|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مختصر سياسية الحروب «للهرثمي» ـــ ولاء سمير طنطاوي «مختصر سياسة الحروب» للهرثمي صاحب المأمون هو كتاب فريد وليس لهذا المخطوط سوى نسخة وحيدة في مكتبة «كوبريللي» بالأستانة حصل عليها معهد إحياء المخطوطات بالجامعة العربية وهو مصور على ميكروفيلم... قام بتحقيق المخطوط ونشره ووضع مقدمته الأستاذ عبد الرؤوف عون وراجعه الدكتور محمد مصطفى زيادة وفي عرضنا سنستعين بتعليقات وشروح المحقق. ومؤلف مختصر سياسة الحروب هو أبو سعيد الشعراني الهرثمي.. كما في فهرست «ابن النديم» والهرثمي قد يكون منسوباً بالولاء إلى هرثمة بن أيمن الجيلي الذي كان من أبرز قادة الرشيد العباسي فاستعان به على إخضاع الثائرين ببلاد المغرب فلما ظهر نجاحه بها ولاه عليها ثم ولاه بعده على خراسان فأقام بها حتى كانت الفتنة بين الأخوين «المأمون والأمين». فكان قائد جيوش الأول ثم عاش إلى ما بعد سنة 234هـ خلال حكم «الخليفة المتوكل» فلقد ذكر «الكندي» في كتابه «الولاة والقضاة» أن المتوكل كتب إلى هرثمة يأمره بترك الجدل في القرآن. ومختصر سياسة الحروب كتاب جدير بأن يكون بداية صالحة لفتح باب النشر لكتب الحرب والفروسية. ويقدم الهرثمي صاحب المأمون كتابه «مختصر سياسة الحروب» بهذه السطور: أعلم أن أمور الحرب وحوادثها أكثر وألطف من أن تحيط بها كتب أو يبلغها الوهم، وإنما قصدنا في كتابنا قصد الإذكار والتنبيه.. والكتاب يشتمل على أربعين باباً سنعرض للأبواب الهامة على الرغم من أهمية الأبواب كلها وطرافتها وجدتها إذا وضعت في إطار زمنها. ففي باب «نظام الأمر تقوى الله والعمل بطاعته».. «يؤكد الهرثمي على أن لصاحب الحرب أن يجعل رأس سلاحه في حربه تقوى الله وحده وكثرة ذكره والاستعانة به والتوكل عليه والفزع إليه ومسألته التأييد والنصر والسلامة والظفر». إن الجند يكتب لهم النصر في الميادين ما داموا يعتقدون أنهم جند الله يحاربون لنصرة الحق على الباطل. وفي باب في حسن سياسة الرئيس أصحابه يقول: «الغرض الذي يجري إليه السائس الكامل في سياسة أصحابه ثلاث خصال: المحبة والهيبة منهم، والمحبة من بعضهم لبعضهم، وقد يحتاج في اجتماع هذه إلى وسائل كثيرة وأعمال لطيفة». هذه المعاملة هي الحكمة نفسها في سياسة الجند فإنها تأسر قلوبهم ومستخرج إخلاصهم في الميادين أمام الشدة فلا تأتي إلا بنتائج عكسية، وإن تغابي الرئيس عن ذنب المذنب، يجعله دائماً في حذر منه ويعمل جاهداً في إخفاء ذنبه عنه ويحاول أن يصلح من نفسه أمامه. وفي باب: «ذكر فضائل الرئيس وأصحابه»: «أفضل الرؤساء في الحرب أيمنهم نقيبة وأكملهم عقلاً وأطولهم تجربة وأبعدهم صوتاً وأبصرهم بتدبير الحرب ومواضعها ومواضع الفرص والحيل والمكايدة وأحسنهم تعبئة لأصحابه في أحوال التعبئة لنفسه وأصحابه من العدو وأن يكون حسن السيرة عفيفاً صارماً حذراً متيقظاً شجاعاً سخياً». هذه مجموعات الصفات التي يجب توافرها في كل قائد ناجح فإن النصر يسير في ركابها والجند أكثر ميلاً إلى القتال في ظل القائد المعروف بيمن النقيبة وطول التجربة وسعد الطالع، ولذا قال الرسول الكريم (: «إني لأؤمر الرجل على قوم فيهم من هو خير منه لأنه أيقظ عيناً وأبصر بالحرب». وفي باب: «في ذكر الحذر» يقول الهرثمي: «أول العمل في الحرب ورأس التدبير فيها الا يظهر عدوك على عوراتك ولا تستتر عنك عوراته ولن تحكم ذلك في نفسك إلا مع شدة الحذر وكتمان السر ولن تعرفه من عدوك إلا مع التيقظ والتلطف وإذكاء العيون والجواسيس». ويؤكد في هذا الباب في أكثر من موضع على أن الحذر رأس المكيدة وحسن الإعداد للعدو وعدم الاستهانة بشأنه عملاً بالمثل العربي القائل: «حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة»... فعلى الرئيس عدم الاستماع لمن يهون له أمر عدوه.. ولا يضيع الفرصة السانحة فكثيراً ما تحقق الفرصة في الحرب ما لا تحققه الخطط المحكمة بل قد ينهزم القائد المجرب إذا التزم خطته حرفياً وأهمل الفرصة ويقول: «التثبيط فاعلم رأس كل معجزة، فاعرف ذلك من نفسك وراقب مثلها من غيرك من غير بادرة تفريط منك، أو أناة تحل بك». فتخذيل الأعداء من أهم فنون القتال وتفريق كلمة الأعداء نصر وكذلك فعل الرسول الكريم ( في غزوة الخندق فقد أرسل للأحزاب من خذلهم وفرق كلمتهم، وكذلك فعل خالد بن الوليد في حرب الفرس بالعراق من تخذيل إخوانه عرب بني شيبان عن الفرس. وفي باب: «في ذكر الأناة والرفق».. يقول الهرثمي: «اطلب الأناة ما استقامت لك واقبل العافية ما وهبت لك، ولا تعجل إلى اللقاء ما وجدت لك إلى الحيلة سبيلاً لا تسأمن مطاولة عدوك فإن في الأناة انتظار إمكان فرصة وظفراً من عدو بعورة».. وكان عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) يقول: «إن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكفء». وفي باب: «في الاستشارة وترك الاستبداد بالرأي» يقول الهرثمي: «شاورهم فيما تحتاج إلى المشاورة فيه من مصون أمرك ذا الرأي والمعرفة والثقة والنصيحة من خاصتك وبطانتك». إن احتجت إلى المشورة فيما يكره إذاعته لأحد فاذكره بالنظائر والأشباه، والمراد بالإشارة إليه بالرمز والتلميح وقد فعل ذلك رسول الله ( في غزوة الخندق فإنه لما علم بغدر بني قريظة أرسل من يستوضح أمرهم وقال لمن أرسله إذا وجدتم مكروهاً فألحنوا لي لحناً أعرفه فلما عادوا بخبر الغدر قالوا له أمام الناس «عضل والقارة يا رسول الله» أي أنهم غدروا كغدر هاتين القبيلتين بالقراء يوم الرجيع المعروف فكبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: أبشروا بنصر الله وما عرف أحد منهم حقيقة الحديث. وفي باب: «في حفظ السر وصيانته» يقول الهرثمي: «ما استطعت أن تحترس في كتمان سرك في حربك فافعل فإن في ذلك بإذن الله إمضاء تدبيرك وقطع مكيدة من يكيدك». فكتمان السر من أهم مقاصد القادة في الحروب كلها ويظهر من هذا الباب ما كان يحتال له الأعاجم في الإطلاع على الأخبار وإذاعتها وقد كثروا في الجيوش العباسية. وفي باب: «في ذكر النصحاء والمتنصحين» يؤكد الهرثمي على أنه يجب على القائد الناجح هو الذي يقبل النصيحة من حيث أتته ويحسم التهمة من حيث رابته وعلى القائد أن يفرق بين النصيحة من السعاية فقد يشتبهان ويتفقان وعليه بالأخذ بالذي هو أنفع له في حربه. وفي باب: «في العيون والجواسيس»: يؤكد الهرثمي على أن القائد الناجح أن يكتم أسراره عن عدوه ويحاول أن يجمع من أسراره ما يستطيع جمعه فمقدار معرفته بقوات عدوه يكون ظفره به أو هزيمته أمامه وعلى القائد أن يجعل على الجواسيس جواسيس آخرين يفتشون على أعمالهم بحيث لا يعرف الأوائل الأواخر.. على النحو المعمول به في الجيوش الحديثة. فيقول في ذلك الموضوع: «تلطف لإخفاء كتبك مع رسلك وجواسيسك بألطف الحيلة واعلم أن بعض الحيل في ذلك ألطف من بعض إن لم يمكنك التفرد بمعاملة جواسيسك في ستر فليكن لكل واحد منهم رجل من أوثق خاصتك ومعاملتك عنده يتولى إيصاله إليك ولا يعلم بعضهم لبعض». وفي باب: «تسمية الجيوش وما دونهم ومبلغ عددهم» يقول: «قالوا: السرايا ما بين الثلاثمئة نفر إلى الخمسمائة وهي التي تخرج بالليل»... وأما التي تخرج بالنهار فتسمى السوارب وما زاد على الخمسمئة فهو جيش إلى دون الثمانمئة فهي المياشر وما بلغ الثمانمئة فهو جيش وأقل الجيوش وما زاد على الثمانمئة إلى الألف فهو الحسحاس وما بلغ الألف فهو الجيش الأزلم وما بلغ أربعة آلاف فهو الجيش الجحفل وما بلغ اثنا عشر ألفاً فهو الجيش الجرار. وفي باب: «التحرز عند الترحل وفي المسير» يوضح النصائح التي تدل على ما كان يتسم به العرب من الحيطة والحذر في تحركاتهم وبخاصة في أوقات الحرب وميادينها. فيقول: «لا تنزلن من عدوك منزلاً أبداً حتى تعرفه وارتده ذاماء ومحتطب وكلأ ومرتفق بحيث إن أردت أن تتقدم منه إلى عدوك قدرت على ذلك وإن أردت التأخر عنه أمكنك ذلك وتحر أن تسند ظهور أصحابك إلى الجبال والتلال والأنهار وما أشبهها من كل موضع تأمن منه الكمين والبيات». وفي موضع آخر يقول: «توخ أن تكون الريح والشمس من وراء ظهرك فإن لم يمكنك ذلك فاحرص على أخذ الريح بكل حيلة». وفي باب: «الذنوب والجرائم التي يستوجب بها الأدب والعقوبة» يذكر الهرثمي: أنواع الذنوب المختلفة ابتداء من المكبر بغير إذن والمطبل بغير إذن والمقاتل بغير إذن إلى المتقاعس عن الخروج على الحرب والمخل والنائم عن محرسه النازل في غير موضعه والواقف في غير موقفه والمجاوز لما يحد له، والناقم على رئيسه والمشجع للعدو على أصحابه والدال للعدو على عورة أصحابه. ويتضح من عرضنا السابق «مختصر سياسة الحروب» للهرثمي صاحب المأمون على أهمية ذلك الكتاب خاصة لو وضعناه في إطار زمنه وتاريخه مما يدل دلالة قاطعة على قمة الحضارة العربية في ذلك الوقت والاستعداد العلمي والتنظيري للحروب ابتداء من اختيار القائد إلى اختيار الجند ومن أهمية الجواسيس واستخدامهم لبلوغ النصر ومن دراسة المكان والموقع والريح والشمس وكافة الآثار الطبيعية وحسابها ضمن عوامل الهزيمة أو الانتصار في الحرب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |