جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الأديان القديمة والأسطورة العربية قبل الإسلام ـــ مصطفى الولي

أنجزت الشعوب والأمم عملية حفظ لتراثها، وحظيت الأسطورة باهتمامٍ كبيرٍ، فقاموا بجمعها، وأشبعوها بحثاً ودراسة، لأنها التراث الفكري الذي يساعد الأمة على التفكر بماضيها، والاستفادة من الصواب والخطأ، في حين أهملنا (نحن العرب) أساطيرنا، فلم يضمها معجم، ولم يشبعها النقاد بحثاً، اللهم إلا بعض المقالات والكتابات التي تطالعنا بها بعض الدوريات، والمجلات أو الصحف اليومية بين الحين والآخر.‏

على خلفية هذا النقص، وفي محاولة للإسهام في تلافيه وسدِ الثغرة الناشئة عنه، أقدم الكاتب «قصي الشيخ عسكر» على البحث في تاريخ الأسطورة العربية قبل الإسلام، وأصدر كتاب: (الأسطورة العربية قبل الإسلام وعلاقتها بالديانات القديمة).‏

وقد بيّن، أن أساطير الأمم والشعوب تحمل أفكاراً، وسمات مشتركة تتمثل في أكثر من حقل، وفهم أساطيرنا، ينبهنا إلى تلك السمات التي نشترك فيها مع غيرنا، ومن خلال ذلك نزداد خبرة في التعامل مع الآخر المختلف عنّا.‏

مهّد الكاتب لبحثه بتعريف الأسطورة، معتمداً على فقه اللغة العربية، فأخذ من «لسان العرب» لابن منظور، ومن «أساس البلاغة» للزمخشري، ومن «تاج العروس» للزبيدي، ليصل إلى ما هو مشترك في التعاريف المتعددة، فيكون القصُّ هو المعنى الذي يستخلصه الكاتب من مطالعته في قواميس اللغة، وأنها ـ الأسطورة ـ أحاديث عجيبة، لا رابط بينها، أي لا تخضع أحداثها لتسلسل منطقي، وهي بجملتها كذب وأباطيل.‏

في تناوله الأسطورة اصطلاحاً، يذهب الكاتب إلى المصدر الأقرب إلى عصر ما قبل الإسلام، «القرآن الكريم»، فيعرض تسع آيات ورد في كل واحدة منها اصطلاح: الأسطورة.‏

وعلينا أن نشير هنا إلى أن الأسطورة كما وردت في الآيات القرآنية، تعني الكذب، وربّما الافتراء أيضاً. لذلك إن حاولنا مقاربة الإهمال، أو إدارة الظهر، لدى الباحثين العرب والمسلمين، للأدب الأسطوري في التاريخ العربي لا يمكن استبعاد التأثير الديني؛ ولاشك في أنَّ الاهتمام بالأدب الأسطوري لدى الشعوب الأخرى، قد أنتج مؤلفات غنية، كماً ونوعاً، الأمر الذي جعل المقاربات التي احتوتها تلك المؤلفات، مفتوحة على آفاق أرحب، فهي لم تكن محكومة لسقف المحرّم، ولا هي مهدّدة بأي عقاب. «يرجع الأوربيون (دارسو الأسطورة) مصدرها إلى اليونان، ويعرفونها بأنها تعبير جماعي يتّصف بالسرد الرمزي، ويعنى بوصف سلوك الآلهة والشخصيات فوق البشرية وتتضمّن حوادث وظروفاً استثنائية في زمن غير محدّد... وقد تؤدَى الأسطورة عن طريق الكلام، ويمكن أن ترسم أو تؤدَى عن طريق الحركات... وفي تعريف آخر أنّ الأسطورة هي الوصف الشفوي لأحداث ما قبل التاريخ المتعلقة بالآلهة وأبطال أنصاف الآلهة وأعمالهم ومآثرهم» [الكتاب ص 16].‏

نلاحظ هنا، في التعريفات المذكورة، منهجاً حديثاً في تناول الأسطورة، متحرراً، لغةً وفكراً، من أي قيد أو تحريم. ولعلّ ما وصل إلى القارئ العربي من أفكار حول هذا الموضوع، يعود الفضل فيه إلى الفكر العالمي، وتحديداً ما أنتجه الكتاب الغربيون والكتاب العرب الذين قاموا بترجمة بعض تلك الأعمال، ولهم بدورهم فضل كبير أيضاً.‏

