|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الحرب.. وآثارها النفسية على الأطفال ـــ أ.د.عبد الرحمن إبراهيم تترك الحروب، لاسيما ذات الصبغة العدوانية، الكثير من الكوارث، ومن جرائم بحق الأبرياء، ومن تدمير يلحق بالعمران والبيئة، لكن أكثر نتائجها مأساوية ما يتعلق بما تتركه لدى الأطفال من آثار سلبية قد ترافقهم طيلة حياتهم يقوم الخبراء والمحللون المختصون خلال الحروب أو بعد انتهائها بإجراء الدراسات والتحليلات للآثار السياسية والاقتصادية والعسكرية والبيئية وغيرها التي ترتبت على هذه الحرب أو تلك.. والقلة من هؤلاء المختصين يتصدون لبحث الآثار النفسية والمعنوية لتلك الحروب على المدنيين بشكل عام، والأطفال على نحو خاص، ففلسطين والعراق تشهدان حرباً ومجازر مروعة ترمي بظلها الأسود الحالك على أطفال فلسطين والعراق، لتحفر في ذاكرة أطفالهما صوراً لا تنسى تؤثر على صحتهم النفسية، وتسبب الآفات التي يصعب علاجها، والتي قد تتحول إلى آفات نفسية مزمنة. يتابع الكثيرون – منذ أكثر من اسبوعين- ما تبثه شاشات الفضائيات المختلفة من صور القتل والتدمير الذي تنفذه قوات الاحتلال الصهيوني في غزة، ولا ندري أهو من حسن الحظ أم سوئه أن هذه الصور عادة ما تمحى بعد فترة من الزمن من ذاكرة من شاهدها ولم يعشها، ولكن - بالتأكيد- إن هذه الصور لا تزول من ذاكرة من عاش أحداثها الحية، فأحس بالرعب والقلق جراء تعرض حياته للخطر، أو بالأسى والحسرة لفقدان عزيز أو بيت كان يؤويه أو حقل كان يقتات من خيراته، وحسب علماء النفس، فإن الكبار أقدر على تحمل الصدمات من الأطفال، لذا فإن الحروب وما يصاحبها من أهوال ونكبات، يكون أثرها النفسي اكبر بكثير على الأطفال، وهذا ما لا يدركه الأهل في حينه، بل بعد تفاقم حالة الطفل النفسية، وتحول مشاعر الخوف والرعب إلى آفة نفسية مزمنة تحتاج للعلاج والمداواة لفترات زمنية طويلة. وليس في قولنا ما يعيب، إذا اعترفنا بتقصيرنا - عربياً- في مجال الرعاية النفسية وتأمين الوسائل الضرورية لاحتواء ردة فعل الصدمات على الأطفال، في حين أن غالبية الدول الغربية تقوم بتوجيه الأهل - عبر الوسائل المتاحة - إلى كيفية التعامل مع الأطفال، ليس فقط في مواجهة الحرب إذا دارت على أرضهم، بل تتجاوز ذلك إلى الاهتمام بالتوازن النفسي للأطفال لاستيعاب الحروب التي تدور في دول أخرى بعيدة، وذلك للحيلولة دون تأثر الطفل من مشاهد المجازر الإنسانية على شاشات التلفزة، خاصة إذا كانت جيوش تلك الدول هي صانعة هذه المجازر والنكبات، وقد عمدت بعض المدارس إلى إضافة حصص دراسية في مناهج الأطفال لتهيئتهم لاستيعاب كل ما يمكن أن ينجم عن الحروب، دون صدمات نفسية أو آثار مترسبة. ويؤكد المختصون أن اخطر آثار الحروب هو ما سيظهر بشكل ملموس لاحقاً في جيل كامل من الأطفال الذين سيكبر من نجا منهم وهو يعاني من مشاكل نفسية، قد تقل خطورتها أو تزيد حسب استيعاب ووعي الأهل لكيفية مساعدة الطفل على تجاوز المشاهد المروعة التي عاشها أو شاهدها، ومن المؤكد انه يمكن التقليل من الآثار النفسية السلبية في هذه الحالات إذا تذكر الأهل الجانب النفسي للطفل في الأوقات العصيبة، وجهدوا لمعالجتها في حينه. ويشير الخبراء إلى ردود فعل الأطفال إزاء الانفجاريات ويصنفها إلى: - 1 ردود الفعل الأولية: وتشمل التخدير الحسي عند سماع الانفجار، ثم الانتقال إلى مرحلة عدم استيعاب الحدث، تتبعها مرحلة الهستيريا من الصراخ والبكاء. - 2 ردود الفعل قريبة الأمد: وهي صعوبات التفكير وحالة من القلق والاضطرابات. - 3ردود الفعل متوسطة الأمد: فيها يبدأ الإنسان بالشعور بعدم الاطمئنان، وأحيانا الإحساس بالذنب «إذا كان ناضجاً» لعدم قدرته على تقديم المساعدة، وقد تنتابه حالة من الغضب الناتج عن العجز، وهذا يؤدي إلى انتكاسات نفسية وجسدية. - 4ردود الفعل طويلة الأمد: تعتمد على قدرة الإنسان على التكيف مع الأحداث. إن تعرّض الإنسان لخطر مفاجئ أو رؤية مشهد مخيف أو سماع خبر مفجع، يتسبب في حدوث صدمة نفسية للمتلقي، ومفردة «الصدمة» تستخدم عادة للتعبير عن التأثر النفسي الشديد، وتعريف هذه الحالة المعروفة بـ «TRAUMA» بشكل مبسط: هي حالة من الضغط النفسي تتجاوز قدرة الإنسان على التحمل والعودة إلى حالة التوازن الدائم بعدها، دون آثار مترسبة. وقد قام المختصون بتعريف الصدمات النفسية بأشكال مختلفة يعتمد كل منها على التجربة الفردية الخاصة نحو الحدث الذي أدى إلى الصدمة، ويعتبر أكثرها أثرا هو ذلك النوع من الصدمات التي تهدد الحياة، أو حدوث الإصابات الجسدية والمفاجآت الخارقة للعادة، فتجعل الإنسان في مواجهة الخوف من الموت أو الإبادة أو الإيذاء بشتى أشكاله. ويعتبر الخبراء في الصحة النفسية: )إن الصدمات التي يتعرض لها الطفل بفعل الإنسان تعتبر اقسي مما قد يتعرض له من جراء الكوارث الطبيعية وأكثر رسوخاً بالذاكرة، ويزداد الأمر صعوبة إذا تكررت هذه الصدمات لتتراكم في فترات متقاربة، ومن معوقات الكشف عن هذه الحالات لدى الأطفال هو انه يصعب عليهم التعبير عن الشعور أو الحالة النفسية التي يمرون بها بينما يختزلها العقل وتؤدي إلى مشاكل نفسية عميقة، خاصة إذا لم يتمكن الأهل أو البيئة المحيطة بهم من احتواء هذه الحالات ومساعدة الطفل على تجاوزها). ويؤكد علماء النفس إن هذه الصدمات قد تتصاحب بحالات من الفوبيا المزمنة من الأحداث أو الأشخاص أو الأشياء التي رافقت وقوع الحدث، مثل الجنود، صفارات الإنذار، الأصوات المرتفعة، الطائرات، وفي بعض الأحيان يعبّر الطفل عن هذه الحالات بالبكاء أو العنف أو الغضب والصراخ أو الانزواء في حالات من الاكتئاب الشديد، إلى جانب الأعراض المرضية مثل: (الصداع، المغص، صعوبة في التنفس، تقيؤ، تبول لا إرادي، انعدام الشهية للطعام، قلة النوم، الكوابيس، آلام وهمية في حال مشاهدته لأشخاص يتألمون أو يتعرضون للتعذيب، وفي حال مشاهدة الطفل لحالات وفاة مروعة لأشخاص مقربين منه أو جثث مشوهة، أو حالة عجز لدى مصادر القوة عند الطفل «الأب والأم على سبيل المثال»، يصاب عندها الطفل بصدمة عصبية قد تؤثر على قدراته العقلية). ويأتي أخيرا دور الأهل في الرعاية النفسية للطفل في الظروف الاستثنائية، وهذا الدور يفوق في أهميته دور الطبيب المعالج، لأن دور الأهل هو دور وقائي، أما دور الطبيب فهو دور علاجي، والوقاية أفضل من العلاج، وخاصة توجيهات المختصين في هذا المجال انه على الأهل في حال تعرض الأطفال لظروف مروعة أن يبدؤوا مباشرة بإحاطتهم بالاطمئنان ولا يتركوهم عرضة لمواجهة هذه المشاهد دون دعم نفسي، وذلك عن طريق الحديث المتواصل معهم وطمأنتهم بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنهم لن يصيبهم أذى، مع التركيز على بث كلمات من الحب أو تشتيت فكرهم عن التركيز في الحدث المروع، خاصة في أوقات الحوادث المخيفة في حال وقوعها على مقربة منهم، لأن مثل هذه اللحظة ستترك آثارها الكبيرة في حياة الطفل النفسية، وكلما تركناه يواجهها وحده يزداد أثرها السلبي بداخله على المدى القريب والبعيد. أما الأطفال الأكبر سناً، فيمكن مناقشة ما يجري معهم وإقناعهم بأنهم في مكان آمن وان الخطر لن يطالهم، وان الأهل قد اتخذوا كافة الاحتياطات لحمايتهم، مع ضرورة عدم منعهم من البكاء أو السؤال عما يجري والحديث عنه، فمن الضروري أن نعرف ما يدور في تفكير الطفل، ولا ينبغي أن نتركهم يطلقون العنان لمشاعرهم وخيالهم في هذه الأوقات حتى لا تتراكم الصدمات، ويمكن تشجيعهم على الحديث بمبادرة من الأب أو الأم لتوضيح أحاسيسهم، مع اختيار الأسلوب والألفاظ التي يمكن للطفل استيعابها والتجاوب معها، ولعل من أهم ما يجب أن يفعله الأب بشكل خاص، كونه القوة المسيطرة في عقل الطفل، هو مراقبته لتصرفاته، إذ لا ينبغي للطفل أن يشاهد أباه خائفاً أو خائر القوى من الصدمة، كما يجب على الأهل أن يحاولوا المحافظة، قدر الإمكان، على الحالة الطبيعية، وتدعيم القدرة على التحمل، وتلطيف الأجواء ليبثوا الثقة والاطمئنان في نفوس الأطفال حتى لا يقعوا فريسة الأوهام والوساوس والتي قد تعرض صحتهم النفسية لمرض يصعب شفاؤه. ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن رعاية الأطفال في فلسطين ويجب أن لا ننسى أطفال العراق، قد أشارت إلى خطورة ما يتعرض له الأطفال في هذين البلدين من ضغط نفسي جراء العمليات الحربية التي تقوم بها كل من الكيان الصهيوني (إسرائيل) والولايات المتحدة، وأوضحت أن أعداداً كبيرة جداً منهم أصبحوا بحاجة لعلاج نفسي طويل الأمد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |