|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أبي ـــ قصة للكاتب التركي: شوكت يوجل ـ ت.جوزيف ناشف هذا الرجل الطاعن في السن، والذي يجلس في هذه الزاوية، كان قد عانى منذ زمن من نوبة قلبية، هذا الرجل الذي رباني، هو أبي... إنني لا أنسى ذلك اليوم، عندما كان يلبس ثيابه استعداداً للذهاب إلى العمل، وعند الباب «فجأة» وقع على الأرض... كان وجهه مصفراً... يداه ترتجفان... كنا خائفين من جمود عينيه... حملناه إلى المشفى، وعندما تحسن حاله، أعدناه إلى البيت مرة أخرى، ومنذ ذلك اليوم تحول إلى إنسان آخر... ومن حين إلى حين تتجمع في عينيه رياح البكاء فكان يشيح بوجهه بعيداً عنا، ولكي يسلو مرضه بدأ يعتني بأشجار البستان... كان المشمش قد نما على الأغصان... هذا الرجل الذي كان يتحدث قليلاً معنا في السابق تحول فجأة إلى طفل وديع في حركاته، وسكناته، ومن وقت لآخر كنا نراه يلعب مع القطط، ويفكر بطرق شتى في طريقة عيشنا.... كان في كفاح مع نفسه. لقد ابتعد عن أشهى الأطعمة إلى نفسه... وفي بعض الأحيان يصيح بأعلى صوته: «لقد كرهت هذه الحياة وهذه الحمية... دعوني آكل ما تشتهيه نفسي... دعوني هكذا إلى أن أموت»، وبمرور الوقت كنا لا نريده أن يتحدث عن الموت، لأننا كنا نرغب أن يبقى حياً إلى جانبنا، لأنني أذكر أنه عندما كان شاباً كان الربيع يخيم على أركان البيت... حياة سعيدة هانئة... وأسفي الوحيد أن تلك البسمات لم تستمر طويلاً... ـ في صباح يومٍ، طلب مني عدة الحلاقة، أحضرت له الموسى، والمرآة، ووضعتهما على الطاولة بقوة... ومن أجل هذا الصنيع «الجميل» الذي فعلته شكرني بعينيه... بدأ يسن طرف الموسى يدلكه على «القشاط»، ثم غط الفرشاة في الماء الساخن، وبدأ يرغي الصابون على وجهه... في ذلك اليوم كنت أراقبه بكل دقة، ولم أشعر بخجل مثلما شعرت به في ذلك اليوم... لقد كنا بعد تلك النوبة القلبية نعيش في خوف من فقدانه... كنت أنظر إليه بحب، لحيته كانت طويلة، وأكثر الشعرات قد مالت إلى البياض... صلعته ملساء تلمع... على جلد ذراعه تظهر العروق البنفسجية... العينان اصفرتا، وتكورتا نحو الداخل... لقد كنت أنا ابنة هذا الرجل العظيم... أنا من عروقه، ولحمه ومن صلبه، وتحولت عيناي إلى وجهه الذي تضخم بالصابون... كنت سعيدة عندما كانت الموسى تحلق الشعر الأبيض، وتزيله عن وجهه... لقد كانت هناك أخاديد، وحفر تظهر بعد أن كانت مغطاة بالشعر وفي بعض الأحيان كنت أخشى أن تنزل الموسى زيادة عن حده، فتقطع العروق التي برزت من ثنايا الجلد... جلد الرقبة مثلاً... ولكني حاولت التخلص من هذه الأفكار المخيفة، وعلى الرغم من من ذلك، فإني لم أستطع أن أفارق بعيني والدي الكريم... هذه الأعوام التي مضت كلها، ولم أتعرف عليه جيداً لأنني اليوم بدأت أفكر بأشياء أعمق، لم تكن قد مرت بخاطري طوال هذه المدة... في ذلك اليوم سمعت أشياء كثيرة من ذلك الرأس الأشيب، وتطلعت إلى جوف فمه من خلال شفتيه، فوجدته خالياً من الأسنان، ثم إلى ثقبي أنفه اللذين كانا يمرران نفساً عميقاً إلى الصدر... هناك العديد من الأشياء التي أستطيع أن أصفها، والتي يجب أن توصف، ولكني بالضبط لم أكن أعلم عن أي شيء أبحث... كان الثقب الأنفي يعيش في ظلام دامس يشبه إلى حد بعيد فوهة البندقية، وقد تدلى من أطرافه الثلاثة شعر أبيض قصير، وتحت أرنبة أنفه يتمطى شاربه الضخم... الموسى تحلق الشعر الأبيض وتزيله... ظهرت حفر أخرى، ومع الأصوات التي كانت تخرجها الموسى كنت أنتظر النهاية... انتهت الحلاقة... ظهرت آثار دماء ندية في الحفر، وفي أنحاء متفرقة، وبدأت تسيل... أردت أن أسد بأصابعي تلك الحفر، والجروح لإيقاف الدم... لكني بقيت جامدة... جلست مكاني، ولم أشعر برغبة في التحرك نحو أبي، أخرج علبة «البودرة» وبدأ يمسح بها الأماكن المنكوبة، وبالاستناد إلى الطاولة استطاع أن يقف، وغسل وجهه، ومسح ذراعيه، وبدا لي وكأنه قد انتهى من عملية شاقة، وكشخص مجهد متعب توجه إلى المقعد، وجلس عليه... كانت والدتي جالسة في زاوية من زوايا الغرفة، وفرحت لأنه لم يكن ينظر إلي في تلك اللحظة، لأنه كان من الصعب علي أن أفارقه بنظراتي... دخلت أشعة الشمس الغرفة من خلال زجاج النافذة، وأضاءت قسماً من وجهه... كان قد كبر قليلاً... كنت أفهم ذلك من حركات شفتيه، ورفة عينيه، وتقلص الحفر التي تعاني من التفكير... أظنه في تلك اللحظة كان يفكر بالأيام المرة، والمفرحة التي أمضاها مع والدتي... ربما كان يتأسف على تلك الأيام التي رحلت، ولكنه، وبعد النوبة القلبية قرر أخيراً أن يركن إلى نصائح الطبيب، لأنه كان يضع يده على قلبه، وكأنما يستمع إلى الأصوات القادمة من صدره... ويعد أيامه التي... الذباب بدأ يطن حول المائدة، وضوء النهار يصل إلى الغرفة من خلال ثنايا الباب على أشكال مختلفة، والموجودون في الغرفة كانوا ثلاثة، وقد خيم عليهم صمت مطبق... لم أكن أستطيع أن أبعد نظراتي عن أبي... كانت أشياء كثيرة تتحرك في داخلي... أشياء كثيرة, ومختلطة... ترى هل سينجو من النوبة ثانيةً؟ هل سينجو منها هذا الرجل؟ أم أن سند هذا البيت سيرحل بسرعة؟ الحقيقة كنت أعيش دوامة من الخوف، والأسئلة المحرجة... بعد النوبة القلبية الأولى ازدادت محبته لنا، وعندما كان ينزعج من شيء ما كان يقول: لا تزعجوني يا أحبائي... إنني أعيش أيامي الأخيرة! هذه الكلمات كانت تحثنا على مساعدته، وتوفير الراحة له بوسائل شتى... لم نكن نريد إزعاجه بشكل من الأشكال، ومع ذلك، فإنه في بعض الأحيان كان يغرز أسلاكاً من الهم في رؤوسنا. كنت أحس، وكأن نظرات أبي تسدد إليّ خلسة، وعندما كنت أهرب بنظراتي إلى الجدار، ولكن نظراته في الواقع كانت تتركز على والدتي... كنت ساهمة في حركة فكه، وبعدها انتقلت إلى حاجبيه، وانزلقت من هناك إلى يديه، والتجعيدات الموجودة عليها... حياة أبي في هذه التجعيدات... وعلى حاجبه الأيمن هناك أثار جدري منذ أيام الطفولة... ظاهرة واضحة... كأن ليالي الشتاء قد أتت وسكنت في تلك الكهوف الصغيرة... من أجلنا تحمل العذاب، ومع ذلك... هذا الرجل الذي كنت أنظر إليه قد تغير... أين هو ذلك الرجل الذي دللني طوال هذه الأعوام؟ أم أن هذه العيون لم تكن تلك؟ أم هل أنا مخطئة؟ هواء فاسد يتجمع حولي، ومع ذلك فإن تلك الأفكار لم تكن تفارقني... أردت أن أصيح قائلاً: هل أنت والدي؟ وكنت أعلم أن مثل هذا العمل لا يقدم عليه المجنون... كانت عظمة الحنجرة تنزل،وتصعد مع التنفس، والحفر تأخذ أشكالاً غريبة. أشعلت سيجارة له، وبدأ يدخن كان الدخان يخرج من ثقبي أنفه، ويمر وسط شاربه المصفر من الدخان، وتغير هواء الغرفة... كان يدخن في اليوم ثلاث علب... رائحة «النيكوتين» تعشعش في ثنايا أصابعه، وثيابه.. تلك الأموال التي كنا نقطعها من طعامنا ولباسنا كانت تتحول إلى هواء ساخن يذرع الغرفة... كنت أريد أن أقول له في تلك اللحظة: «يا معلم حسين... لا تدخن على هذا النحو... حرام على صحتك وأموالك»... ابتعدت... أسرعت راكضة نحو المطبخ... بدأت هناك أضحك وأردد: كم من أشياء غريبة تنثال على ذهن الإنسان؟ لا بد أن أبي قد سمع صوتي، لأنه مد رأسه من الباب وسألني: «ابنتي لم تضحكين؟...» لم أكن على استعداد لإجابته... ولو أنني حاولت لعمدت إلى الكذب، ولما قلت له عن سبب ضحكي... كان من الصعب أن يتحمل أي من تلك الأفكار التي خطرت ببالي... ولكي أنسى، خرجت إلى الشوارع، وتجولت على الأرصفة... بدأت صورة أبي القديمة تحتل مكانها في رأسي كنت سعيدة لأنني وجدت ما فقدت... أصبحت الحياة في تلك اللحظة حلوة في ناظري... بدأت أسرع الخطى إلى البيت كي أعيش أكثر مع صورة أبي القديمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |