جريدة الاسبوع الادبي العدد 1130 تاريخ 6/12/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ببساطة..العزف! ميدوري ـــ د.أوفيليا عرسان ـ فيينا

سنوات قاسية مرت على ميدوري، الموهبة الاستثنائية لهذه العازفة المتميزة كانت ستتسبب بتحطيمها لكنها الآن عادت لتثبت وجودها بقوة.‏

من أجل الإعداد لمقابلة مع ميدوري يتعين للمرء أن يقرأ الكثير : تقارير لمئات الناقدين حول العالم, عدد كبير من المقابلات ...وهذا مفهوم بالطبع فقد كانت ميدوري واحدة من الأطفال الأعجوبة, وكانت الأضواء مسلطة عليها منذ عام 1982كان عمرها أحد عشر عاماً" عندما ظهرت لأول مرة للعزف مع فرقة "أوركسترا" نيويورك بقيادة زوبين مهتا.‏

كنبعة ماء عذب..ووقت لكونفوشيوس!‏

عزفها لفت الأنظار, وتمثل تدفق نغماتها للنقاد بتدفق مياه نبعة ماء صافية رقراقة. أثنى الجميع على عزفها الشفاف, المنطوي على نفسه, والمفعم بالإحساس.‏

جليُ أن ميدوري تقف على قاعدة راسخة للفن السامي لعزف الكمان. مؤخراً كتب النقاد من الصحيفة اليومية الألمانية "العالم"، مهللين:‏

النغمات الصقيلة, حرية التحليق التي تعزفها تبدع بإطلاقها صافية على نحو مذهل, وتبدع بالمحافظة على هذا الصفاء الذي لا يسمح أن يشوبه أي مظهر من مظاهر التبجح أو الانفعال المدَّعى الذي يمارسه بعض العازفين المتميزين.‏

ولأن ميدوري تدوّن مذكَراتها في "الإنترنت" فإن على المرء أن يقرأ هذه المذكرات أيضاً من أجل التهيئة لمقابلتها. وخلال هذه القراءة تلفت نظر المرء جملة صغيرة لا صلة لها بالموسيقى أو الفن وربما هذا هو بالذات سبب إثارتها للانتباه,إذ أن المرء ينسى غالباً وجه التشابه الكبير في أسلوب الحياة بين العازفين المشهورين ورجال الأعمال الناجحين: " في هذا الخريف أقضي ولأول مرَة خمسة أيام متتالية في نفس المنطقة الزمنية!" كتبت ميدوري في تشرين الثاني من عام 2005 بينما كانت تقوم بجولة في اليابان, بل إنها أكَدت امتنانها لمرور مثل هذه المصادفة: "هذا يعطيني شعوراً كبيراً بالاسترخاء." .‏

اضطراب الإحساس بالوقت هو في الواقع مرافق دائم لميدوري.عندما كان لدى العازفة الكبيرة بضع ساعات فراغ خلال جولة اليابان السابق ذكرها دونت: " أنا سعيدة بأن كان لدي يوم استرخاء قضيته بالنوم وقراءة شيء من كتابات كونفوشيوس " .‏

ربما يسمح رئيس دولة لنفسه بوقت استراحة أكثر من عازفة الكمان هذه! وبالتأكيد فإنه يسافر في البلاد أقَل منها.‏

الطريق الصعب لأن يكون المرء "ببساطة"ميدوري.‏

هناك تدوين لإحدى المشرفات في المهرجان الموسيقي لشليسفيغ- هولشتاين يبين بأي جهد مكثف وعدد ساعات كبير تعمل ميدوري, فتدريبها الرسمي كانت تبدؤه في الثامنة صباحاً وتنهيه في العاشرة والنصف مساءً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَها تقوم بالتدريب قبل وبعد فترة التدريب اليومي الرسمية.‏

بعد الكونسيرت تحضر حفلة الاستقبال التابعة والحفلة التالية, وبعدها وفي الساعة الثانية صباحاً، وحيث يأوي كل إلى فراشه، تمسك ميدوري بكمانها لتعزف نغمات السلم الموسيقي كتدريب يومي ٍ ليليِ.‏

هذا التنظيم المذهل المثير للدهشة الذي نراه في حياة العازفة اليوم يعود للسنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة التي استطاعت خلالها ميدوري أن تمسك بزمام حياتها من جديد، إذ أن الأمر كان مختلفاً تماماً في التسعينات حسبما تدل عليه سيرتها الذاتية، "ببساطة ميدوري:" كانت العازفة- وبدون التفات المحيط العام- تكافح بين عامي 1994و1999 ضد اكتئاب, هزال مرضي, وإدمان على الحبوب المهدئة,خمس سنوات قاسية كانت ميدوري تعاني خلالها بجسمها وروحها!‏

من الواضح أن هذه المرحلة الهشة في تحول الطفلة الأعجوبة إلى العازفة البالغة الناضجة لم تكن قابلة للتجاوز ببساطة.‏

"فرانس ليست" على سبيل المثال كان قد تعرض أيضاً لانهيار عصبي في السابعة عشرة من عمره، تبعته بضعة سنوات من الاكتئاب. أولم يكن فرط النشاط لدى "موزارت" أيضاً تظاهراً نموذجياً للاكتئاب الشديد الذي رافقه حياته بكاملها ؟من له الآن أن يقيم هذا الأمر؟‏

وصمة "الطفلة الأعجوبة":‏

ما ينسى غالباً أن عازفي الكمان النابغين الذين يستمرون في العزف بعد البلوغ ويحافظون على شهرتهم- على سبيل المثال: "ياشا هايفتز" , "آن سوفي متتر", أو" ميدوري" - هم الاستثناء. الغالب أن النجاح الموسيقي العظيم المتصاعد لهؤلاء الموسيقيين المتميزين ينقطع مع بداية البلوغ، ربما لأن الضغط النفسي الذي يتعرضون له يصبح أكبر من احتمالهم, أو ربما لأن صناعة الموسيقى تكون قد وجدت منذ زمن طفلاً أو مراهقاً جديداً تسلط الأضواء عليه. ميدوري نفسها سمَت سببباً آخراً لقرار الانقطاع وهو القرار الحر: "من المهِم فهم أنَ هناك مواهب تقرر بوعي عدم المتابعة في المجال الذي هو محط ُ تميُزها وإبداعها.‏

تعبير الطفلة المعجزة هو تعبير لا تفضّله على الإطلاق العازفة ذات السبعة وثلاثين عاماً, حتى أنها تجده: وصمة!!هل يعني هذا أن حقيقة كون ميدوري طفلة معجزة يشكِل ثقلاً عليها؟‏

تقول ميدوري:"أعرف أنه من الصعب على الناس أن يودِعوا صورة الطفل الأعجوبة المحبوبة, الكثيرون لايودون زعزعتها!".‏

لكنها ترى من خلال التنازل عن هذه الصورة فرصة لكلا الطرفين, وبالذات للفنان ليثبت نفسه:"يجب على المرء البالغ أن يظهر نفسه كفنان ناضج مبدع بعيد عن التقليد.‏

الحياة بحدِ ذاتها.‏

ميدوري المطيعة التي لم تبد للخارج أيّ تمرد قط مرت في طفولتها ببساطة بالكثير مما لا تستطيع نفس الفنان الحساسة وروحه المرهفة أن تحتمله: انفصل والداها وهي بالكاد تستطيع التكلم, إثر ذلك أصبحت الطفلة في مقدمة اهتمامات والدتها, معلمة عزف الكمان. وبالرغم من ذلك, تقول ميدوري:"عشت طفولة رائعة". رادة على الأسئلة عن طفولتها الصعبة, قالت: "وضعت على الطريق الصحيح, وحصلت على الدعم المعنوي فيه, أحطت بالكثير من المحبة, عشت حياة مليئة بالخيال".‏

مع بلوغ الطفلة عمر العاشرة بدأ لديها مرض الجبرية الذي أحكم قبضته علها لعشرات السنوات. من أجل فهم وتحمل الضغط الذي تتعرض له ميدوري فقد أوجدت بخيالها "مراقباً داخلياً" سمته. كان يفرض عليها عملاً جنونياً,وإتقاناً يقارب الكمال, وكانت تطيعه بخضوع مطلق. ربما كان لذلك علاقة جزئية بأصولها اليابانية, وانطباع تربيتها بالتفكير الكونفوشيوسي! فالتربية بالنسبة للأوربيين تعتبر تنقيحاً من الخارج, أما بالنسبة لليابانيين فهي إصلاح من الداخل.‏

لكن في حالة ميدوري كل شيء خرج عن نطاق السيطرة..‏

هل تأسف على مسار طفولتها؟ بعد ثلاثين عاما" تقول ميدوري اليوم: " الماضي كيفما كان, ومهما كانت مقوماته هو الحياة بذاتها, لايمكن للمرء ان يزيل منه او يضيف عليه, هو ببساطة ما هو! لم أكن سأكون ما أنا عليه الآن لو لم تكن حياتي الماضية كما كانت..‏

قمة ببرودة الجليد‏

عندما كانت ميدوري في الحادية عشرة من عمرها انتقلت الأم وابنتها من أوزاكا للعيش في نيويورك. قُبلت الابنة في مدرسة " جوليارد" الشهيرة للموسيقى, واعتباراً من هذا التوقيت فإنها ستدرس على يد العازفة الأسطورة دوروثي دو لي, انطلاقة عظيمة, لكن الحياة اليومية لن تصبح من خلالها أكثر احتمالاً. ما سيتبع يأخذ مساره كأنما يقرأ من مثال نموذجي لكتاب تعليمي من كتب علم النفس." أليس ميللر" كانت قد وصفته أيضاً في كتابها "مأساة الأطفال الموهوبين": ميدوري تدرس في أحسن مدرسة موسيقية, كأفضل طالبة فيها, وعلى يد أفضل معلمة..وذلك لا ينتج عنه تلقائياً أنها تصبح معزولة فقط بين الأطفال ممن هم في عمرها, إنما تتعرض بالإضافة لذلك للحسد والغيرة والحقد من قبل أمهات هؤلاء الأطفال, هذا علاوة على أنها كانت بالكاد تتكلَم اللغة الإنكليزية مما زاد من عزلتها.. وإذا علمنا أنها كانت تقوم بجولاتها الموسيقية ودورات تدريبها الصيفي وحيدة, فإننا سنرى أنها قد تعرفت ومنذ عمر الثالثة أو الرابعة عشرة إلى وحشة غرف الفنادق والوحدة تحيط بكيانها.‏

الكمال وعدم الكمال‏

حتى تستطيع العازفة الرقيقة تحمّل كل ذلك أخذ المراقب الداخلي يكتسب دوراً متصاعداً في حياتها, والعاقبة كانت أنه كلَما كبرت الفتاة المراهقة كلَما صارت أكثر تعذيباً لنفسها بل أكثر تدميراً لها, هذا بالرغم من أنه لا الطموح بحد ذاته ولا الرغبة في تحقيق الذات كانا الدافع لها على ذلك - وهذا منذ زمن- إنما كانت فقط القسريّة التي تعاني منها .‏

بعمر الثالثة والعشرين, وذلك في عام 1994 وضعت ميدوري نفسها ولأول مرة تحت رعاية المعالجين في أحد المشافي, ولآخر مرة في عام 1999. خلال هذه الفترة كانت الصحافة تنشر أخباراً عن اضطراب في الهضم تعاني منه, أو عن فترة استراحة عن العزف. لم يكن أحد يعلم أنَ هناك فنانة ربما تقضي بسبب المتطلبات القاتلة التي فرضتها على نفسها في ممارستها لعملها!‏

من خلال المعالجة لعدة سنوات تعلمت ميدوري أنها تحتاج في حياتها لأشياء أخرى عدا كمانها, وأن الكمان بحد ذاته ليس هدفاً يستحق الطموح: "عندما أسمع كلمة طموح" تقول ميدوري بعد كل ما مر بها "يعتريني الحذر والريبة ". في الموسيقا لا يوجد كمال. عندما يكون هناك شيء كامل فإنه في الحقيقة ناقص, لكن عندما تترك الموسيقا مجالاً للنقص عندها فقط تصل للكمال.‏

