|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الرمز في شعر الأطفال «أدب العصافير» ـــ محمد قرانيا وجد الرمز في شعر الأطفال حييّاً، وتطور بتطور الصورة الشعرية في القصيدة، فالخيال كما عبّر عنه «وردز وورث» هو العدسة الذهبية التي يرى الشاعر من خلالها موضوعات ما بلحظةٍ أصيلةٍ في شكلها ووزنها. وتختلف الصورة الشعرية باختلاف مذهب الشاعر الأدبي. واختلاف الصورة يعني اختلاف تصوّر معنى الخيال ومفهوم الرمز. فالصورة التجسيمية، والوصف الموضوعي يميزان الصورة عند البرناسيين، والصورة المشوبة بالغموض هي منهج الرمزيين الذين يولون الظلال من دون الألوان الأهمية الأولى، بينما يحتضن السرياليون الصور الشعرية ذات الدلالات النفسية. تأثّرت الصورة في شعرنا الحديث بصور الشعر الأوربي إلى حدٍ ما، فاكتسبت حلةً جديدةً في ظلّ تجربة عضويةٍ صادقةٍ، وأصبحت تعبيريةً إيحائيةً لا تقف عند حدّ الحسّ، ولا الوصف المباشر أو البرهنة العقلية. واتسمت الصور بالشمول، حتى صارت القصيدة الواحدة لدى عددٍ من الشعراء صورةً، وبخاصةٍ في القصائد التي تحمل رمزاً موضوعياً «حيث تصبح القصيدة ذات آفاق فنيةٍ تتعامل من خلال إيحاءات نفسية واجتماعية ووجدانية وواقعية مشعّةٍ بنبض الواقع وطموح الأمل وإشراقه الغد». وإذا كان الرمز في الأدب الغربي القديم حبيس مدلولٍ واحدٍ، غالباً، فإن شعرنا المعاصر حفل بتنوّع الرمز للشيء الواحد، فـ «أبو صخر الهذلي» ـ على سبيل المثال ـ يُسقط على «العصفور» حالته الإنسانية عندما تتلبّسه الرعشة العاطفية، في البيت المشهور: وإني لتعروني لذكراك هزةٌ كما انتفض العصفور بلله القطر ومن المعاني الشائعة، إذا ذُكر الحبيب في التراث، يقال: «كأن فؤادي في مخالب طائر». وفي الشعر المهجري كثرت الرموز المستمدّة من الطبيعة، والتي تصوّر حال المهجري في غربته، فكان العصفور حليةً فنيةً تحمل إيحاءاتها الشفّافة التي تناسب الهمس والبوح، فتألّقت نماذج متعدّدة منه، كـ «العصفور الأعمى» عند «رياض المعلوف» في ديوان «زورق الغياب» الذي جعله معادلاً موضوعيّاً للإحباط الإنساني والفشل الوجداني. وصار «العصفور» لدى الشاعر «القروي» معادلاً موضوعياً للغربة، وجسّد «البلبل» عند «أبي ماضي» حيرة الإنسان وقلقه، بينما كان في تجربةٍ أخرى رمزٌ للرقي الاجتماعي والحرية... ويطلّ أدب العصافير في شعر الأطفال، تتردّد أصداءه، فتمتلئ الجواء بأغانيه ورفرفة أجنحته، وانطلاقه في السماء الزرقاء والحقول الخضراء، حتى يصير العصفور في شعر الأطفال رمزاً للعديد من رؤى الشعراء، فهو البراءة والفطرة والحبّ والحرية والانطلاق والحركة والجمال، فهو عند الشاعر «سليمان العيسى» لوحةٌ جماليةٌ متكاملة الأجزاء: عصفور طلال شلاّل جمال منقارٌ أحمر ما أحلى وجناحٌ أخضر ما أغلى عصفور طلال شلاّل جمال وفضلاً عن تشكيلاته الجمالية، فإن «العصفورة» تُُعد الشاعرة الأولى، ومعلمة الشعراء: كانت تغرد وهي طائرة كان الندى يشتاق نغمتها كانت وكان الفنّ مهنتها فطرت على الأشعار فهي لها وتسيل ألحاناً على الشجرِ فيذوب عند تبلّج السحرِ منذ انحنى لحنٌ على وترِ في الروض قبل قصائد البشر وعش العصفور رمزٌ للحبّ والبناء المتماسك المنسوج بعنايةٍ فائقةٍ، يصير أنموذجاً رائعاً للطفل ينسج على منواله، كما في أبيات «موفق نادر»: هيا نلعب فوق الورق نرسم قشاً وسط دوائر نرسم بالنور المنبثق نجعله عشاً للطائرْ والعصفور، نظراً لتجسيده الطبيعة الموّارة بالحياة والحركة، يساعد الشاعر على تحقيق رسم الصورة الحسية الحيّة، بانتقال (الشيء) من (الشيئية الحية) إلى (الحيوية الحسية) كما في صورة (البستان /العصفور) في قصيدة «بستاني»: بستاني عصفورٌ أسمر وربيعٌ فتّان أخضر وهذا من شأنه أن يجعل العلاقة بين الطرفين جدّ قريبة، لأن درجة الانزياح بينهما واهية، نظراً لوجود العناصر الدالّة المشتركة بينهما (الحيوية والحركة والجمال والطبيعة) ثم لأن الصور تحقّق انتقالاً من محسوسٍ نباتي حيّ (البستان) إلى محسوس حيوانيّ آخر (العصفور) وما يلاحظ هنا، أن الصورة الحسية التي يحقّقها التشبيه، توحي بتحوّل البستان من شيئيته الجامدة، إلى طبيعةٍ حيةٍ محسوسةٍ تمور بالخصب والعطاء والجمال، مثَّله العصفور، الرمز الحيّ المحسوس، للوداعة والحبّ والجمال والحركة والحرية. ويمكن تكثيف الصورة الحسية عن طريق الجمع بين عدّة مدركات حسية متنوعة؛ سمعية وبصرية، ولونية وشعورية، في مجالٍ واحد. مما يساعد على نموّ تلك الصورة الكلية عمودياً، ولقد تجلّى الإحساس البصري في الصورة المكثّفة: في منزلنا بين الوردْ يبني عشّاً حلوَ الخدْ عصفورٌ غضّ المنقارْ واللحنُ نشيدٌ من آذارْ وكما هو عند «ممدوح السكاف»: «حلمٌ» ملوّنٌ وعالمٌ جميلٌ ساحرٌ: العصافير جناحْ في ربيعٍ ناضرِ شمسُه كالبرتقالهْ ومع المغرب عشٌّ ومناماتٌ جميلةْ وأغاريد صباحْ ونهارٍ عاطرِ تنشر الدفء غلالهْ فيه دفءٌ فيه قشٌّ وخيالاتٌ ظليلهْ ولعل من أكثر الترميزات التي أولاها الشعراء عنايتهم، أنهم جعلوا العصفور رمز «الحرية» التي منحها الخالقُ للبشر، كما في صورة «ممدوح السكاف»: قالت سلمى للشحرور العابرْ / ـ من أرضعك حليبَ الحرية، حبَّ الأوطان؟ قال الشحرور العابر وهو يحلّق في الجوزاء ويمضي: / ـ هو ربُّ الأكوان.. وقد التفت الشاعر «بيان الصفدي» التفاتة تواكب العصر، إذ استحضر ذكرى العالم العربي الأندلسي «عباس بن فرناس» بوصفه العربي الأول الذي حاول الطيران، مستفيداً من شكل الطائر، وخاصية جناحيه في التحليق والطيران، وفي ذلك إشارةٌ للطفل، كي يلتفت إلى علوم التقنية الحديثة، مستفيداً من لغة الحلم وخصوصيات الطيران، كما في قصيدة «أنمار.. طار»: «ذات نهار، قلت أحلق كالأطيار/أبدأ من أين؟/ جهَّزت جناحين/ ركبت الذيل/ طبعاً.. لم أنس الذيل!/ وصبرت فحل الليل/ ألقيت بنفسي من أعلى دار/ رفرفت../ فصرت أطير.. وأعلو/ وأنا أنظر/ حولي عتم حيناً/ شهب حيناً.... أو أنوار/ يا لك من طفلٍ جبَّارْ!/ آه.. لو أبصرني «عباسْ»!/ من «عباسْ»؟/ «بن فرناس»/ مشهورٌ في كل مكانْ/ رائدُ مَن عرفوا الطيرانْ/ أكملْ.. أكمل.. يا أنمارْ!/ ماذا صارْ؟/ بعد قليلٍ رأسي دارْ/ جسمي دارْ/ كنت سريعاً/ فصدمت القمر الفتَّانْ/ صاح بصوت عالٍ:/ «كيف أتى هذا الإنسانْ؟!»... وهكذا يمكن أن تكون جميعُ كائنات الطبيعة ومظاهرها المتمثّلة في النباتات والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار وسيلةً للرمز، يتخذها الشاعر لنقل تجربته الإنسانية، وصياغتها بفنّيةٍ محبّبةٍ حين يصير الرمز «عنصراً درامياً» يخدم القصيدة ويجعلها تحلّق بأجنحةٍ ملوّنةٍ، ويُضفي عليها حللاً من الوهج الشعري النابع من اللغة والإيقاع المنفتح على الجمال والكون والإنسان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |