جريدة الاسبوع الادبي العدد 1130 تاريخ 6/12/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أتوكَّـأُ عليها.. وأهشُّ بها على غنمي! ـــ سهيل أبوفخر

نشرت السيدة الدكتورة ماجدة حمود مقالاً بعنوان "رواية فيليب كلوديل حفيدة السيد لنه، جمالياتها وإشكالات ترجمتها" في العدد 1127 من جريدة الأسبوع الأدبي، وخلصت إلى نتيجة مفادها أن "الترجمة لم تعد خيانة بل أصبحت اغتيالاً لجماليات العمل الفني أيضاً" مع أربع علامات تعجب.‏

استهلت الناقدة مقالها بالعبارة التالية: "قرأت رواية فيليب كلوديل [...]، أعجبت بها، وقررت ترجمتها لكنني اكتشفت أن الأستاذ سهيل أبوفخر قد سبقني إلى ترجمتها".‏

أعتقد أن الناقدة الكريمة تعرف أن هناك أعمالاً ترجمت عدة مرات، وكثيراً ما يقال إن ترجمة فلان أفضل من ترجمة فلان. ألا تشكل هذه "الترجمةُ الرديئةُ" فرصةً ذهبيةً لها كي تأتي بترجمةٍ تكون أكثر دقةً وجمالا؟ فلماذا رغبت عنها بعد أن رغبت فيها؟‏

على كل حال، وبما أنني مترجم الرواية و"قاتلها"، أرجو أن يُفسَح لي في المجال كي أعلق على ما ورد في المقال المذكور إنصافاً الرواية بنصيها (الأصلي والمترجم)، لأنني أفترض أن الناقدة لم توفًَّق في قراءة الأصل ولا في قراءة الترجمة، وهذا ما سأدلل عليه من خلال نصها.‏

أولاً: في قراءتها للأصل‏

تشير الناقدة في بداية مقالها إلى أن "الرواية تجسد أزمة إنسان سلبت الحرب منه كل شيء [...]، ورمته على شاطئ الغربة والوحشة مع حفيدته الرضيعة التي بقيت من أسرته بعد أن أخطأتها قنبلة وأصابت لعبتها".‏

الحقيقة أن القنبلة قد أصابت الطفلة وأخطأت الدمية، وأن السيد "لِنه" الذي اختل عقله لدى حصول الكارثة – وهذا ما لم تنتبه له الناقدة أيضاً - ظلَّ طوال حياته يعدُّها حفيدَته ويعاملها على أنها كذلك (يكلمها، يغني لها، يغير ملابسها، يرضعها فيسيل الحليب على شفتيها).‏

يتوهَّم القارئ في البداية أن الدمية طفلةٌ حقيقية نظراً لبراعة الكاتب في إيهامه بذلك، ولا تتضح الحقيقة بجلاء كامل إلا في نهاية الرواية، علماً بأن الكاتب قد ألمح إليها في سياق الرواية ("لديك دمية جميلة، ما اسمها؟" ص 18). كما أن "الطفلة" لم تنبس ببنت شفة ولم تبكِ مطلقاً، وعندما أخذ الأطفال يتقاذفونها قالت النسوة للعجوز: "لا تخف يا عم، سوف لن يكسروها".‏

إن أهمية هذه النقطة الجوهرية التي لم تنتبه الناقدة لها تكمن في أنها تشكل "الخدعة" الأدبية الرئيسة في هذا العمل. لكن جميع شخوص الرواية – باستثناء السيد "لنه" المختل عقلياً - يدركون الحقيقة، كما أن جميع القراء سيدركونها عندما تنجلي ساطعةً في الصفحة الأخيرة: "ضمَّ الدمية الجميلة بين ذراعيه النحيلتين [...] ضمَّها كما لو كان يضمُّ حفيدة حقيقية صامتة وهادئة وخالدة...".‏

لقد ترتب على سوء فهم الناقدة للرواية بنصيها الفرنسي والعربي نتائجُ مغلوطةٌ بطبيعة الحال، فالشخصية الرئيسة غير موجودة في الرواية (إذ كانت قد قُتِلَتْ قبل أن تبدأ أحداثها) والشخصية الموجودة هي مجرَّدُ بديلٍ عنها وتجسيدٍ مادي لها. والنتيجة أنه لم يبقَ للسيد "لنه" من أسرته أي فرد على الإطلاق، خلافاً لما ذهبت إليه الناقدة في الجملة الأولى من دراستها لجماليات الرواية. كما أن السيد "لنه" يستأمن السيدَ "بارك" على "حفيدته" لأنه صديقه الحميم فحسب، لا لأنه غربي، كما تظن الناقدة. فهي تقول: "أعتقد أن الطفلة [...] هي رمزٌ لاستمرارية هذا التواصل الإنساني الفريد، فالصديق الغربي هو خير من يربي حفيدة الرجل الشرقي". مرحى! إن الناقدة تقوِّلُ الكاتبَ ما لم يقله بل ما لم يرد أن يقوله.‏

في قراءتها للترجمة:‏

إن جميع النقاط التي أشارت إليها الناقدة سلبية بحيث أظهرت نصي المترجم خالياً من أي نقطة إيجابية.‏

سوف أتناول أمثلةً من ملاحظاتها وأدلل لاحقاً على أن بعضَها مصيبٌ وجُلَّها بعيدٌ عن الصواب. وسأحرص على ذكر المصيبة منها أولاً لكي أشكرها عليها من جهة، ولكي أبرهن على أن أي إنسان - مهما كان أسودَ - لا بد من أن يكون فيه شيء من البياض والعكس صحيح أيضاً.‏

أصابت الناقدة عندما قالت إنه كان ينبغي علي أن أترجم "عِقْدَ جراح" بدلاً من "طوق نجاة". عندما عدت إلى النص المنشور وجدت هذه الملاحظة صحيحة، ولما تشككت في أن أكون قد اقترفت هذا الخطأ عدت إلى نص المخطوط الموجود في حاسبي الشخصي فوجدت الترجمة الصحيحة فيه، أدركت حينئذٍ أن من قام بتدقيق النص في دار "علاء الدين" قد استبدل عقد الجراح بطوق النجاة من دون أن يستشيرني. وأنا هنا لا ألقي باللائمة عليه بل أكتفي بأن أقول "لقد اجتهد فأخطأ" لأنني أدرك أن الدافع هو تحسين النص وليس الإساءة إليه. على كل حال ملاحظة الناقدة صحيحة تماماً، لكني أغتنم هذه الفرصة لأشير إلى مشكلةٍ نعاني منها – كتَّاباً ومترجمين – ليس مع مدققي دور النشر فحسب، بل مع القائمين على تحرير بعض المجلات المحترمة أيضاً الذين يستبدلون عبارة بعبارة أخرى من دون استشارة الكاتب فيصيبون حيناً ويخطئون أحياناً.‏

أشارت الناقدة إلى أنني حذفت جملة une odeur écoeurante le suit، هذه الملاحظة صحيحة تماماً. ومع التذكير بأنني لم "أحذف" الجملة بل سقطت سهواً كما قد يحصل مع أي مترجم، فأنا أرفع قبعتي إجلالاً لهذا الصيد الثمين، ولأقدم اعتذاري الشديد للقارئ على هذه الهنة غير المقصودة من جهة أخرى.‏

سأنتقل فيما يلي إلى بعض الملاحظات المغلوطة:‏

تقول: "أعتقد أن الترجمة ظلمت الرواية، فافتقدت الحساسية للغة الأدبية، فمثلاً ترجم وصف الكاتب لـ"بارك" بالرجل (البدين) [...] أفضل ترجمة الصفة بالرجل (الضخم)". يبدو أن الناقدة قد نظرت في القواميس التي تترجم إلى العربية ولم تنظر إلى قواميس اللغة الأم. لقد جاء في قاموس "Petit Robert" وهو أكثر القواميس الفرنسية ثقةً أن نعت (gros) عندما يستخدم للعاقل يكون معناه "الأكثر عرضاً أو الأكثر شحماً من المتوسط"، ومن المعروف أن هذا النعت ينطبق على البدين حتى لو كان قصيراً، أما النعت الذي تفضله فينطبق في الفرنسية على غير العاقل. ومع ذلك، وإذا سلمنا بصحة هذه الملاحظة، فهل استخدام كلمة "البدين" بدلاً من "الضخم" تفقد اللغة الأدبية حساسيتها وتغتال جماليات العمل الفني؟‏

هاكم المثال الثاني الذي تسوقه الناقدة: "ترجم un monstre بـ(وحش) مع أن دلالة (غولة) أقوى". أقول: الكلمتان صحيحتان، وقد آثرت ترجمة الكلمة بـ"وحش" لأنها مقترنة بالافتراس (وحش يفترسها) في حين وجدت أن كلمة (غولة) تستدعي الفزع أكثر من الافتراس.‏

جاء في ترجمتي ما يلي: "وفجأةً خطرت في باله صورٌ مفزعةٌ ومقيتةٌ وساحرة بآن واحد انهمرت عليه مثل لكمات تدمي قلبه وروحه وكامل جسده" (ص62). تدَّعي الناقدة أنني لم أنتبه لدقة الفعل (s'abattre) فترى أنه كان ينبغي لي أن أقول "تصارعت" بدلاً من "خطرت في باله". يبدو أنها قد خلطت بين الفعل المذكور وبين فعل (se battre) الذي لا وجود له في النص الأصلي. كما يبدو أن الناقدة قد أخطأت في مقارنة الجملة مع الأصل، فأنا لم أترجم الفعل بـ"خطرت في باله"، بل ترجمته "انهمرت عليه" طبقاً للمعنى الحقيقي. أرجو أن تعود الناقدة إلى النص وإلى القاموس المذكور مرة أخرى لتكتشف أن ترجمتي هي المثلى وأن الفعل المغلوط (تصارعت) الذي سيكون "أكثر حيوية ودقة في تجسيد المعنى" كما تزعم هو من بنات خيالها.‏

جاء في الصفحة 29 ما يلي: "أما اليوم فالسيد "لنه" عجوزٌ متعبٌ أنهكه هذا البلد المجهول كما أنهكه الموت وامتصَّه كما تمتصُّ صغارُ الماعزِ الشرهة ضرعَ أمها". تقول الناقدة عن المترجم "يخطئ في ترجمة فعل مع مفعوله ويحوله إلى اسم (الضرع) دون أن ينتبه إلى السياق الذي يؤكد على حدوث فعل الرضاعة"! إذا كان المقصود استبدال الضمير باسم فهذه طرفة سمجة، فلو حافظنا بصورة عمياء على ترجمة الفعل فعلاً والاسم اسماً والضمير ضميراً والحرف حرفاً لخرجت ترجمة ركيكة يزدريها المترجمون ولو أرضت وسواس الدقة عند البعض. أما بخصوص أنني لم أنتبه "إلى السياق الذي يؤكد على حدوث فعل الرضاعة"، فالجملة تتحدث عن نفسها بنفسها.‏

تستطرد الناقدة فتقول: "أما السُلَّم الذي ينقله من حياة الملجأ إلى حياة القرية، فيدعوه الكاتب (سلَّم الحظ l'échelle de fortune) في حين يدعوه المترجم السُلَّم المصطنع". غريب عجيب! فهل أصبح الكاتب يكتب نصه باللغتين العربية والفرنسية معاً أم تريده أن ينطق بترجمتها المغلوطة؟ تدل الترجمة المقترحة على أن الناقدة قد خلطت بين عبارة de la fortune المتوهَّمة وبين de fortune الموجودة في النص الأصلي والتي تعني بدقة "المصنوع على عجل"، وهذا ما يناسب المعنى تماماً لأن السلَّم المذكور ليس سُلَّماً على الإطلاق بل هو مجرد جذع شجرة استخدمه "السجين" سُلَّماً.‏

أعتقد أن النقد قراءة أولاً وأخيراً. وأنه ليس هناك من قراءة واحدة للعمل. فكيف استطاعت الناقدة أن تقدم رأيها الشخصي على أنه حقيقة دامغة "الترجمة لم تعد خيانة فقط، وإنما أصبحت اغتيالاً لجماليات العمل الفني أيضاً!!!!"؟‏

في جميع الأحول، أرى أنه ليس بإمكان أحدٍ ما أن يزعم أنه بلغ الكمال في عمله. وفيما يخصني أقول جهاراً: أخطأتُ وأخطئ وسأخطئ كمن يعملون.‏

أخيراً أرجو أن أتوجه بالشكر الجزيل للسيدة الدكتورة ماجدة حمود على الجهد المتأني الصبور الذي بذلته في قراءتها للترجمة والأصل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244