جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سَتُمطِر... ـــ وجدان يوسف أبو محمود

ستمطر.... أحسُّ بهذا وحيدةً، ولكنني لم أحسب بعد كم زخةً أحتاج لأروي غليلي...؟‏

وقفت ذات صيفٍ وراء نافذتيَّ اللوزيّتين كمن يتلصّص، كانت أمامهما شساعةٌ تحدّها الجدران، وسريرٌ أسند عليه عكّازتي، وتتمرّغ فيه حزمٌ من الأشعّة مرّرتها الشمس من بين الستائر. في كلِّ نافذةٍ تستدير قزحيّةٌ قائمة ويستقرُّ بؤبؤ، وزجاجهما البرّاق يتنبأُ مثلي بأنها ستمطر، أما هو فلم يكن في الأمام ولا في الخلف ومع هذا كنت قادرةً على رؤيته بأبعد مّا يتيح بصري الضعيف. اهتزّت السمّاعة في يدي، بينما ارتجفت أصابعي وهي تطلب الرقم أكثر من المعتاد، وكأنما اختلط الارتباك بالكهولة فبات يرجُّ جسدي، رجّاً. لحظة ردَّ (آلو) تسرّب الخَدَرُ من أُذني إلى أعصابي، رجاني بلهفةٍ أن أُصدّق، ولم أقدر، وعلى الرغم من ذلك تشجّعت وأطلقت سريعاً أيَّ كلام: (آلو... مرحباً). استغربت أن تخرج حروفي ناعمةً لهذا الحدّ غير أنّها فعلت، قال بجدّية ما أزال أذكرها: (أهلاً... ومن معي؟)، لم أتصور أن يَخِزني الحزن بتلك الضراوة، كما لو أنّني أنتظر أن يعرفني، من المضحك أن أخال صوتي في آخر عمري مثله في أوّله، إلاَّ أني طالبته بحمقٍ شديد ألاَّ ينتبه لذلك الفارق العملاق، تماماً مثلما فعلت أنا حين تجاهلت التجاعيد التي خدّدت وجهه.‏

وعلى الرغم من كلِّ شيء فقد أَحْرَقت نشوتي العارمة ما فيَّ من خيبة، رَمَّدتها، أراحتني، حتى أنّي أخذت نَفَساً عميقاً حدَّ الإجهاد، وكأنَّ الاحتراق استنفد الأوكسجين من حولي. كرّر في حنقٍ وقد أزعجه صمتي: (من معي؟)، دخلت حرف الياء بمذاقٍ مختلف، أشبه ما يكون باندغام الرِّقة بالنزق، انزلق فيَّ برفقٍ تاركاً نكهة الشيب الذي لم أتخيّله فيه بعد تعلق بمجاري السمع. خَنقتُ رغبتي باختلاق حديث يطول إلى الأبد، وسيّلت في أُذنه شيئاً من البلادة: (ولكن أنت من؟)، شعرت به يبتسم عندما قال: (عفواً سيّدتي ولكنّكِ من طلبني)، لم أكن أعلم قبل السّاعة أنَّ البسمة حين تُحسُّ ولا تشاهد تزيد قدرتها على الإدهاش، وتنشر هذا الامتداد من الانتعاش اللذيذ.‏

وددت لو تنفذ إلى روحي، ولكنّها لم تتخطَّ النافذتين، التصقت بسطحهما حتى لا تكون أمام أو خلف، وإنّما لتصبح كلّ ما أرى، أراقت عن غير قصدٍ محتويات ذاكرتي، واندلقت معها نحو القلب، أوقدت فيه حرارةً أهملتُها منذ زمن، حتى أنَّ كفّي تعرّقت وكادت تفلت السمّاعة بعد أن تكاثف بخار غلياني على مسامات جلدي كلّها، وفجأة سمعتُني وأنا أكذب كذبةً مخذولةً و مؤلمة: (يبدو أنني أخطأت الرقم... أعتذر)، كنت أعرف أنّ تلك الجملة قاطعة ونهائيّة إلاَّ أن المرارة التي زربت منها دفعت شفتيَّ لأن تتباعدا من دون إذني مهدّدتان بالعصيان، نجحت في إيقافهما، لففت أعصابي النافرة وحشوت بها فمي فأخرسته، حتى أنّي بدوت كمن يجرّب جدوى السكوت ذاك الذي لم يخترقه إلا إيقاع أنفاسي المتشنّجة والمركّزة. طوّق بطيبته التي أعرف غلطتي العابرة، وتقبّل بلباقةٍ الخطأ: ( لا بأس..... بسيطة)، شممت في لا بأسه رائحة أولاده وأحفاده بعد أن افترضت أنّه قد صار أباً أو ربّما جدّاً، رأيتهم واحداً واحداً، وكأنّهم عبروا من نافذتيَّ بهدوء، فاحت من الـ (بسيطة) أنّات سنواتٍ لم أنتبه من قبل أنّها طويلة، نفخت تلك الروائح صدري، عبّأته بالأسى، شحنته باستعدادٍ مذلٍّ لأن يجهش باكياً. تماسكت للحظة، ثم أضف شيئاً وإنّما انتظرت منه أن يفعل لطالما انتظرت يوماً منه الأكثر، تجرّأت وتخيّلت معجزةً تحدث كتلك التي تنقذ الرّمق في اللحظة الأخيرة، حبست أنفاسي كما لو أنّي أراها تطلُّ من رحم خيالي، ولكن الحقيقة سرعان ما فكّت ذاك الاحتباس فالمعجزة لم تأتِ تماماً مثلما لم تفعل يوماً، والحدث الوحيد الذي حصل أنّ صوتاً حاداً قاسياً متوتّراً طنَّ فجأة: طوط.... طوط.... طوط....، توقّفت السّماعة عن الارتعاش بينما انكمشت شفتاي مرتعدتان، حاولت أن أخلع غشاء طبلي أو على الأقل ذيول ثوانٍ كانت مرعبة بقدر ما كانت رائعة، وقبل أن أستسلم بقليل لمحت المطر ينساح على زجاج النافذتين لتترقرق حوافه كرؤوس موجاتٍ قزّمها التجاور، كان مختلفاً، وكان الضوء الراشح من بين الستائر يضفي عليه لمعاناً عجيباً، سكّن اضطرابي، برّدني، سحب من أذنيّ القسوة وأبقى على لذّةٍ لا يفهمها سواه، فقد أمطرت ذات صيف... أمطرت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244