جريدة الاسبوع الادبي العدد 1130 تاريخ 6/12/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

من حوارات النقد (2) ـــ أ.د.عبد النبي اصطيف

قال لي صاحبي وهو يحاورني: هل لي أن أستأنف الحديث في شؤون النقد وشجونه؟‏

قلت: ولم لا، والنقد نشاط إنساني متأصل في الحياة الإنسانية ببحثه عن هامش الأفضل في كل وجه من وجوه الحياة.‏

قال: أرجو ألا يعني ذلك أنه نشاط هامشي لأنه مرتبط بهذا الهامش كما قد يفهمه البعض.‏

قلت: سامحك الله إن فهمت من عبارتي هذا الذي يشي به سؤالك. ولكن لا تثريب عليك، فكثيرون أولئك الذين يعتقدون أن النقد نشاط تابع للأدب، ومعتمد عليه، بل إن بعضهم يراه مجرد نبات طفيلي يعيش على حساب شجرة الإبداع العظيمة، وأنه عالة على الإبداع والمبدعين.‏

قال: لم أقصد ذلك بسؤالي، فأنا أعلم سمو منزلة النقد في نفوس النقاد، وخطورة الوظيفة التي يرونها في المجتمع الإنساني.‏

قلت: النقد نشاط سامٍ، ودوره خطير في الارتقاء بأي مجتمع إنساني بسبب ارتباطه العضوي بالهدف السامي الذي أشرت إليه، وهو البحث عن هامش الأفضل في حياة مجتمعه. إن أي وجه من وجوه الحياة التي نعيشها لن يبلغ الكمال مهما سعينا إلى بلوغه فيه. ولعلك تلاحظ أننا، عندما ننتهي من إنجاز أي عمل نقوم به، سرعان ما نكتشف أن بإمكاننا أن ننجزه على نحو أفضل، ووظيفة النقد هي الإشارة إلى النقطة التي تحول بين هذا العمل وبين الكمال، ومن ثم اقتراح كيفية تجاوزها.‏

قال: ولكن هذا السعي سعي متجدد، وطريق لا نهاية لها.‏

قلت: هذا صحيح، وهو سر عظمة الإنسان الذي يؤمن بأن عليه ألا يرضى بالجيد، وأن يبحث باستمرار عن الأجود؛ وألا يقبل بالحسن، وأن يبحث باستمرار عن الأحسن؛ وألا يقنع بالجميل وأن يطمح باستمرار إلى ما هو أجمل وهكذا.‏

قال: أتقصد أن الطموح والتطلع باستمرار إلى ما هو أرقى هما ما يكمن وراء عظمة هذا الإنسان؟‏

قلت: بل إني أكاد أرى الإنسان مخلوقاً طموحاً، إذا رأى فيه الآخرون حيواناً ناطقاً أو حيواناً عاقلاً.‏

قال: "للناس فيما يعشقون مذاهب"، ولك أن ترى في الإنسان ما تراه، ولكن ما أريد منك بيانه هو كيف يبحث النقد عن هامش الأفضل.‏

قلت: لا شك أنك تقصد النقد الأدبي بسؤالك هذا، وأن "الأفضل" الذي تريد مني بيان كيفية بحث الأدب عنه يتصل بفن الأدب.‏

قال: صدقت، هو هذا ما أردت بالضبط.‏

قلت: أنت تعلم أن النقد الأدبي يستمد هويته من صلته العضوية بالأدب، فهو نقد أدبي، أي نشاط منسوب للأدب. ولو تأملت طبيعة هذا النشاط لتبيَّنْت أنه نشاط ذهني ينطوي على جملة من العمليات الذهنية أو العقلية. فهو يبدأ أول ما يبدأ باختيار نص أدبي ينقده، والاختيار يقوم على مفاضلة ضمنية تنتهي بانتقاء نص من بين نصوص عدة استناداً إلى معايير ضمنية معينة في نفس من يختار.‏

قال: ولكن قد يُفرض النص على الناقد من الخارج، فيُكَلَّف دراسة نص معين، أو تقويمه، بغرض النشر عند تحرير عدد من مجلة أو دورية معينة، أو يكلّف المفاضلة بين مجموعة نصوص عندما يطلب منها اختيار أحدها للفوز في مسابقة أو جائزة معينة استناداً إلى معايير وشروط تحددها الجهة المنظمة للمسابقة أو الجائزة.‏

قلت: هذا صحيح، ولكن من يختار هذا النص في البداية، ومن ينتقي النصوص ويدفعها إلى الناقد للمفاضلة فيما بينها يختار ما يختار استناداً إلى معايير ضمنية معينة أيضاً.‏

