جريدة الاسبوع الادبي العدد 1135 تاريخ 17/1/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

العرب يفاوضون العرب ـــ أ.د.حسين جمعة

غدت القاهرة قبلة المفاوضين العرب والأجانب للوصول إلى تطبيق قرار مجلس الأمن رقم (1860) تاريخ (9/1/2009) القاضي بوقف إطلاق النار في غزَّة.... وهو القرار الذي رفضه الكيان الصهيوني مكرراً بذلك سخريته من المجتمع الدولي ومروقه على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة؛ لأن إدارة الابن بوش اليمينية قدَّمت له الحماية والإمداد العسكري... وكانت الوحيدة التي امتنعت عن التصويت، ورأت أن المبادرة المصرية التي قَدَّمها الرئيس حسني مبارك هي الأصلح!!.‏

ولست الآن في صدد تحليل هذه المبادرة، ولكنني في صدد نجاح إدارة بوش والكيان الصهيوني بزجّ الرئيس مبارك ليدافع عن مبادرته، وزجّ عددٍ من العرب ليتفاوض بعضهم مع بعض للتفتيش عن حل مرضٍ للكيان الصهيوني، لأنهم تركوه وحده يقرر وقف عدوانه في تحدٍّ وقح للأمم المتحدة والعرب، فهو القوي بوحشيته على الأرض، وارتكابه المجازر الهمجية بحق الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ ومدنيين ومنازل ودور عبادة ومستشفيات و....‏

لم يكن أحدٌ من العرب الأحرار يفكر أن الزمن الرديء سيصل بأمتهم إلى هذه الدرجة من الخزي والعار، بحيث يفاوض المسؤولون العرب بعضهم بعضاً، وهم المعتدى عليهم، والمنتهكة حقوقهم؛ و.... لكن وقع أسوأ ما هو متوقع، فالعرب ما زالوا مختلفين فيما بينهم؛ على حين توحَّد قادة العدو في حربهم وسلمهم، ومن خرج من الصهاينة عن التوحد فهو ليس وطنياً كما قال (جدعون ليفي) المحرر الصحفي في صحيفة (هآرتس).‏

ولعل الأسباب وراء ذلك كثيرة تبدأ بالانقسام العربي الرسمي على الصعيدين الفلسطيني والعربي، ومن ثم الاقتتال فيما بين الأعراب وإدانة بعضهم بعضاً؛ ثم اتخاذ الحكام لمواقف علنية غير ما هي عليه في السر نحو المقاومة والصراع العربي ـ الصهيوني.... ونحو الإدارة الأمريكية المارقة.. بل تجرأ عدد من الحكام على إدانة المقاومة العربية للاحتلال الصهيوني سواء كان ذلك أيام عدوان الكيان على لبنان في (12/7/2006م) أم أيام عدوانه الشرس على قطاع غزة في (27/12/2008م) الذي أتى على أركان الحياة والوجود وانتهك القيم النبيلة ومبادئ القانون الدولي باستعماله للأسلحة المحرمة دولياً كقنابل الفوسفور الأبيض ... ومما يؤيد ذلك تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس قائلاً: "إذا كانت المقاومة تريد تدمير بلدنا فنحن لا نريدها"... علماً أنَّ مقاومة أهلنا في غَزَّة مازالت تواجه آلة الإجرام الصهيونية منذ ثمانية عشر يوماً.‏

لم يشهد التاريخ أمة يدين بعض أبنائها مقاومة الاحتلال كما يحدث اليوم عند العرب، في الوقت الذي لم يشهد أمة يفاوض أبناؤها بعضهم بعضاً لتحقيق رضا عدوهم بإيقاف إطلاق النار كما هي حال أمتنا... فحكامنا لم يعودوا يتحدثون عن تفعيل مكتب مقاطعة الكيان وكل من يدعمه... لم يعودوا معنيين بذبح الأبرياء لأن أرصدتهم في البنوك الأمريكية تبلغ (2) تريليون دولار؛ وهي أهم من دماء العرب الذين يذبحون بدم بارد... لذا لا حاجة لاستعمالها سلاحاً للضغط على أمريكا، ولا حاجة لاستعمال الغاز أو النفط بحجة أن قطعه يَضرُّ بمصالح الدول المنتجة!! ولا حاجة لقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان ومن يدعمه......‏

يبدو أن ذلك وغيره لا يناسب حكامنا، على حين يناسبهم أن يصدّروا للكيان ولأمريكا الغاز والنفط لتندفع آلتهم العسكرية الفتاكة إلى ارتكاب المذابح بحق أهلنا في غزة... ومن ثم يفتحون أسواق بلادهم لهما على مصراعيها لشراء بضائعهما... وشراء أسلحة تُكَدَّس في المخازن لتصدأ... لأنها لم تُشْتَرَ لاستعمالها في مقاومة المحتل وإنما اشتريت لقمع أعداء الحكام من أبناء جلدتهم...‏

هذا ما آل إليه حال العرب، فالعروبة العظيمة اختزلت بشعارات وكلمات، وخوابي الروح الإنسانية والوطنية والقومية فرغت من قيمتها، والذاكرة الحرة المتوقدة خرفت، فلم تعد تتذكر تواريخ مجازر الكيان الصهيوني في فلسطين ولبنان ومصر وتونس والسودان منذ (دير ياسين) (1948م) حتى (غزة)(2008م)... عليهم أن يزيّنوا الكوارث القاتلة التي يرتكبها العدو الصهيوني بحقهم، فهم يتفاءلون بالذئب المتوحش القاتل، ويحلمون بأنه سيتحول إلى حيوان أليف لا تهمه الخراف والنعاج...‏

حقاً لقد صدق فينا ما قاله المثل العربي: (هُنَّا على أنفسنا، فهُنَّا على عدونا) وكذلك صدق في الحكام قول الشاعر:‏

من يَهُن يسهل الهوان عليه‏

مَا لجُرْحٍ بميّتٍ إيلام‏

ولم يعد لحكامنا إلا أن يبحثوا عن حل لإيقاف إطلاق النار في القاهرة أو في غيرها؛ حل يرضي الكيان الصهيوني البربري قبل أن ينقذ أهلنا في غزة، وهم يتعرضون لأعتى قتل همجي ليل نهار!! فيا للعجب!! بل يا للعار!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244