جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ديكور المنزل ـــ عبد الستار ناصر

مكتبة من خشب الأبنوس، تمتد على جدار عريض، ثلاثة أمتار ارتفاعاً وستة أمتار عرضاً، يمكنها أن تحتوي على أكثر من ألف وخمسمئة كتاب، لكنها في اليوم الذي انتهى من صناعتها ذاك النجار الماهر، لم تكن سوى خشب من الأبنوس وليس من كتاب فيها.‏

هبطت عليه الدنانير من كل حدب وصوب، قالوا له: ليس من ديكور أجمل من الكتب، فهي أحلى من أية لوحة وأكثر أناقة من السجّاد المزخرف، ورأى في ذلك قولاً يستحق التحقيق، لكنه لا يعرف أي شيء عن هذا العالم الغريب، فماذا يشتري من الكتب وهو طوال حياته محض حارس شخصي لرجل السياسة المعروف الذي قتلوه فجأة، وكان هو وحده من يملك مفتاح أسراره وبيته الباذخ ومفتاح خزينته أيضاً.‏

**‏

الحارس الشخصي صار غنياً، ولم يعد من عمل يليق به، فقد مات رجل السياسة الخطير الذي حافظ على حياته عشرات المرات ومنع الموت والرصاص من الاقتراب منه، رجل السياسة كان أعزباً فاحش الثراء، لا وريث له يدري بما آلت إليه أمواله، فقد أخذها حارسه بعد ساعة من مقتله.‏

الآن، عليه اختيار الكتب وترتيبها بحسب أحجامها وطولها ونوعيتها كما قالوا له، حفاظاً على جمالية الديكور، والمهم أن يشتريها طبعاً، ستكون الكتب التاريخية هنا، والكتب المترجمة هناك، الروايات والقصص والحكايات بعيدة عن اليدين، الرياضة وعلم الفلك وقراءة الطالع والأبراج في الرف الثاني، الأصدقاء يرغبون في قراءة الكف وفنجان القهوة واكتشاف ما سيجري في المستقبل، وليس من تسلية لهم، بعد الخمرة، غير مباريات كرة القدم.‏

**‏

ذهب إلى سوق السراي، وشارع المتنبي، أقدم أسواق بغداد لبيع أمهات الكتب، وبدون أن يعرف أو يفهم نوعية ما سوف يشتريه، مدّ أصابعه نحو الرصافي والزهاوي والجواهري والسيّاب، فهو يدري أنهم شعراء وقد سمع عنهم كثيراً، وفي الوقت نفسه اشترى مذكرات هتلر وثلاثة أجزاء من سقوط الرايخ الثالث وأساليب التعذيب في القرن التاسع عشر.‏

يجب أن تكون الكتب، جديدة، ولامعة، وذات غلاف كارتوني سميك، وبراق، فهذا يعطي للمكتبة هيبتها بين زائريه، واشترط على صاحب مكتبة (الشطري) أن يعيد إليه أي كتاب مثلوم أو أي كتاب يرى فيه أي عيب عند رجوعه إلى البيت.‏

اشترى مئات الكتب، عن معركة اليرموك، عن نشأة الخوارج، عن جنكيز خان مؤسس إمبراطورية المغول، عن مصطفى كمال أتاتورك، عن حرب كوريا، عن سقوط غرناطة، عن الحرب في القوقاز، وكتب أخرى عن كرة القدم في مصر القديمة، وعن آخر أغنيات جورج وسوف، عن عبقرية عمر وعثمان، عن رومان رولان، عن اكتشاف الذرة، عن الساحة في روما وتيريستا، عن الملاكمة وكاسيوس كلاي، وكتاب غريب عنوانه (البيان المبين في أخبار الجنّ والشياطين) وصاحب مكتبة الشطري يهزّ رأسه عجباً ويخفي دهشته خلف ملامح توشك أن تضحك من هذا الرجل الذي يشتري الكتب كما تشترى السجائر والبطاطا والأحذية!...‏

**‏

امتلأت مكتبة الأبنوس بعد خمسة أيام (فقط) ولم يعد من فراغ بين كلود سيمون وعباس محمود العقاد، ازدحمت الرفوف بروايات محمد عبد الحليم عبد الله ودريك والكوت، نظر إلى الكتب اللاّمعة بأغلفتها القوية البرّاقة، لم يترك أحداً يعتب عليه، فقد جاء بهم جميعاً، بول فون هايس ونجيب محفوظ، ألبرتو مورافيا وفاضل العزاوي، ميخائيل شولوخوف يلتصق بزكريا تامر، وأنطون تشيخوف يكاد يختنق بين محمود درويش وعبد الرحمن منيف.‏

وقف الحارس الشخصي مزهواً أمام مكتبة البيت وراح يهمس مع نفسه: حقاً، ليس من ديكور أجمل مما أرى.‏

**‏

في مساء اليوم نفسه، صار البيت مزحوماً بالأصدقاء، وكلهم ينظرون إلى مكتبة الأبنوس، ولكن، لا أحد يهمّه أمر استيفان زفايج أو محمد دكروب أو بكاتشو أو الطاهر بن جلون أو بيراندللو.‏

لم يتحرك أي كتاب من مكانه، لا جورج لوكاش ولا شاعرية المكان ولا جان بول سارتر ولا مئة عام من العزلة ولا إيزابيل الليندي ولا الشهبندر ولا هاشم غرايبة ولا المتنبي.‏

لم يتحرك من مكانه سوى كتاب (الأبراج) حتى يعرف كل زائر منهم حقيقة ما سيحدث له بعد نهاية هذه الحكاية!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244