قال: هذا صحيح، ولكن ما الذي يتلو الاختيار من عمليات عقلية أو ذهنية؟‏

قلت: ثمة بداية الشرح للغامض في هذا النص، لأن أي نشاط نقدي إنما ينطلق من الفهم الذي يشكل القاعدة التي يؤسس عليها كل شيء في هذا النشاط. وبعد إقامة فهم محدد للنص استناداً إلى شرح الغامض فيه، يأتي التحليل للمركّب فيه حتى تنكشف بعض تفاصيل عملية الخلق التي ينطوي عليها العمل الأدبي، أو عملية صناعة العمل الأدبي. ثم يكون التفسير للمُشكل فيه من العلاقات والظواهر والقسمات بإحالتها على ما يفسّر وقوعها في هذا النص من حياة المؤلف، أو من أحوال مجتمعه، أو من علاقة أو علاقات شعبه أو أمته بالشعوب والأمم الأخرى في وجه من وجوه الحياة، أو على صعيد معين، أو مستوى محدد، أو في جانب دون غيره.‏

وقد لا يكفي التفسير استناداً إلى النص والسياق الذي يحيط به فيلجأ الناقد إلى التأويل فيغامر برأي في دلالات العمل الذي بين يديه مستنداً في ذلك إلى ما يقرؤه أو ما يحدسه وراء السطور، وقد يلجأ الناقد إلى موازنة النص الذي بين يديه أو عنصر فيه أو مكوّن من مكوّناته بنظير له في الأدب القومي الذي ينتمي إليه النص، وقد يعبر حدود هذا الأدب ويدرس تفاعل النص مع نصوص من مواريث "الآخر" المدوّنة بلغات أخرى، أو المترجمة إلى لغة النص القومية.‏

قال: لقد تأثرت حقاً بما سقته من حديث عن العمليات العقلية /أو الذهنية التي ينطوي عليها النشاط النقدي الذي بدا لي نشاطاً مركبا،ً بل معقداً غاية التعقيد، تُوظَّف فيه معارف مختلفة، وجهود مضنية، وأوقات ثمينة. ولكنك نسيت الحكم على النص الذي ينبغي أن يكون حصيلة ما ذكرته من عمليات، أو نتيجة طبيعية لكل ماتقدم من عمليات.‏

قلت: أنا لم أنسه، ولكني، مع كثيرين غيري، لا أراه ضروريا، كما أنهم لا يرونه ضرورياً، ويفضلون أن يتركوه للزمن الذي لا يرحم.‏

قال: ولكن البحث عن هامش الأفضل في فن الأدب يقتضي الحكم على النص الذي يخضع لهذه العمليات المركبة.‏

قلت: هذا صحيح، ولكنه يمكن أن يترك لقارئ النقد الذي يستطيع أن يستنتجه من خلال تأمل ما ينطوي عليه النص النقدي من إشارات مبطنة، أو أحكام ضمنية، أو تلميحات لا تخفى على القارئ الحصيف.‏

قال: ولكن قد يبدو ذلك هروباً من المسؤولية التي ربطتها بالحرية.‏

قلت: تذكّر أن الناقد عضو في مجتمع محكوم بشبكة من العلاقات المعقدة التي كثيراً ما تمنعه من التصريح بما قد يراه من أحكام على النصوص التي يتدبّرها بنقده.‏

قال: ولكنه أيضاً مسؤول عما يفعله أمام هذا المجتمع.‏

قلت: هذا صحيح، وهو ينطلق من هذه المسؤولية في ممارسة وظائفه تجاه:‏

* القارئ أو المتلقي أو المستهلك أو المتذوق أو سمّه ما شئت؛‏

* الكاتب أو المرسل أو المنتج أو المبدع، أو المؤلف أو سمّه ما شئت؛‏

* النص ذاته الذي ينبغي أن يكون في صلب اهتمامه‏

وهي كما ترى وظائف مركبة يحتاج أداؤها إلى الخبرة والوقت.‏

قال: لقد وضعت يدك على الجرح في ممارسات النقد العرب المعاصرين.‏

قلت: أي جرح تقصد.‏

قال: الخبرة والوقت، إذ جلّ ما يصدر عن نقادنا يفتقر إلى الخبرة، أو ينتج بسرعة يعتذر عنها بعصرنا عصر السرعة.‏

قلت: إنك تظلم النقاد العرب الجادين عندما تعمم حكمك على هذا النحو.‏

قال: وكأنك لا تقرأ ما ينشر في صحفنا ومجلاتنا من "نقد أدبي".‏

قلت: ولكن هل تسمي هذا النقد الصحفي نقداً، إنه مجرد تعليقات سريعة على نصوص افتراضية وكتّاب افتراضيين تكتب لقراء افتراضيين، والغالب أن وقت منتجي هذه التعليقات ثمين إلى درجة لا تسمح لهم بقراءة ما ينقدون. أو لنقل إنه "نقد" مبدَع يفرغ أصحابه فيه طاقاتهم في الكتابة التي تحمل هوية أصحابها وسويّاتهم، و"كلٌّ ميسّر لما خلق له".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244