|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الاستثمار فينا!! ـــ إبراهيم الجبين روائي وإعلامي سوري نقرأ هنا وهناك عن جهات كبرى تقوم بالبحث عن الموهوبين في أنحاء العالم، وتدخلهم في ما يسمى ببرنامج (صناعة النجم) ثم ترعى مصالحهم وتوجههم نحو الاهتمامات التي تتناسب مع ما تريده منهم بعد صناعتهم.. كنت أقرأ هذه المعلومات منذ ربع قرن على الأقل، ساينتولوحيا مثلاً ...وأفكر في كل المشروع مرات ومرات ..حتى صدّقت أنه يوجد في عالمنا القريب من يفعل ذلك ...ولهذا تركت لما يسمونه ( معجزتي) أو (هبتي السماوية) أن تتحكم بحياتي كلياً على أمل أن يظهر أولئك الذين يرتدون ثياباً أنيقة سوداء، ويطلبون مني اجتماعاً سرياً في أجواء غامضة، ليسوا من الـ CIA ولا يمثلون محفلاً ماسونياً في أحد الأدغال العربية .... وطيلة تلك الطريق التي أظهرت شراسة تضاريسها أن لا معجزة ولا هبة سماوية باستطاعتها تحمّل البيئة التي تعيش فيها اختلافك ...أو على الأقل رغبتك بالاختلاف...طيلة تلك الطريق ...ظهر المنتظرون ـ بفتح الظاء ـ مرات ومرات ...ولكنهم حيناً يأتون بلحى طويلة وشوارب محفوفة ...لتكون أحد استثماراتهم في العالم الآخر ....وليبنوا لك قصراً في الجنة ... وحيناً آخر بثياب مهلهلة ورائحة تبغ تفوح من على بعد مسير نصف يوم وبلحى أيضاً ...ولكنها تحاكي لحية غيفارا وهوشي منه ...ولا دخل لها بتلك التي لأيمن الظواهري أو غيره... وفي أحيان أخرى يأتونك من عالم الغيب الاقتصادي ...لا تعرف ما يريدون ..ولكنهم يحضرون ...والدولارات تتساقط يميناً ويساراً أثناء تقدمهم لمصافحتك ... يأتونك على صورة رجال علم ..ومحاضرين ....ولا تفهم جدوى أن يستعملك العلم وأنت معادلة لا تفضي لنتيجة علمية، ولا يمكن أن تتحول إلى عبارة منطقية...في كون العلم الواسع وطبشوره وسبورته.. يأتونك على شكل سياسيين فاقدي الأمل ، يريدون أن يطيلوا عمر أوهامهم بك ...و يحرصون على أن تشاركهم بعد قليل كراسي الكآبة في مقاهي المتقاعدين عن كل شيء. يأتونك من دول أخرى ...كي تشاركهم صناعة حالتهم دون أن تحسب عليهم أو يحسبوا عليك ...لأن الأمور مختلفة ...ما بين هنا وهناك ... يأتونك من عالم الفساد ...كي تصبح أحد غسالاتهم ...وأنت ترغي مع غيرك في مشروع غسل أسمائهم وأموالهم ... يأتونك من بعد آخر هو التخلف ...لتكون شريكاً في قتل كل جديد ...ولتبقى محافظاً مثلهم على ما لا يموت أبداً في أعينهم ...الرداءة والتخلف ... وتبقى أنت تنتظر صانعي النجوم ....لأن هؤلاء كلهم لم يقنعوك بأنهم يريدون موهبتك ...بل يبحثون عن طريقة لوضعك في علبة صغيرة كبرغي احتياطي ..أو أساسي لا فرق ... الوحيد الذي لا يأتي إليك ......هو الدولة .... لأنها مشغولة بأمر آخر ...وباستثمارات أخرى ...وعلى مسؤوليها الاهتمام بتنظيم الحفلات ....وتوزيع الجوائز ...وتدبر أمر المسؤول الفلاني الجديد أو تدبير مخرج من الحرج بخصوص المسؤول العلاني العتيق ..... الدولة ....هي من ننتظر أن تقوم بالاستثمار فينا وفي من هم أكثر موهبة منا، ولا يجب أن تتركنا الأم الكبرى ..وفي الوقت الذي نعمل فيه من أجل هيبتها ومن أجل أن يكون لها علامات مميزة مختلفة في العلم والفن والسياسة والثقافة ....لا يجب أن تتركنا في مهب كل أولئك المستثمرين ..... سيقول أحدكم الآن وهو يقرأ هذه السطور ...لماذا ينبغي أن تصدق الدولة أنكم أصحاب مواهب تستثمر ...أقول لأن الدولة تصدق مواهب المطربين الجدد والفنانات متعددات الملكات ...وأقول إننا في عرائنا ...ودون أن يرعانا أحد تمكنا من صنع ظواهرنا ...ورسمنا على الهواء خطوطاً يراها الجميع ... سيقول آخر ...وما جدوى أن تستثمر الدولة فيكم ؟! أقول ..ليس لدى سورية الكثير من الثروات ....ولكن لديها ما لا ينتهي ...الثروة الثقافية ....التي تتوالد منذ آلاف السنين ...وهي مستمرة في الخلق ..يمثلها الشعراء والروائيون والسينمائيون والموسيقيون السوريون ...يمثلها كل هؤلاء الذين تتناهبهم الجهات التي أدرجتها في السطور الأولى ... يمكنني أن أعدد الأمثلة وأذكر الأسماء ...وأذكّركم بمن تحوّل إلى أصولي ..بعد أن كان يغني الأغاني الملتزمة من شعر السياب وأدونيس وغيرهما ....ويمكنني أن أذكّركم بمن كتب قصائد الحب سنين طويلة ثم ها هو الآن يكتب الزوايا البذيئة في إحدى مطبوعات الفساد ...يمكنني أن أذكّركم بمن لفت أنظار العالم بتحقيقاته الصحفية المذهلة ...وهو الآن يضطجع على شاطئ رملي في بلاد العم بوش ...أو يغطس في مياه الخليج....أو تتناهبه من تدعي أنها (معارضة) .... في فن الحكم ...لا علاقة للسياسة بمعنى (الدولة) الدولة للجميع ....وهي كائن لا نهائي يستثمر الكل من تشابه منهم ومن اختلف ....في سبيل الدولة ....كائن يعتز بأبنائه..حتى الشتامين منهم ...والصارخين...حتى الضالين ...حتى المبتعدين .. ولأن الدولة هي المستثمر الأعلى ....فلا بأس أن ندعوها لتعمل على تحويل كل تلك الطاقات في مختلف المجالات إلى موارد للمال وموارد للصيت العالمي ...وموارد للحضور في نطاقات شتى ... لاتتركيهم يطرقون الأبواب ....بل اذهبي إليهم ....وقولي لهم إنك بحاجة لظواهر سورية مستمرة ....كي تتمكني من تجديد مناهج التدريس وتضعي فيها أسماء جديدة عن علماء ومثقفين ....عن أدباء وشعراء سيصنعون ثقافة أطفالك ....استثمري فيهم...فهم لا يقلون أهمية عن الأرض الزراعية أو بوابات القصور الأثرية أو آبار البترول أو الأجيال الجديدة من الحاسبات والأسلحة . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |