|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة في رواية (المتشائل) للروائي الفلسطيني إميل حبيبي ـــ سليمى محجوب كثيرون هم الذين قدموا إلى هذه الحياة، ولكن القليل منهم من ترك بصمة فيها، الكثير من الأدباء والشعراء قطعوا رحلة مضنية في دنيا الإبداع بما يملكون من مقدرة أدبية ساعدتهم على تحقيق ما يعجز غيرهم عن تحقيقه، لقد أثبتوا وجودهم على الساحة الثقافية فقدموا فنوناً أدبية متطورة، وكان لهم دورهم في إعطاء الكتابة روحاً جديدة تجلت في ما تركوه من أعمال تسمو إلى مرتبة الفن الرفيع.. لقد أتى بعض هؤلاء المبدعين ومضوا ولم ينالوا حظهم من التكريم أو الاهتمام بأعمالهم الأدبية. لقد كانت رواية "سداسية الأيام الستة" والتي كتبها إميل حبيبي عن الحياة في إسرائيل بعد حرب 1967 جواز السفر الذي دفع به إلى عالم الشهرة، وقد نشرت في عام 1969 وأصبح معروفاً منذ ذلك الوقت على الصعيد العربي الواسع. إذا استطاع في هذه الرواية أن ينشئ عملاً روائياً خاصاً به، يقوم على مواد متغايرة، وأن يجعل مادته السردية تتشكل في دوائر متقاطعة، فإذا بنا أمام حكايات متعددة، كل حكاية تجر الأخرى حتى ليكاد ينسى القارئ الحكاية الأولى، وتتوالى سلسلة الحكايات التي يتفاعل معها القاص مما يذكرنا بأسلوب "ألف ليلة وليلة" حيث كل حكاية تمهد للتي تليها. إن أسلوب إميل حبيبي يكاد يكون واحداً لا يخرج عنه في نطاق مؤلفاته ورواياته، ويتمثل هذا الأسلوب في إدخال مواد غريبة وجديدة على السرد الروائي التقليدي. لقد سرد إميل حبيبي النص الروائي بشكل ممتد على ساحة الإبداع، دون أن يكون معتمداً على نقطة واحدة أو مركز محدد، وهذا ما يبدو بوضوح في روايته "سرايا بنت الغول" وقد جعلها المؤلف على شكل حكايات تتوالد فيما بينها على غرار الحكاية الفلسطينية التي تتراكب فوق بعضها في نوع من السرد العنقودي. وهو في منهجه هذا يوسع دائرة الحكاية ويغرقها بكثير من الحكايات المشابهة بما فيها من الاقتباسات الشعرية والنثرية، وهذا مما يساعد القارئ أن يضع يده على أصل الحكاية الفلسطينية، أو على معنى التراجيديا الفلسطينية، وصراع البقاء الذي خاضته الأمة الفلسطينية، أو على معنى التراجيديا الفلسطينية، وصراع البقاء الذي خاضته الأمة الفلسطينية في جهادها الطويل ضد العدو الإسرائيلي، وقد ظلت قوية متمسكة بالأرض والوطن إلى ما بعد كارثة عام 1948. لقد أبدع إميل حبيبي في هاتين الروايتين إبداعاً ملحوظاً ومع ذلك فقد استطاع أن يحقق وجوداً أدبياً أوسع، وينال شهرة عريضة في الحقل الأدبي عن طريق روايته "المتشائل". أو كما سماها: "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" وقد صيغت كلمة المتشائل من كلمتي المتفائل والمتشائم ليبين التناقض الواضح في نوايا المقاومة العربية في التحرر والعدوان الإسرائيلي في الاستبداد والتسلط. «المتشائل» رواية كتبها في حيفا عام 1974 باللغة العربية، وقد ترجمتها الدكتورة «سلمى الخضراء الجيّوسي» «وتريفول غاسيك» إلى اللغة الإنكليزية ونشرت في نيويورك عام 1982، وقد طبعت ثلاث مرات خلال السنوات الأولى من إصدارها، وحظيت بإقبال شديد من القراء لما نالته من شهرة واسعة، وبمراجعات وتقريظ. كثير من