|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
البنية والدلالة في قصة «الهدية» للكاتب إياد جميل محفوظ ـــ أحمد عزيز الحسين أتوقف عند قصة «الهديّة» للكاتب إياد جميل محفوظ المنشورة في العدد/1095/ من صحيفة «الأسبوع الأدبي»، (15/3/2008). إنها قصة تعتمد على تقنية الوصف للولوج إلى أعماق الشخصية، وتقيم نوعاً من التناظر بين ما يجيش في أعماق هذه الشخصية من أحاسيس ومشاعر محتدمة، وما يوازيها في الخارج من عناصر طبيعية وأشياء تعتبر معادلاً موضوعياً لهذه المشاعر، وتجلياً رمزياً لها. فالشخصية المحورية «هناء» تستسلم لحياتها الرتيبة بعد بلوغها سن العنوسة، وتعبر عن هذا الاستسلام من خلال علاقة الألفة التي تقيمها مع الأشياء المتوضِّعة في عالمها الخارجي الرتيب، بل إن العالم الخارجي يصير عالمها الأنيس الذي يشعرها بإنسانيتها بدلاً من أن يدفعها إلى التمرد والتغيير: (حين ينزلق مفتاحها في قفل باب المكتب تشرع الساعة الجدارية المسترخية في صدر غرفة السيد كامل بإصدار تسع دقات متتالية.. كم يسعدها هذا.. تشعر مع رنينها براحة داخلية.. وتستبشر بيوم عمل جديد يسوده الخير والبهجة.. وعلى العكس من ذلك تحس بشيءٍ من الانقباض إذا ما فاتها موعد انطلاق دقاتها التسع)، وهي تستسلم لرتابة عالمها، وتكيِّف نفسها مع هذه الرتابة واجدة فيها نفسها؛ إلى أن يخترق عالمَها رجلٌ وسيمٌ وثريٌّ يبحث عن فتاة أحلامه؛ فيؤجج النار الخامدة في أعماقها، ويحرك المياه الراكدة في بحيرة حياتها الهاجعة، فتمد يديها نحوه، حلمها محاولة الإمساك به. تفلح القصة في رصد حالة التوتر التي تبلغها «هناء»، وهي تحاول القبض على حلمها، ويصل هذا التوتر إلى ذروته في الخاتمة السردية حين تنعدم المسافة عندها بين الواقع والخيال، ويختلط الأمر عليها فتظن أن باب المكتب قد استحال بوابة قصر فارهة يكاد فتى الأحلام أن يلج منها، وتبقى مبهورة لثوان ثم تستفيق على نفسها، وقد تلبستها حالة من الدهشة والذهول وخيبة الأمل. اعتمد الكاتب على تقنية الراوي العليم في بناء قصته، وهيمن صوت هذا الراوي على الملفوظ اللغوي للقصة، ولم يتح للأصوات الأخرى أن تعبر بملفوظها ووعيها عن مشاعرها المحتدمة إلا مرة واحدة على لسان السيد كمال الذي وصف هناء لصديقيه باسل وفادي بقوله: (لا مثيل لها... مرضية.. شايلة أهلها)، وقد جاء هذا القول منبثاً في سياق النص وذائباً في نسيجه، ومن خلال الاتكاء على تقنية الأسلوب اللا مباشر الحر، لا من خلال المناجاة أو الحوار الداخلي. واللافت للنظر أن الطبيعة (في قصة «الهدية») لم تكن خلفية سردية أو ديكوراً زخرفياً للزينة أو تأطيراً للأحداث، بل كانت عنصراً سردياً مشاركاً في الحدث، وبناء الحبكة، وتأجيج عنصر الصراع، ودفع الفعل الصاعد إلى الأمام، فقد جعل الكاتب عويل الرياح في الخارج، وغزارة زخّات المطر، وتأجج النار في المدفأة موازياً لتأجج انفعال الشخصية، وتحرُّك المياه الراكدة في أعماقها، وقرن ذلك كله باستثمار عنصري الضوء والماء، بما لهما من دلالة إيحائية، وجعل زخات المطر (الموحية بالحياة والتجدد والخصب في الميثولوجيا والأديان السماوية عموماً) تطرق زجاج النافذة التي تقف وراءها «هناء» دون أن تفلح في ملامستها، موحياً لنا بحاجة هذه الشخصية إلى الانبعاث ومفارقة حياتها الرتيبة، كما جمع بين قوة حركة الرياح وأشعة الضوء المتسللة إلى داخلها؛ وبين تأجج النار المشتعلة في المدفأة؛ مفسحاً المجال أمام هذه الشخصية كي تتخلّق من جديد، وتواجه حلمها للحظات معدودة وهي في حالة انبهار قصوى. استثمرت القصة، كما قلنا، تقنية الحلم، ومزجت بين الواقع والخيال مزجاً فنيّاً موفقاً، وأحسنت التّخلُّص والانتقال من مستوى إلى آخر دون أن تشعر القارئ بذلك، أو تمهد له بعبارة تشي بهيمنة الكاتب على حركة السرد، أو الكشف عن المستوى الدلالي لبنية القصة. وفي الظن أن هذا لم يكن ديدن الكاتب في بناء قصته دوماً، فقد أطل الكاتب من خلف السطور أحياناً؛ حين أباح لنفسه أن يصرِّحَ بحذف الفجوات الميتة المسكوت عنها في زمن السرد، فذكر بعض هذه المحذوفات؛ كما في قوله «قبل عشر سنوات بدأ مسلسل تسرُّب أخواتها من منزل الأسرة الصغيرة»، ووشى هذا الحذف بحضوره في سياق الحكي، كما نهضت صياغة المبنى الحكائي عنده على التعاقب والتوازي بين زمن الحكاية (القصة) وزمن السرد (الخطاب)، ولما كان زمن الحكاية طويلاً؛ لذا اضطرَّ الكاتب إلى الاستعانة بتقنيات تسريع السرد ومنها: التلخيص والحذف الزمني، مما جعل الفجوات الميتة تكثر في الزمن القصصي وقرّبه من الزمن الروائي أحياناً. وفضلاً عن ذلك، تميزت القصة على المستوى اللغوي بالادخار اللغوي والتكثيف، وابتعدت عن الترهل والحشو، وندرت فيها أو كادت المقاطع الوصفية التي لا تمهد لحدث أو ترهص بتحول الشخصية، نستثني من ذلك المقطع الوصفي الذي يخصصه الكاتب للحديث عن السيد كامل/ رئيس «هناء» في العمل، إذ كان من الممكن التخلي عنه دون أن يؤثر ذلك على السيرورة الجمالية للقصة، ولاسيما أن هذا المقطع غير مُبَأَّر، ويقدَّمُ من وجهة نظر الراوي العليم لا من وجهة نظر الشخصية المحورية في القصة. أخيراً.. لابد من القول: إن هذه القصة تنم عن كاتب موهوب يفلح في اقتناص اللحظة المتوترة الحبلى بالدلالات، ومدّها بالزخم الانفعالي والسردي، والارتقاء بها من المستوى العادي إلى المستوى الفني الذي يحسن هز القارئ، وشحنه بالانفعال والتوتر، ودفعه إلى التساؤل عن مغزى حياته وجوهر وجوده. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |