|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
السيدة والكلب الأبيض ـــ سعيد بو كرامي /الدار البيضاء تركت الدراجة النارية خارج العمارة وأسقطت السماعتين من أذني، كنت أستمع إلى أغنية تقول: إن الصلح خير ودخلت. قلت للخادمة المعتوهة أن تأخذ الحيطة من اللصوص، فابتسمت بخبث وكأنها تقول: ليس اللص سواك. وجدت السيدة التي تدعي أنه تم الاعتداء عليها. تجلس منهارة في الردهة. زجاج النوافذ فعلاً مكسر، وشظاياه متناثرة، بأحجام مختلفة، وفي أمكنة مختلفة. وصلت إلى فوق البساط البلاستيكي.. عند مدخل البيت. أحسست شظايا الزجاج تتكسر تحت قدمي. وما أن لمحتني حتى صاحت: ـ أرأيت، أرأيت ما حدث؟ حين تترك الأمور سائبة... هذه هي النتيجة؟.. حذرتكم من هذا وأنتم لا تصدقون أحداً. حاولت تهدئتها لكنها لم تترك لي فرصة ذلك. ـ حوالي الساعة العاشرة بدأت أسمع الزجاج وهو ينفجر. الخادمة نفسها سمعت ذلك وهربت إلى الخارج. بنت الكلبة عندما احتجتها حقاً، هربت وتركتني وحدي. ـ انتهى كل شيء بسلام وهذا هو المهم. ـ أجل لكن الكلب أيضاً هرب.. من سيعيد إليَّ كلبي شارو النادر من؟ ـ لا عليك يا سيدتي كل شيء سيعود كما كان، وستعودين أقوى مما كنت عليه. ـ لكن من واجبي أن أعرف الجاني ليعاقب. ـ طبعاً سيعاقب، ولن يفلت حتى ولو اختفى في كهوف الجبال، الشرطة ستقوم بعملها، والآن هل حالتك تسمح بمعرفة بعض تفاصيل الحادثة. ـ أحس بدوخة طفيفة، لكنها لن تمنعني من الكلام. ـ تفضلي وسأسجل ما تقولينه. ـ في الصباح الباكر أيقظت الخادمة لتعد الحمام والفطور وتطعم الكلب وتحشو الغسالة بالملابس المتسخة، وتغسل الأرضية وتمسح النوافذ.... ـ سيدتي أرجو أن تركزي على هذه النقطة. ـ طبعاً سأفعل، وعندما نسيت الخادمة الكلب بدون طعام، هاجمني في السرير وأخذ ينبح فوق رأسي بقوة وجراء ذلك استيقظت قبل الوقت العادي، ووبخت الخادمة التي اكتشفت أنها تستغل الصباحات الباكرة لمشاهدة مسلسل عن فيديل كاسترو، تخيل خادمة مغرمة بهذا الملتحي الغريب الأطوار. لا أكذب عليك، فقد جن جنوني وصفعتها. مع أنني لا أسمح لنفسي بالنزول إلى هذا المستوى لكن قل لي أنت ماذا ستفعل لو كنت مكاني؟.. هل تترك الأمور تفلت من يدك؟ بكت قليلاً ثم جاءت تعتذر مني. ثم رن جرس الباب وحضر جارنا الذي يعمل في السفارة الروسية كعادته عند نهاية كل شهر ليؤدي ثمن كراء الشقة، أسمح له بشرب النسكافية ولأن الخادمة المسخوطة لم تحضرها مع التمويل الشهري فقد أصبت بالحرج وأنا أجعله ينتظر فنجان قهوته لأكثر من نصف ساعة. حينها تعلل بالتأخر عن اجتماع ثقافي لسحب الكتب الشيوعية من مكتبة المركز الثقافي بصفة نهائية. مع أن اليوم هو عيد العمال. أرأيت ألا تلقي بهذه الخادمة من النافذة وتتخلص من وجع الرأس؟ ـ هه النافذة ركزي من فضلك على هذه النقطة وبإيجاز من فضلك فالشريط قد ينفذ ولم نصل بعد إلى هذا الوغد. ـ لا أحد يفهمني في هذا البيت، أنا لم أكن أتعمد التدخل في شؤون الآخرين لكن الدوافع شيء والمصالح شيء آخر وهل كنت تظن أني أصطنع الأعداء لوجه الله هم أيضاً يصطنعون الأسباب. مثلاً هل تعتقد أن هذه الخادمة الملعونة تسمع الكلام؟ هي لا تفعل إلا ما تريد أن تفعله وحتى بالتهديد لن تفعل إلا ما تراه يخدم مصلحتها. ألا تأخذ المساعدات المالية والعينية؟ ألا تطعم بطوناً جائعة؟ هي نفسها تعترف أنها خلقت لكي تخدم مثلي. في كل الأحوال الكلب أفضل. لكنه الآن ضائع في مكانٍ ما، إذا وجدته، سأمنحك فرصة للعلاج بالمجان. ـ كيف عرفت أني مرضي؟ ـ لا تخشَ شيئاً مرضك طي الكتمان. ـ سأفعل إذا فسرت لي الملابسات الدقيقة. ـ كان في البداية يأتي إلى أسفل العمارة ويشتم بكلمات معينة كأنها شعارات أو أشعاراً وأحياناً لا يأتي وحده بل مصحوباً بأشباهه، يعجب الخادمة كثيراً حتى أنها تتساءل في بعض المرات عن سبب غيابه وأحياناً أخرى تتغزل بشجاعته. الحقيقة أن هذه الأفعال كانت في البداية مزاجية يأتي يوماً ويغيب أياماً. ثم أصبحت في مناسبات معينة أو وفق أحداث معينة. ثم تحولت إلى مداومة وهذه الأفعال في الواقع لا تهز شعرة في رأسي لأنها خارجة عن السياق ما علاقتي أنا بفقر سكان الأحياء الهامشية أو بأوبئتهم المزمنة التي يقترفونها بأنفسهم؟.. دخلت الخادمة فجأة، وأشارت بإصبعها وكأنها في فصل دراسي وطلبت من سيدتها الذهاب إلى المرحاض. ودون أن تسمع رد السيدة هرولت في اتجاهه. ـ أرأيت هذه المعتوهة، كيف تتصرف. ـ يمكنك أن تحصلي على خادمة أفضل. ما أكثرهن في هذا الوقت، ستجدين جميع الأصناف خريجات البادية وخريجات الجامعات. ـ تعبت من تغيير الخادمات،ومع ذلك، فهذه أحسن، بلاهتها تنفعني في كثير من الأحيان. خرجت الخادمة منشرحة وقد تخلصت من ورطتها. وقفت أمامنا وقالت مبتسمة: ـ تأمرني سيدتي بشيء؟ نظرت إلي السيدة وقالت: ـ تشرب شيئاً؟ ـ قهوة إذا سمحت. ـ نيسكافية؟ ـ لا لا توافق معدتي. ـ أعدي فنجاني قهوة من بن كينيا ... أسمعت جيداً؟! .. قلت: من بن كينيا، هل فهمتِ؟ ثم عطري البيت، ماذا كنت أقول؟ ـ لا أدري سيدتي، المهم، لم تقوليه بعد؟ ـ وماهو المهم الذي لم أقله؟ ـ أريد أن أعرف ملابسات الحادث. ـ نعم، نعم الحادث، أظن أن المسألة تتعلق بحقد جماعي، هذه الخادمة نفسها تحقد عليَّ.. ولولا بلاهتها الزائدة لما تركتها عندي، كلهم يقولون إن ما حصل أستحقه، ولكني، لا أفهم سر هذا الحقد مع أنني لا أتصرف إلا من أجل المصلحة العامة. ـ صحيح يا سيدتي هذه الأمور كلها نعرفها لكن من تتهمين بالتحديد؟.. ـ أتهمهم كلهم، سيارتي أنا تُفجر في وضح النهار، ألا يوجد حرّاس في البلاد؟ حضرت الخادمة تدفع طاولة متحركة وفوقها فنجاني قهوة وعلبة سكر وكأسي ماء. تناولت فنجاني، وانتبهت إلى أنه من البورسلين، فقلت: ـ جميل... هل هو من صنع صيني؟.. بدت في هذه اللحظة قسمات وجهها صارمة وغريبة. انتبهت إلى الدراجة النارية فسألتها: ـ دراجتي بخير أليس كذلك؟.. رفعت رأسها ونظرت إليَّ وسألت: ـ أنت صحفي أليس كذلك؟.. ـ طبعاً .. ألا تعرفينني؟.. أنا أشهر من فيدل كاسترو. ابتسمت ساخرة وقالت: ـ هل سألتهم أيضاً؟... ـ من تقصدين؟!.. ـ الذين جئت من أجلهم. ـ لا لم أفعل ولا ضرورة لمعرفتهم. ـ بالصحة والعافية، اعذرني سأذهب لمراقبة دراجتك. ـ سيدتي، من فضلك، هلا أتممتِ ماكنتِ تقولينه. ـ كنت أقول إن الأوضاع اليوم لا تبشر بخير، وقد وجهتُ رسالة إلى المعنيين بضرورة مراجعة الأنظمة وتغيير التدابير، وسن قوانين جديدة تضرب رؤوس البعض لتنحني رؤوس الآخرين. وهما يرشفان من قهوتهما، بدأت تتعالى الصيحات من جديد. ـ سجل عندك هاهو الدليل، اسمع ماذا يقولون، أليس هذا كافياً، لحصد هذه الرؤوس الجاحدة. خرجت لأتفقد دراجتي النارية. كانت الدرّاجة قد حُطمت... وأما الخادمة المعتوهة فكانت تهتف مع المتظاهرين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |