأكدت من جلاء آخر حرفٍ عن فضاء غرفتي أحضرت علبة التلوين، وضعتها فوق الطاولة بمحاذاة الصفحة البيضاء، ثم عزفت فوق ضلوعي لحناً شجياً لريشتي، بعد أن مَرَّغْتُ رأسها الناعم بالتجاويف الملونة علّها ترقص فوق اللوحة فتشظي بياضها وتنثر فوقها ألواناً زاهية فرحة كالربيع، أو ربما داكنة، رمادية، ضبابية، لا يهم....‏

المهم هو نجاحها باجتثاث ما في داخلي، وبعثرته فوق الأوراق، نجاحها باغتصاب فرح وجعله يبزغ من إحدى زوايا اللوحة قدرتها على ابتكار أمل جديد لتأطير تلك اللوحة وإنهائها... ولكنني مالبثت أن قذفت الريشة ليرتطم رأسها بزجاج نافذتي، فتسيل دماؤه ملوثة الستارة التي كانت تراقب بصمت فرحي وقلقي، صبري وانفعالي، هدوئي واضطرابي، مكتفية بخفقانها مع كل نسمة هواء تتسلل إليها خلسة لتدغدغها.‏

مراقبتي لسيلان دم الريشة، وخفقان الستارة جعلاني أغادر سجني الذي صنعته خلف طاولتي ذاك المساء الندي. وأسير باتجاه النافذة لأطل على الفضاء الرحب عله يتسع لاحتضان أفكاري وأهوائي. لكن خفقان الستارة ازداد عندما دخلت نسمة قوية بغتة إليها، مما أشعرني بأنها ترتجف خوفاً من نوبة غضب قد تنتابني فتدخلها معي بمهاترات توصلها لما آل إليه حال الريشة والقلم....‏

عدلت عن التوجه إلى الفضاء بعدما تعثرت قدمي بجثة ريشتي وشظايا قلمي، فوجدت أن ما حصدته في النهاية هو تحول أرض غرفتي إلى مرتع لمئات الكرات الورقية التي مازالت تئن من ضغط أناملي فوق ضلوعها، والتي تنوء بحملها تحت ثقل الخربشات العشوائية والأفكار الضبابية التي شوهت بياضها... بعدما تيقنت متأخرة من عجز الوسائل كلها عن التعبير عما يختلج في داخلي، كان الليل يتمَطَّى خارج نافذتي متثائباً وهو يسحب آخر أذياله متنحياً عن طريق الفجر الوليد، الذي سبق قدومه ريح صاخبة.‏

أمسكت نافذتي بيدين باردتين ونفخت بغضب على ستارتي مسببة تقافز الكرات الورقية تحت جسدي المرهق كالصيصان المذعورة فحملت أجزاء جسدي فوق ساقين تمكن منهما الخدر وسحبتهما بتثاقل لأغلق النافذة بوجه أنواء جديدة وتوجهت لقلمي رددت له كرامته، معتذرة منه، ولثمت جراح ريشتي مستسمحة إياها، ثم مددت يدي إلى صدري بحزم، لويت أضلاعه واقتلعت الفؤاد العنيد من بينها، ورميت به بنزق بين صفحات دفتر جديد لا يشوب بياض صفحاته شيء. ثم أغلقته متجاهلة صراخه الذي اختلط بصوت دموع السماء وهي تنقر زجاج النافذة، وزاجرة إيّاه قائلة:‏

لقد مللت احتياجاتك وتقلباتك أيها الهوائي الصغير، فهاك صفحات عمري كلها، اكتب ما تشاء... ارسم ما تشاء.... وعبّر كما تشاء.... فقد عجزت عن إرضائك......‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244