جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

همسات خريفية (للراحل أحمد معروف حيدر) ـــ أمير أحمد سلوم

لا شيء أبلغ من الصمت، ولا شيء أبلغ من المحاكاة العقلية، وكنت في زمن مضى من الأوائل على أبناء جلدتك عرفتك السياسة والفكر جيداً، ولفترة من الزمن أعلنت استقالتك من السياسة عندما أحسست أن الأجيال تنهزم أو هي في تراجع دائم. قلت: لا للزمن القادم من بعيد كنت تتفرج على تلك الأجيال وهي تعود إلى الخلف. وكنت صديقاً حميماً للراحل العربي الكبير(الأستاذ زكي الأرسوزي) الذي كان له الفضل بوضع نظرية «حزب البعث العربي الاشتراكي» وكنت مخضرماً، إذ عشت فترة جيلين (القرن التاسع عشر والقرن العشرين)، ذوت شمعة عمرك وانطفأت في فصل الخريف (تشرين الثاني) عام (2007)، حينها بكتك الدروب والأزهار والعصافير، كانت تنوح بوجل حزين على شباك بيتكم العتيق في قرية (عين البيضا)، لم تختلط برفاقك قط بل انفردت بالفلسفة الخاصة بك، اتشحت مع كل ما يتعلق من أفكار وأكملت (رحلة ابن رشد) حيث تصوفت بآرائك وأنت القائل:«إن لم يكن الإنسان متصوفاً برأيه ليس جديراً أن يحيا فوق سور الوطن».‏

وأعرف ذلك جيداً حين كنت تصعد منابر المحاضرات للعديد من المراكز الثقافية والمنتديات الأدبية وليس هذا في قريتك فحسب، وإنما على مستوى العالم كله، وكنت تغذي المجلات بأفكارك الجياشة.‏

كان صمتك يوحي بأنك قادم من بعيد، وهو التعبير البليغ لكل ما يجول في خاطرك وكنت تبادل الرأي للناس جميعاً حتى الصغار وتبادل المبدعين العرب وتفرض رأيك بوجوم. والجانب المضيء أكثر في حياتك أنك لم تتنكر للهوية والهوية كانت أساساً (في تمهيد في الأمة) وذلك عنوان نشر في مجلة المعرفة في الستينيات من القرن الماضي وتضع النظريات الفلسفية بأسلوبك الرشيق وهذا ما عرفناه عن المبدع والمفكر العربي الكبير (الأستاذ أحمد معروف حيدر) وقد تنقلت في مدارس القطر كافة حتى أصبحت مفتشاً لمادة (الفلسفة وعلم الاجتماع) في وزارة التربية وقبل أن تسحب ورقة الروزنامة الأخيرة توقف ذلك القلب الكبير عن العطاء وهذا من المؤسف، حيث كنت على أبواب الثمانينيات.‏

توغلت فيك العناوين وأعلنت انسحابك من الزمن، والذي ساعدك على هذا التواضع هو التربية الأولية للأستاذ والدك (معروف حيدر) حيث كان يعمل موظفاً في إدارة حصر التبغ والتنباك وأنت الولد الوحيد لذاك الأب الرحوم، الذي أفنى حياته من أجلك أنت، ولم تضيع ما قدمه لك، كنت تنهض بقامتك المديدة أمام مكتبتك التي امتدت طولاً وعرضاً وتودعها في آخر الليل، وكأني بك وأنت تبادل أفراد أسرتك بابتسامتك اللطيفة وتزودهم بأفكارك الجيدة قبل أن تتناول القهوة الصباحية وتشربها (بدون سكر)، وماذا أقول لك، بأنه لم يكتب لك أن تكون عضواً باتحاد الكتاب العرب، علماً بأنك كنت من المؤسسين لهذه المنظمة وكلهم تلاميذك، ولديك عشرات العناوين عداك عن المجلات والمخطوطات التي عرفت الدرب إليك، وكنت نقطة مضيئة في الفكر والإبداع، ولعمري، ما نسيتُ يوم كنتُ أتثاقلُ عليك بالأسئلة المكثفة، وأنت تجتاز المدينة أنت والمرحوم (سليمان كامل) وتسيران معاً في شوارع المدينة وعلى أطرافها. تفكران بمستقبل الإنسان العربي، وكيف له أن يعيش في عصره مهزوماً وهو لا يمتلك أدواتاً للاستمرارية، تأبيت عن السير في ركاب الآخرين. وفي نهاية الأسبوع تذهب إلى القرية الوادعة لتملئ وقت فراغك بابتساماتك اللطيفة وجسدك المتهالك، وعندما كنت تنظر بأوراقك الخاصة دون أن تضع النظارة على عينيك وهذا نوع من الكبرياء. (والعظيم لا يصغر مطلقاً) كنت ترى الآدميين عبارة عن هياكل من صلصال تتناثر في دروب المدينة، ومن دواعي الأسف أنك لم تكرم، ولن تكرم ولن يكون لك اسمٌ في اتحاد الكتاب العرب وعلى من تقع هذه المسؤولية التاريخية....؟‏

لأن الأجيال بحاجة إليك والعودة إلى فكرك النير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244