مقارنة بين المفهوم العربي الإسلامي للأسطورة، وبين المفهوم الأوروبي، يخلص الكاتب إلى تعريفين يعودان إلى المرجعية الثقافية العربية الإسلامية، أما التعريف الثالث يعود إلى مرجعيته الأوروبية، بأصلها اليوناني، أما الأول والثاني، نلاحظ أنهما يصدران أحكامهما على الأسطورة، دون أي مسعى لتأسيس فكرة نظرية عنها، وهي أحكام سلبية في ثلاثة أرباعها، أما الثالث الأوروبي، فمع الأسف لم يقدمه المؤلف بصيغة تتسق مع تقديمه للتعريفين العربيين الإسلاميين، بل أورده بصيغة تشي بإدانة مبطنة، حيث أورد: «المصطلح الأوروبي الذي جعل الأسطورة اليونانية مقياساً عاماً لكل الأساطير» ص 18.‏

هنا يبدو جلياً أن ثمّة إدانة لهذا المقياس، وكأنّ الكاتب يريد إعلان رفضه للمصطلح المذكور، زد على ذلك: إنَّ تعريفه للمصطلح الذي أورده القرآن لم يكن دقيقاً بالشكل الكافي إذ يقول: «التعريف الاصطلاحي الوارد في القرآن الكريم: وفيه تعني الأسطورة خبراً يحتمل الصدق والكذب» ص 18. وبإمكان القارئ العودة إلى الآيات التي ثبَتها المؤلف في الكتاب (راجع ص 12-13)، سيجدها جميعها تسير في اتجاه واحد، يحمل الإدانة للأسطورة، ذلك أنها تتناقض مع المعنى القرآني، الذي يضع بداية للتاريخ لا تتفق مع تاريخ الأساطير، العربية منها أو العالمية.‏

في استخدامه المنهج المقارن، لإظهار تواصل الحضارة العربية مع الحضارات الأخرى، يعطي الكاتب أولوية للتأثر بالحضارة اليونانية، وهو ما أكّدته البحوث والدراسات المتخصصة، وفي موضوع الأسطورة فإنّ الحكاية اليونانية أقدم بكثير من الحكاية العربية ممّا يجعلنا نقول متأكدين: إن اليونانية هي الأصل، وإن الجانب العربي تأثر بها»، ص 46، ولعله بهذا الإقرار ينحاز الكاتب إلى الموضوعية، في استنتاجه في ضوء المقارنة.‏

بيد أنّ مقارنة أخرى، تتصل بتأثير الأساطير على الآداب العالمية، ومنها الأدب العربي، لم تأخذ مداها الكامل، إذ ركّز الكاتب على الشعر العربي والأمثال الواردة في الكتب العربية، وأظهر امتزاج جزء كبير منها بالأساطير، لكنّ الآداب العالمية لها باع أطول، وفي أجناس مثل الملاحم الأدبية، والرواية الأسطورية، وفي علم النفس والمسرح، وهنا تعود الإشكالية إلى جذرها العميق في واقع الثقافة العربية، التي ما تزال مرغمة على إخضاع الفكر والأدب، كما مختلف صنوف الفن والإبداع، لسقف المحرّم دينياً، وهنا علينا أن نلاحظ تحريم الإسلام لفن الرسم، ولفن النحت، وحتى التصوير، وهي فنون تستمدُّ من الأساطير طاقة إبداع أكيدة وبامتياز.‏

حتى المسرح والأدب الروائي. إن لم يتمكن كتّابهما من استخدام الأدب الأسطوري العالمي بحرية، ودون الاضطرار للانتقاء مسايرة للمحرّم، لن يتمكنوا من إنتاج أعمال ذات سوية عالية، ترتقي، وربّما تتفوق على مثيلاتها لدى البلدان والشعوب الأخرى.‏

ما توقفنا حياله في الفقرات السابقة، لا يقلل أبداً من الأهمية التي تظهر واضحة في الجهد الكبير، الذي صرفه المؤلف في بحثه، فضلاً عن الغنى بالمراجع، وباللغتين العربية والإنجليزية، ومايحتويه الكتاب من طاقة تحليلية، مدعّمة بالشواهد والتوثيق، وما جاء به من معلومات ذات صلة بمادة البحث، لاشكّ بأن القارئ العربي بحاجة ماسة إليها، خاصة ذلك القارئ المهموم بضرورة استنهاض الثقافة، وتجديد الفكر العربي، الأمر الذي يعدُّ شرطاً ضرورياً لمواكبة العرب مسيرة المجتمع الإنساني، في الظروف الكونية الراهنة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244