الألم وعالم مليء بالإمكانيات:‏

إذن لم تكن مصادفة أن ميدوري قد تركت مدرسة" جوليارد" القائمة على "الكمال" في نهاية التسعينات, و سجلت نفسها في جامعة نيويورك للدراسة, و بالتحديد لدراسة علم النفس.‏

تقول ميدوري: " كانت الرغبة في التسجيل في الجامعة موجودة عندي دائماً, لكنني كنت أظن أنني سوف أتوجه لاختيار مجال ذي علاقة بالفن, لكنني عندما حضرت المحاضرات التمهيدية في مجال علم النفس - التي كانت في البداية ساعات إجبارية- عندها فقط شغفت بمجال الدراسة هذا. الجامعة فتحت عينيي على أنني أعيش في عالم مليء بالإمكانيات. وكانت محيطاً رائعاً بالنسبة لي وسعت أفقي, وإمكانية الدراسة فيها كانت امتيازاً كبيراً أخذت فيه بجدية كبيرة.‏

منذ ثلاث سنوات حصلت ميدوري على شهادة الماجستير. موضوعها بحثها كان:الألم...‏

ماذا تعتبر الفنانة نفسها اليوم: فنانة أم أخصائية نفسية؟ الجواب بالنسبة لها واضح:"أنا عازفة كمان ومربية..لا أمارس المعالجة النفسية, ولا أنوي فعل ذلك, لكنَ معرفتي من خلال دراستي تؤثر بالطبع على نظرتي للحياة تأثيراً جوهرياً.‏

المشاركة الموسيقية‏

قبل دراسة ميدوري الجامعية بوقت طويل, وذلك منذ عام 1992 كانت قد أسست مؤسسة - ميدوري والأصدقاء - التي عن طريقها تجلب الموسيقى للمدارس الأميركية في الأماكن الضعيفة اجتماعياً, وقد استفاد من المؤسسة حتى الآن حوالي 140 ألف طفل .‏

ما يكتسب أهمية" متزايدة " في حياتها هو العمل الخيري الذي يعود نفعه على الأطفال والشباب ضعيفي الوضع الاجتماعي. أربعة مؤسسات أخرى انطلقت للعمل مؤخراً:"مشاركة الموسيقا" ومقرها طوكيو, وتقوم بتنظيم دورات موسيقية للموسيقا التقليدية اليابانية و للموسيقا الكلاسيكية الأوربية وذلك في المدارس, المؤسسات الشبابية, والمشافي.‏

مؤسسة " شركاء في الأداء " وهذه تدعم موسيقى الحجرة في المدن الأميركية الصغيرة البعيدة عن النشاط الموسيقي الاعتيادي, وعلى جدول أعمالها يندرج برنامج الإقامة الجامعية حيث تقوم العازفة مع فنانين أصدقاء بدورات وحفلات موسيقية في نطاق الجامعة, وبرنامج إقامة الأوركسترا حيث تقضي أسبوعاً مع أوركسترا شبابية.‏

تصرح ميدوري بأن هذه الالتزامات هي جزء اعتيادي جداً من حياتها " فأنا أعيش في مجتمع وليس لنفسي وحدها، هدفي هو أن أجعل الموسيقا سهلة المنال, أن أضعها بين يدي الناس. الموسيقا يجب أن تُسمع حيثما تيسر سماعها".‏

التوازن المعثور عليه‏

بعد حوالي خمسة وعشرين عاماً قضتها في نيويورك أدارت ميدوري ظهرها للمدينة على نهر هدسون وذلك قبل بضعة شهور. منذ أربع سنوات حصلت على مقعد "ياشا هايفتز" للتدريس في جامعة جنوب كاليفورنيا, ومنذ أيلول 2008 تشغل بالإضافة لذلك منصب قيادة قسم الآلات الوترية هناك. الآن تعيش في ماليبو في لوس أنجلس. على ما يبدو فإنها قد وجدت توازنها بين التعليم والعزف.‏

الآن كما في السابق فإن عزفها أفضل ما يوصف " بالسماوي" لسموه, لكن الآن تقف على الخشبة امرأة ناضجة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244