جريدة الاسبوع الادبي العدد 1130 تاريخ 6/12/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الكاتب والقارئ... حوار مخيلتين ـــ حميد سعيد (العراق)

إذا كانت الكتابة، قد استأثرت بالكثير من البحث والتأمل والدراسة، وإطلاق الأحكام بشأنها، وتعدد وجهات النظر حولها، وبالتالي فهي عملية شديدة التعقيد، من مكوناتها الوعي والخبرة والخيال والاستعداد والثقافة ومنها تتشكل الموهبة، ومن ثم النقل والتمثل، فإن القراءة، ما كانت مجرد تلقٍ سلبي، فهي "القراءة" تتوفر على الكثير مما للكتابة من مكونات، وفي مقدمتها الحوار بين المكتوب والمتلقي، ومن ثمّ الخيال، الذي طالما شكّل أحد الأسس، لعلاقة بين القارئ وما يقرأ، وحين يقول "لويس سبولتيدا": "ليس لدي أية فكرة في فرضِ أمرٍ على قرائي، كل ما أهدف إليه منحهم مادةً للتفكير" فهو بهذه المقولة، يعطي لنفسه حقاً، يستأثر فيه بحق من حقوق القارئ.‏

ومهما كان تأثير الكاتب على القارئ، فإن طبيعة هذا التأثير، لا يحددها الكاتب، بل هي نتيجة نوع استجابة القارئ، فحين يُقرأ نص من قبل قارئين اثنين، فإن ما يتركه هذا النص، من تأثير ليس متساوياً لدى الاثنين، وهكذا تكون الانطباعات التي يخرجُ بها القارئ مما يقرأ.‏

لكن لهذه الانطباعات ظروفها الموضوعية، وليس كما رآها طه حسين حين قال يوماً: "أحب هذا الأدب لأني أحبه!".‏

قبل أعوام، كتبتُ عن تجربةٍ ذهنيةٍ عرفتها شخصياً، وعشتها بعمق، إذ عقدت ما يمكن أن أصفه بالعلاقات الشخصية، مع بعض أبطال النصوص التي أقرأ، حتى يذهب بي الخيال إلى أنني عرفت هذا أو ذاك أو أولئك منهم، وجاورتهم، أو تمثلتهم في آخرين عرفتهم في الواقع، وكتبت بتأثير هذه التجربة، مجموعة نصوص، هي أقرب إلى المذكرات أو السيرة الغيرية، نشرت نصين منها في صحيفة "الاتحاد الاشتراكي المغربية" الأول عن علاقة شخصية لطالما تخيلتها، مع القبطان "إيهاب" بطل رواية هيرمان ملفل "موبي ديك" حيث كنا نلتقي في مقهى بميناء برشلونة، فأحاوره مندداً بسلوكه الثأري العصابي، والثاني عن أشقاء، من عائلة عرفتها عن كثب، وكنت أجد فيهم، ما كان في الأخوة كرامازوف. وما زلت أحتفظ بين أوراقي في بغداد، بنصوص أخرى، لم أنشرها، تضم ما تخيلته علاقة شخصية بالليدي شاترلي، ومواجهة مع "ستوكمان" أحد أبطال شولوخوف في الدون الهادئ، ألومه فيها، على تشدده وانغلاقه ودوغمائيته، ومن الشائع في فعل خيال المتلقي، إن كثيرين من القراء العرب، أقاموا علاقة ما مع "سي السيد" بطل ثلاثية نجيب محفوظ، وتخيلوا معرفة به، إذ كان فيهم بعض شمائله، أو في أقاربهم ومعارفهم، وإن ألوف القراء من مختلف الثقافات والأجيال والمجتمعات، تعاملوا مع "مدام بوفاري" ليس باعتدادها شخصية متخيلة، بل كونها امرأة حقيقية منحرفة أو متمردةً، حسب موقف القارئ من سلوكها، حتى إن "سانت بيف" يذهب بعيداً في النظر إليها، خارج مهادها الروائي، قائلاً: "ليست كل الشابات المتزوجات في نورمادني يشبهن إيما بوفاري" ويتناول المفكر والروائي الأرجنتيني "ارنستو ساباتو" مثل هذه العلاقة بين القارئ والشخصية الروائية، بالإشارة إلى تماثلٍ ما، بينهما، وهذا التماثل هو مصدر التقارب، والأقل، اشتغال المخيلة في اصطناع التقارب، حيث يقول: "إذا اهتممنا بهاملت لدرجة ما، أو في لحظة ما من الحياة، فبسبب انفعالات مشتركة، كذلك نحن دون كيخوتيه وسانشوبانزا، وبشكل مما تتملكنا شهوة قتل مرابية عجوز، حتى إذا لم نمتلك هذه الرغبة، أو يخيل إلينا، بأنها لا تسكن رؤوسنا، فإن الكاتب عديم الرحمة، يجعلنا نشعر كأننا امتلكنا هذه الرغبة".‏

إن خيال المتلقي، يحدث أن يمارس نوعاً من المحو أو القمع، تجاه خيال الكاتب، وعن هذا المحو أو القمع، يقول "فرانسوا ويرغان": "لم أعد أجرؤ على قول أي شيء، ففي كل مرة يعتقد الناس إنني أتحدث عن نفسي" أو قول "توني موريسون": لقد شعرت بالغضب مؤخراً بسبب تلك الفتاة التي في الكتاب».‏

لقد سبق لي أن كتبت معترفاً، بأنني حين أقرأ رواية، تتناول محيطاً اجتماعياً أعرفه أو أتخيله، لا أستطيع التخلص من هاجس محاولة تشخيص أبطال الرواية وأحداثها، وحين يحدث أن تعرف على الروائي وأقترب من مفردات تجربته، لطالما أعدت قراءة رواياته، في محاولة لتشخيص الأبطال والأحداث، وقد مارست لعبة التخيل هذه، مع أكثر من روائي وكثير من الروايات.‏

وقريباً من هذا السياق، تحدث المخرج والروائي وكاتب السيناريو "فرانسوا ويرغان" حيث كان في حوار مع "آن ويزمسكي"، عن الكاتب وحقه في التخيل، لكن كما يروي: ما إن خرجنا من المقهى بادرتني قائلةً: الممثلة في روايتك.. من هي في الحقيقة؟ وعلى الرغم من رسوخ فكرة ارتباط الكتابة الروائية بالخيال، خيال الكاتب، فإن مواجهة الكاتب من قبل أقرب القراء إليه، بأسئلة من قبيل سؤال "آن ويزمسكي" أي من هذا ومن هذه؟ وأسئلة أخرى تتعلق بالمكان ومجريات الأحداث، تكاد تكون حاضرة في حياة معظم الروائيين، وإذ كدت أنتهي من كتابة هذا الموضوع، قرأت لبهاء طاهر: "إن كامل زهيري، ظل يبحث عن البطل الحقيقي الذي استوحى منه يحيى حقي شخصية الدكتور إسماعيل في ـ قنديل أم هاشم ـ إلى أن عثرَ عليه في شخص أحد السفراء".‏

ولعل، أسوأ ما قرأت، بشأن عمل مخيلة القارئ في تشخيص الحدث الروائي، ما ذكره "تشارلس مورغان" في إشارته إلى متنطعين، حاولوا الربط بين أحداث رواية تولستوي "الحرب والسلام" وانتصارات "ستالين" في الحرب العالمية الثانية، ولم يوضح مورغان، من هم هؤلاء، ولا مظان قولتهم.‏

إن القراءة لقاء بين شخصين، كما يقول "بول أوستر" لقاء بين كاتب وقارئ، ربما غير متزامنين ولا ينتميان إلى عصر أو محيط واحد، والقراءة تجربة ذاتية، وكل طرف من طرفي اللقاء، يعيشه ويدركهُ على طريقته، ولذلك ليس القارئ دائماً هو المتلقي، بل هو شريك أيضاً، في الأفكار المكتوبة، من خلال عمل مشترك على رأي سارتر، يعمل على دمج وعيين متباعدين، والخروج بنتائج هذا التفاعل، أو الشراكة، أو دمج وعينا بمجرى النص، كما قال "وليم راي".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244