|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مطر يابس ـــ مصطفى عبد القادر ها أنت وحيد من جديد، تتلمّس فراشك البارد بعد أن افتقدت الدفء والحنان... تلعن نساء الأرض والجن.. تتقلّب.. تبحث عن أنثى لا تشبه النساء.. وتنعب كغراب أضاع عشه.. تكوّر نفسك كقنفذٍ شم رائحة الخطر.. جسمك قطعة لحم محشوّة بالعظام، مرمية فوق السرير، وفكرك يغادر المكان ممتطياً بساط الريح، المحمّل باللعنات والخيبات، يسافر كل ليلة ألف سفرة.. يجوب الأزقة المظلمة.. يقرع الأبواب الموصدة.. ينظر من ثقوبها.. لا أحد يفتح.. يعود إليك... لتجد صورتها معلّقة على جدار غرفتك... تدّعي أمام الأهل والأقرباء بأنك لم توفق بزواجك من سميرة.. نسيت تعاطفهم معك.. حين التفوا حولك ووضعوا اللوم عليها لأنها لم تُمهلك؟ ـ هي ليست حليلتك!!. قالت أمّك.. وشقيقتك ناصتبها العداء عندما بدأت تشكّك بخصوبتك.. وشقيقك ضرب لها أمثلة كثيرة لنساء حملن بعد سنين.. أما هي.. فقد كانت تقارير الأطباء القاطعة ذريعتها الكبرى... والتي تؤكّد... تمام خصوبتها، وضعف فحولتك.. استطعت خداعها سنين طويلة.. عندما اتفقت مع بعض الأطباء على صيغة التحاليل "إن الضعف فيها.. وليس فيك".. وكل شيء بثمنه.. الجميع صدّق ذلك، لكن أمها لم ترتح للنتيجة، أخذتها سراً إلى طبيبٍ... وثانٍ... وثالثٍ... لتقطع الشك باليقين.. فانكشفت اللعبة.. جابهك أهلها بالحقيقة.. فأنكرت... طالبوك بفحص مخبري عند أطباء يثقون بهم... فرفضت... حينها... تمسّكوا بأبغض الحلال عند الله... طلقتها مكرهاً... لتضع حداً لتقوّلها في كل مناسبة إنك ناقص الرجولة. أعرف محبتك لها ورغبتك بعدم التفريط بها... كنت تعبد جمالها وتتباهى به أمام الآخرين... وهي تدرك مدى تعلقك بها.. مثلما تدرك أنّ طلاب يدها.. بعد الطلاق كثيرون.. لم تحترم مشاعرك كزوج يتمنى أن يرزق بطفلٍ وأن يصبح أباً كانت تختلق الخلافات لأوهى الأسباب.. فقط.. لتذكّرك بعقمك.. ولا تمل من تعدّاد صديقاتها اللواتي تزوجن بعدها وأنجبن.. فتسكت مرغماً لأنّك مدين وهي الدائنة... طلقتها وانتهى الأمر وها أنت تفكر بالزواج مرّة ثانية، لعله يعيد إليك ألق الشباب، لكنك خائف... فلقد مررت بتجربة مريرة، ولا تريد لكرامتك طعنة ثانية... تناهبتك الظنون والوساوس..... وتفكّر بها دائماً، طيفها يذكرك بلحظات السعادة الدافئة... فلطالما أعطيتها كل الحب... تسترجع كلماتها الرقيقة العذبة... وبخاصة قبل أن تتمرّد عليك.. تتمنى عودتها إلى أحضانك بعد كل هذي السنين لتملأ عليك هذا الفراغ وتؤنس وحدتك الموحشة... أيامك أصبحت متشابهة.. روتينية.. "كأسطوانة قديمة ملت الآذان سماعها..".. تنزل إلى متجرك صباحاً ومساءً... تختلط بالزبائن... تبيعهم لعب الأطفال المختلفة، لتعود إلى بيتك متعباً.. تعاقر الخمرة... لعلها تطفئ لهيب قلبك المشتعل... وتبرد اتقاد ظنونك.. ترفع الكأس إلى شفتيك محدقاً في صورتها المعلقة على الجدار.. تنظر إلى عينيها الناعستين.. كأنهما تقولان لك: ـ نخب صحتك... تمتد يدك إلى زجاجة الخمر لتملأ كأسك ثانيةً وثالثة... وربما رابعة.. تخاطب الصورة.. تتغزل فيها.. تعاتبها.. تتمنى سماع صوتها.. لكنها تكتفي بطيف ابتسامة معهودة. في المتجر... ما أكثر ما تحتسي القهوة.. وسيجارتك لا تنطفئ... ساهم... شارد... ودائماً تسبح في خيالاتك.. حتى إن بعض المارة يلقون عليك السلام فترد حيناً... وحيناً يجيء ردك متأخراً.. كنت تتلقى الزبون من الباب.. مرحباً.. مبتهجاً.. تعرض عليه بضاعتك بكل لطف وتخاطبه بكل حميمية.. تجذبه إلى محلك كالمغناطيس.. لكنك بعد الطلاق لم تعد تكترث بكل ذلك... فخروجها من حياتك شكّل لك هزة.. خلخلت كيانك.. جلست وراء طاولتك تراقب عبور الناس السريع من خلف زجاج متجرك، وقعت عيناك على فتاة تعاين بضاعتك المعروضة في الواجهة.. شهقت.. وندّ صوت من داخلك: ـ آه ما أجملها!!.. شعرها الأشقر المسفوح على كتفيها.. طولها الفارع.. قوامها الملفوف.. صدرها المشاكس.. سبحان الله!!.. ما أكبر شبهها بسميرة.. دخلت متجرك وهي تقود طفلاً صغيراً بيدها، ودون وعي وقفت لترحب بها.. ألقت عليك التحية، تسبقها ابتسامة فاتنة.. يا الله..!! إنها سميرة بذاتها.. زوجتك السابقة.. لم تعرفها.. إلا بعد أن سمعت صوتها.. لقد انعقد لسانك..! تاهت الكلمات على شفتيك.. احمرّ وجهك.. دقات قلبك تتسارع، يداك ترتجفان.. ورجلاك أيضاً.. اختلجت كل عضلات وجهك.. حتى صوتك لم يسعفك.. بلعت ريقك.. تريد استحضار كلمة.. تنفي تأثرك الواضح.. لم تستطع.. سألتك عن أحوالك وصحتك؟؟ أشرت عليها بالجلوس، فاعتذرت بكبرياء قائلةً: ـ آسفة... زوجي.. ينتظرني؟!!! تلقيت الضربة الأولى... إذاً تزوجت؟ حاولت امتصاص وقع خبر زواجها عليك.. تماسكت أمامها.. لكن الضربة الثانية الأقوى والأشد.. جاءت حين سألتها عن الطفل الذي تقوده، فأجابتك بكبرياء: ـ إنه ابني..!! شعرت بالدوار.. ألقيت بجسمك على الكرسي متهالكاً.. خوفاً من أن تقع على الأرض، فتحت عينيك على اتساعهما لتزيل الغشاوة التي عتمت وجهها.. نهضت بتثاقل.. تناولت لعبة كبيرة لتقدمها هدية لطفلها وأنت تطبع قبلة على خدّه أفرغت فيها كل حرمان السنين، فرفضت الهدية بإصرار.. انحنت على الطفل... همست في أذنه بعض الكلمات.. ثم استأذنت بالانصراف.. وقبل أن يتلقفهما الرصيف التفت الصغير إليك مبتسماً.. لوّح بيده وهو يردد: ـ شكراً (عمو)؟!! كرر لسانك كلمة (عمو) مرات عديدة إلى أن غابا عن ناظريك.. أفقت من شرودك لتجد اللعبة بين يديك.. نظرت إليها.. ضممتها إلى صدرك... وأجهشتَ بالبكاء.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |