جريدة الاسبوع الادبي العدد 1135 تاريخ 17/1/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

غزة والوعد الصادق من جديد ـــ صالح سميا

يقول نيتشه: لا يبقى المرء فيلسوفاً إلا بمقدار ما يحتفظ بالصمت..‏

ولا أدري إن كان الحكام العرب "عرب الاعتدال" قد أصبحوا جميعاً فلاسفة، فعندما يبدأ الصراع بين الحق والباطل يصبح الساكت عن الحق شيطاناً أخرس. ويصبح الكلام مخادعاً عندما يكون عن حقائق مغتالة وقيم مغتالة، وحتى قوانين مغتالة، حيث في هذه الحالة لا ينفع الكلام، وخاصة عندما يتحول المتكلمون إلى سفسطائيين يقلبون الحقائق أو يشوهونها تارة باسم الحق، وتارة باسم الوطنية وتارة باسم الدين أو الأخلاق فتجد من يكفّرك دينياً ومن يكفرك سياسياً, ومن يعتبرك مغامراً كما فعلوا مع السيد حسن نصر الله في حرب تموز، ومن يعتبرك مراهقاً في السياسة، أو تقسيمياً، فتصبح الديماغوجية واللغو وتشويه الكلمات والحقائق هي الثقافة المراد زرعها في العقول، حتى يصبح التاريخ حلماً غير قابل للتحقق فأن يصبح الصمت لغة الحكام، لغة الحكام الأعراب، "الذين هم أشد كفراً ونفاقاً" كما فعلوا سابقاً في حرب تموز وكما يفعلون اليوم مع سكان غزّة.‏

لقد حاولوا في حرب تموز وعن سابق إصرار وتصميم اغتيال النصر الذي حققه حزب الله في جنوب لبنان، وهم يحاولون اليوم تحميل حماس مسؤولية العدوان الصهيوني على غزة جاهدين، بل مستميتين لزرع بذور الشك والعجز، لتحرير ثقافة الاستسلام والذل التي يريد أسيادهم أن تسود المجتمع العربي، يريدون اغتيال روح المقاومة عند الشعب الفلسطيني والشعب العربي.‏

لقد أراد نيتشه أن يقنعنا بأن زرادشت هو آخر الفرسان في مملكة هُدمت، وآخر ناسك في دين لم يعد في وسعه استدعاء أبدية الجحيم، لكن زرادشت انبعث من جديد، والناسك الذي يستطيع أن يستدعي ملائكة الرحمن ظهر في لبنان، وهو في شوارع غزّة يمتشق سيف الحق الآن.‏

أيها العرب، نحن الآن أمام همجية تطال حياتنا ووجودنا وتاريخنا، وهويتنا، نحن أمام هجمة ستقود لا محالة إلى تحول كبير يُحكم من خلاله علينا بالوجود أو اللاوجود، إن غطرسة القوة، غطرسة المفاهيم العدوانية وكراهية الشعوب واحتقارها تأخذ الآن معانياً وتبريرات جديدة في عقل العالم الغربي الإمبريالي المفتون بالقوة التي دعا إليها نيتشه المصنوع صهيونياً كما تقول "البروتوكولات" ومن خلال الأجهزة الإعلامية الضخمة والمتغلغلة في كل مكان حيث تشوه الحقائق، وتختلق الأكاذيب، وتحول الضحية إلى جلاد.‏

الصهيونية التي جاءت كقمة للهذيان العنصري بعد أن تسللت إلى مواقع السلطة والقرار في الأمم المتحدة ومجلس الأمن هي الآن تتسلل إلى مواقع السلطة في كثير من الدولة العربية، وخاصة دول الاعتدال، كما تسميها أمريكا ودول الخيانة والتآمر والتخاذل كما نسميها نحن.‏

إن الحقد الذي يواجه به العالم العربي في العراق ولبنان والصومال وفلسطين لا يمكن تبريره والقبول به وهو حقد هستيري مجنون، يتنفس من قنوات متعددة وممتدة ربما لآلاف السنين حتى بات من الواضح أن من يدير العالم كل العالم هو هذه العصابة السرية الشريرة المتمثلة بدهاقين الصهيونية والماسونية التي تفجر حقدها منذ أن بدأت بقتل الأنبياء وحتى آخر طفل في قانا وغزّة.‏

فمنذ أن بدأت قرانها مع الشيطان إله الجمعيات السرية في أوروبا وأمريكا ليولد من صلب هذا الشيطان ورحم أمريكا هذا الإله الشاذ والسفاح، مصاص الدماء الذي يريد تدمير العالم، وإذا كان نيرون قد أحرق روما ليكتب قصيدة فإن بوش وأولمرت وباراك يريدون تدمير العالم ليروضوا حصاناً جامحاً عصياً على الترويض.‏

إن ما تقوم به إسرائيل اليوم من جرائم في حق سكان غزة هو وليد هذا السفاح بين شيطان صهيون والأمريكي الطامح للسيطرة على العالم مجملاً مقولاته المزيفة بما يسميه الحرية والديمقراطية والإخاء الإنساني في الوقت الذي نراه يدوس كل قيم الحق والخير والجمال، وبعد كل هذا وذاك تقوم حكومات عربية بعضها يدعي رعاية القومية، وبعضها يدعي رعاية الإسلام ممن أطلقوا على أنفسهم حكومات الاعتدال وهو اعتدال، بل انبطاح أمام مصالح أسيادهم الأمريكان والصهاينة، في حين مارسوا كل التشدد والمبالغة في لجم ومحاربة الحركات العربية التحررية والوحدوية.. معتمدة الطائفية والعشائرية وو...‏

وهذا ما دفع الرئيس الأمريكي جونسون للقول: "يجب تثبيت أقدام اليهود على هذه الرقعة المزدراة والمسماة بالعالم العربي".‏

وما زلنا وسط كل هذه الأعاصير التي تهب علينا، وسط هذا الحقد المصبوب على غزة نرى حكامنا يقعون فريسة في براثن وبريق الدعاية الكاذبة، على الرغم من هذه الأعاصير وهذه المحن، وهذه الأحقاد نتحدث عن الإسلام والمسيحيين، السنة والشيعة، وما زلنا نتمرغ في وحل التمزقات الإقليمية والطائفية.‏

إننا نتآمر على أنفسنا، ونحمل الحجارة على ظهورنا لنحقق لصهيون أسطورتها ببناء الهيكل.‏

وفي المقابل قام قائد من لبنان هو حسن نصر الله بهدم هذا الهيكل على رؤوس ساكنيه في حرب تموز، وإعادة الأمل للنفوس اليائسة، والقلوب الخائفة، ووحد كلمة الشعب العربي من محيطه إلى خليجه بعد أن فرقتها آلة الشيطان متعاونة مع الحكام الذين باعوا أنفسهم لهذا الشيطان وباعوا قضية فلسطين، فقاموا منذ اللحظة الأولى بتسفيه عمله، وتحويل نصره إلى هزيمة حيث قام المتاجرون بالإسلام وبالعروبة وبالتشكيك والتضليل..‏

وها هو صمود أهل غزة واستبسالهم ووقوفهم في وجه الآلة الصهيونية الحاقدة والغادرة يغذي هذا الأمل ويزيد في تلاحم الشعب العربية، ويغذي في الوقت نفسه الحقد على هؤلاء الحكام الذين يتآمرون عليه وعلى قضاياه، ولن يكون بعيداً اليوم الذي يقذف فيه بهؤلاء الحكام إلى مزابل التاريخ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244