جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الصمت والكلام ـــ سليمان السلمان.

يورق الكلام في حقول الريح، ويتجمّع في بيادر الصمت حصاده أصوات تغيب، وحركات لا تستقر... لهذا تفرغ منه البيادر ساعة وصوله، ويقبض السامعون أياديهم على فراغ الفراغ.‏

والصمت كما نعلم كلام غير منطوق، وأقول: حين تسمعه لنفسك وحدك، ولا يسمعه سواك، تكون حيث لا تكون، وكلماتك غيابك، وأنت لا حُضُور.‏

وإذا كانت قيمة الصمت والكلام فلأنّ فيه يكون صمتك ناطقاً في رأس غيرك، في رأسه، في صدره، في يديه.‏

فلا تترك القولَ، نومَ لسانٍ فصيح، خلف ستارة الفكر لأن ما وراء الكلام، مستودع العقل والذاكرة. صياح عقلك فوق الشفاه، ونداء قلبك في حروفك التي تنبض بالأحاسيس ودائرة معارفك الناطقة بلغة الأفهام، وحصيلة رغبةٍ جمَّعتها ذاكرتك الغائبة في عروق الرأس على ضفاف منعرجاتها.‏

فلا تقف حيث الصمت يضيع، وحيث الشتاء المكبوت في مطر الغيم المتوقِّف بغير ربيع، الباحث عن وردة في صقيع، لو ابتسمَتْ رأت شفاه عاشق على فمه أنين جمرة في صوتٍ ناطقٍ بالدفء بعد برودة الهجر، في موسم وداعٍ حين تسيل دمعة وتتوقّف نظرة، وتطلّ كلمة، وتجمد على الكف شارة الرحيل.‏

وأسأل نفسي، كيف تعرفين الكون، وأنت غافلة عنه؟‏

كيف تمضين وأنت على مسالك الرغبة واقفة..؟‏

كيف تسترجعين الفرح، وهو راكضٌ إلى الحزن؟ .. وأؤكد لكِ أيتها النفس المطمئنة:‏

ـ لكل صوت رَنَّة، فالنواقيس النائمة لا تسمع صوتها العصافير فلا تحضن زوايا البيوت أو الأغصان المخضرَّة في البساتين.‏

ـ لكل صوت رَنَّة، والمواعيد الخمسة حين تسرق أنفاسها الريح لا يسأل المنتظرون على الأبواب، متى الفتح القريب؟!..‏

ـ لكلّ صوت رَنَّة، والأصوات تتمدَّد في حرارة القلب، والقلب على صمت الهمس لا يرتقي أضلاعه، ليخبرَ عمَّا فيه...‏

وحين تأخذه الرَّجْفَةُ، ويسكت عن النطق يظل بلا حياة. فلا هو ينادي، ولا نحن نجيب.‏

لا أحد يسمع ساكتاً، وإن علا صوت حقٍّ له فإنه ينخفض في سكوت شفتيه، ويهوي ميتاً على عتبات الصمت، لأنه بلا سند من صياح أو طلقة أو زئير.‏

فلماذا لا نرتوي من نهر ذهب الصمت، حين نَظْمَأُ لماء فضة الكلام؟‏

ولماذا من لا يعرف خطاه ولا نسمع وقعها، تمضى به إلى إرادة السير بلا هدى..؟!..‏

وكيف نعرف السبيل إلى حقول السكوت لنجمع الصمت المتوهّج هناك؟‏

وكيف نعبر الدروب لنرى حركة الحياة، بعد أن ودّع أصحاب السنابل حفيفها في حقول الجنى..؟‏

وها أنا يا صاحبي أسير معك.. لنلتقي في مدار الكلام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244