المجلات في الوطن العربي وفي إسرائيل. ولم يكن هذا الترحيب والاهتمام الزائد لكون القصة رواية مباشرة تتحدث عن حياة العرب في إسرائيل، وليس لاعتبارها أهم عمل قصصي يتناول قضية فلسطين وحياة أهلها المعقدة والصعبة، وإنما لأن الرواية تمتاز بقدر كبير من الأصالة والجدة على المستوى الفني، وتمثل تحدّياً لطراز الفن القصصي في الوطن العربي، وذلك بسبب سبكها في قالب تهكمي واضح من القصة التهكمية الساخرة في الأدب العربي، وقد وصفها (تريفول لي غاسيك) في مقالة له نشرت في مجلة الشرق الأوسط. المجلد 34، العدد 2 سنة 1980 بعنوان «الفلسطيني المنكود الطالع» بأنها «رؤية عقل ناضج عليم، كما أنها نتاج سنوات عدة من التجربة». «المتشائل» حكاية تغطي فترة عشرين سنة، وحربين تاريخيين هما: حرب عام 1948، وحرب عام 1967 في حياة العرب الفلسطينيين الذين ظلوا تحت حكم إسرائيل بعد الهجرة الجماعية التي تلت هاتين الحربين. وهو يلجأ في ذلك إلى الفن القصصي فيضعنا أمام حوادث التاريخ المعاصر ويقدم لنا بدقة بعض التفصيلات عن وضع العرب الصعب وما يلاقونه من مهانة في ظل الاحتلال الصهيوني، وعن نضال العرب لمجابهة هذا الاحتلال ليس بواسطة رواية تاريخية وثائقية جافة، وإنما عن طريق فن روائي راق، متيحاً فضاء السرد لأكبر قدر ممكن من التعليقات الجانبية، والحكايات الصغيرة، والتفصيلات الثانوية، والتأملات والمناجاة الداخلية، وبذلك أصبحت رواياته قريبة من التيار الروائي الذي يسمى الآن «بالميتا ـ رواية» أو الرواية التي تتأمل ذاتها، في أدب ما بعد الحداثة. لقد أشارت الرواية إلى نوع جديد من المرونة والنضج في فن القصة في اللغة العربية الحديثة فإميل حبيبي لا يتبع مجموعة من التقاليد التي يسير عليها كتاب الرواية، وإنما يتناول المنظور الشامل (البانوراما) للتجربة العربية الفلسطينية. يلتقي سعيد أبو النحس بسعيد آخر وهو أحد مقاتلي المقاومة الفلسطينية في المعتقل الإسرائيلي بعد حرب 1967، وهذا اللقاء يحدث تحولاً في المتشائل، ففي خضم حرب حزيران 1967 يقترف المتشائل، وهو المعروف بذعره وحماقته، خطأ أحمق جعل الرجل الكبير يلقي به في السجن وقد كان يأمل أن هذا المخبر سيكون العين المبصرة للدولة بين السجناء، وينهال عليه الحراس بالضرب المبرح لاعتقادهم أنه أحد رفاق الدرب مع سعيد البطل، وأنه فدائي مثله، فيحزن عليه سعيد البطل، ويغدق عليه كثيراً من الحب والاحترام اللذين يحتفظ بهما الفلسطينيون تجاه إخوانهم في النضال. وبعد خروجه من السجن يجد نفسه غير قادر على التعاون مع الأعداء، فيودع السجن مراراً، فيصفع ويشتم ويهان وهو يحتمل كل هذا بالصبر الحازم للأحمق الحكيم الذي تزوده حماقته بجواز سفر إلى الأمان ليحمي حياته كما يعتقد. لكنه في نهاية المطاف وفي نهاية الرواية يجد نفسه متورطاً، ويتمثل هذا الخازوق الطويل الذي يجد نفسه عليه، والذي لا يمكن أن تنقذه منه سوى المعجزة. لقد أظهر كاتب الرواية بطل الرواية الذي هو المتشائل على أنه شخصية ممجوجة، وهي تقف على الجانب المقابل للشخصية البطولية المضحية والشجاعة التي تقاتل حتى الموت. لقد كانت شخصية المخبر سعيد أبي النحس تسير نحو حتفها، ونحو دمار شعبها بأظافرها، أما البطل فيسير قدماً نحو هدف افتداء نفسه وأمته بالدم. لقد استطاع حبيبي أن يرى الإنسان في أوضاع ومواقف مختلفة، في عالم مغلق التقى فيه شرّان وولدت البطولة من الخراب الذي نجم عن لقائهما، فولاء ابن المتشائل الجاسوس وقد قضى شهيداً مع أمه. وسعيد على الرغم من حزنه المتنامي على أفراد أسرته فإنه يحافظ على شخصيته كرجل ضئيل مذعور ومستعد دائماً لإرضاء من يملكون زمام أمره، ولا يستيقظ وعيه استيقاظاً كاملاً إلا بعد أن يقع ضحية لسياط حراس السجن الإسرائيليين. ولا يشعر بالكرامة إلا بعد أن يرى الشخصية المبجلة الدامية في السجن وهي شخصية البطل سعيد تتحمل قدرها برباطة جأش. إن لغة الرواية بسيطة وملائمة للملهاة ولأقوال بطل القصة الساذج، وكثيراً ما يضمن حبيبي كلمات وعبارات وأمثالاً شعبية فلسطينية، كما يستعين برواية الأشعار واصطناع المفارقات في المواقف، والتهكم والاستهزاء، واللعب بالكلمات ليقدم لنا شكلاً جديداً وهجيناً يغني تجربة الشكل في الرواية العربي، وهكذا يذكرنا ببعض الاستثناءات الكبرى في الأدب العربي كما فعل إبراهيم عبد القادر المازني وتوفيق الحكيم، وإميل حبيبي في هذه الرواية. لقد استفاد من الآداب الأجنبية فاهتدى إلى المزج بين الشكل الروائي الأوروبي وأساليب سرديّة متعددة. أما بالنسبة لأسلوب الكاتب فإنه أسلوب يجمع بين الإيجاز والبلاغة، وكثرة الإيحاءات، دون أن يقع في شرك البلاغة. وهو لا يلجأ إلى النبرة الحادة في التنديد بالاحتلال، أو تمجيد المقاومة، لكنه يتمكن أن يحقق ذلك عن طريق الظرف والتهكم والسخرية المغرقة بالسذاجة كما قلنا سابقاً، ولنأخذ مثالاً على ذلك قصة الإرهاب الهمجي التي يصف فيها "سعيد أبو النحس" مجموعة الحراس الإسرائيليين الذين تحلقوا حوله يسومونه شتى أنواع التعذيب فيقول: "رأيتني واقفاً في وسط حلقة من السجانين العراض الطوال، كل سجان بعينين ناعستين اثنتين، وبساعدين مشمرتين، وبفخذين غليظتين اثنتين، وبفم واحد مفتر عن ابتسامة كشراء كأنما صبت جميعها في قالب واحد". من خلال هذا التهكم الخفيف الظل ومن خلال استهزائه المضحك يمكننا أن نقف على إشارات عديدة للمأساة المريرة التي تمارس يومياً على الشعب الفلسطيني، ولاشك أن الموضوع أو الفكرة الرئيسة التي تدور حولها الرواية موضوع ملائم للمأساة، فهي تحكي جميع أنواع القتل والدمار والحرائق والحروب والثورات، وكل الفوضى التي ترافق انتفاضات كبرى من هذا القبيل في التاريخ. وهذا هو صلب الأدب الحديث ولكن الأدب الفلسطيني المعاصر يثير أسئلة لا تمت إلى حدث تاريخي بعينه بل تتخطاه لتسبر أغوار قضايا الظلم والعدوان والقسر وتفرض الوعي الإنساني المعاصر الذي يعترف بوجوب تحدي جميع أشكال الطغيان، وتحقيق الاستغلال والحرية والكرامة الإنسانية التي تتأصل جذورها كلما ازدادت آلة القهر في قمع حركات التحرر. أخيراً لابد لنا من القول إن رواية "المتشائل" لإميل حبيبي تعتبر نمطاً جديداً في الأدب العربي، كما أن رسالتها رسالة عالمية، استطاعت إبراز الأشكال اللامعقولة من العدوان الإسرائيلي. تلك الأشكال التي مارستها، وما تزال تمارسها إسرائيل على الشعب العربي الأعزل في فلسطين حتى اليوم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |