جريدة الاسبوع الادبي العدد 1136 تاريخ 24/1/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

وبقي الجرح مفتوحاً ـــ أ.د.حسين جمعة

أعلنت الحكومة الصهيونية إيقاف عدوانها الوحشي مساء السبت (17/1/2009م) على أن يكون ساري المفعول في الساعة الثانية فجر (الأحد 18/1/2009م) لينجز الجيش الصهيوني أبشع أنواع الإبادة الجماعية بأفتك الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً كالفوسفور الأبيض... كان هذا الجيش المتوحش يمارس التطهير العرقي لأبناء غزة دون أن يبالي بالقيم الإنسانية والخلقية و... حتى زاد عدد الشهداء على (1400) شهيد وعدد الجرحى على (5400) جريح نصفهم من الأطفال والنساء والشيوخ.‏

وظل المقاومون ثابتين في مواقعهم بعد أن ضربوا مثلاً في الصمود ومواجهة العدو المدجج بكل الأسلحة المتطورة تقنياً وفتكاً، وظلوا يطلقون صواريخهم حتى اللحظة الأخيرة التي قرر فيها الكيان الصهيوني سحب قواته البرية إلى الحدود مع قطاع غزة...‏

ضرب لنا شعبنا العربي في غزة مثلاً حياً وأصيلاً في الإرادة الفولاذية والصمود الرائع الذي غدا معجزة في تاريخ العرب الحديث...‏

وضرب لنا الشعب العربي والإسلامي وأحرار العالم مثلاً آخر في استشعار العزة والكرامة ومساندة إخوتهم بالمشاعر الجياشة التي جعلتهم يملؤون الشوارع بالغضب على العدوان الصهيوني البربري، وعلى الحكام العرب الذين وقفوا عاجزين أمام مذابح جماعية تسيل منها شلالات الدماء الزكية بمثل ما تعلو أنات الجرحى، وصرخات الأطفال والنساء في كل اتجاه...‏

كان الجيش الصهيوني مملوءاً بالحقد، متعطشاً للتطهير العرقي لأبناء غزة منذ ظهيرة السبت (27/12/2008م) حتى مساء الأحد (18/1/2009م) وكان الحكام العرب يبارونه بإنجاز الاجتماعات والمبادرات كالمبادرة المصرية، أو اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم الأربعاء (31/12/2008م) الذي وضع إدانة العدوان بين يدي مجلس الأمن الذي خيّب ظنه في اجتماعه الأول في (1/1/2009م) ثم عقد اجتماعه الثاني في (8/1/2009م)، وهو الاجتماع الذي تبنى إيقاف إطلاق النار لكنه طوى في مضمونه إشارة واضحة لاستمرار العدوان، لأن الإدارة الأمريكية امتنعت عن التصويت.‏

وأخيراً بدأت مؤتمرات الحكام العرب تترى فأعلن عن قمة غزة في الدوحة التي تعثرت لعدم اكتمال النصاب حتى أقرّت بمن سيشارك فيها يوم الجمعة (16/1/2009م). وصدر عنها مجموعة قرارات كانت ملبية ـ إلى حدّ ما ـ لِمَا كان أهلنا في غزة يطمحون إليه، وما بذلوه من تضحيات عظيمة باعتبارهم استطاعوا أن يسقطوا العدوان الوحشي الهمجي للكيان الصهيوني، وجعلوه يرتد على أعقابه دون أن يحقق أياً من أهدافه العلنية أو السرية...‏

ثم فوجئنا بأن لهجة الحكومة المصرية قد تغيّرت نتيجة إعلان الكيان الصهيوني إيقاف إطلاق النار من تلقاء نفسه دون أن يبالي بالمبادرة المصرية التي زعم أنه قبل بها وأرسل مبعوثه الأمني (عمون جلعاد) لمناقشتها... أعلن إيقاف إطلاق النار بشروطه فوجه صفعة قوية ثانية للحكومة المصرية، وكان هذا الكيان قد وجه صفعة قوية أولى حين وقعت وزيرة خارجية الكيان (ليفني) اتفاقية في واشنطن مع (رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية يوم الثلاثاء (13/1/2009م)... وهي اتفاقية عبَّرت عن مدى الإهانة التي وجهتها إلى الحكومة المصرية ما أدى إلى استفزازها، كونها تدخلاً صريحاً في الأرض المصرية والسعودية والفلسطينية؛ في الوقت الذي تؤكد فيه أنها نوع جديد من احتلال البحار الثلاثة (المتوسط والأحمر والبحر العربي) في إطار تحرك الأساطيل التي تحاصر غزة وتمنع عنها الهواء والغذاء...‏

هكذا خدع الكيان الصهيوني الحكومة المصرية وغيرها من الحكومات العربية، وأظهر أنه لا يحترم أي حكومة لا يمكنها أن تسير في ركابه وخدمة مصالحه إلى نهاية المطاف...‏

لهذا توالى عقد المؤتمرات فعقد اجتماع طارئ ـ لم يُحَضَّر له مسبقاً ـ لدول مجلس التعاون الخليجي يوم الخميس (15/1/2009م) ثم دعا الرئيس مبارك إلى عقد قمة مشابهة في شرم الشيخ يوم (الأحد 18/1/2009م) دعي إليها الملك الأردني عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس التركي (عبد الله غول) والرئيس الفرنسي (ساركوزي) والأمين العام للأمم المتحدة (بان غي مون) والمستشارة الألمانية (ميركل) ورئيس الوزراء الإيطالي (برلسكوني) ورئيس الوزراء البريطاني (غوردن براون) واستثني منها الكيان الصهيوني وأمريكا... وراح الشارع العربي والإسلامي وأحرار العالم يرقبون ما سيصدر عن قمة الكويت (19 ـ 20/1/2009م) التي أدرجت العدوان الصهيوني على جدول أعمالها، بعد أن كانت قمة اقتصادية خالصة...‏

كان أهلنا في غزة وكل العرب والمسلمين وأحرار العالم يتطلعون إلى هذه القمة ـ بوصفها قمة جامعة لكل الدول العربية ـ أنها ستكون قادرة على تبني القرارات التي أصدرتها قمة غزة في الدوحة، ولا سيما أن لهجة الحكومة المصرية قد تغيَّرت تجاه المقاومة وتجاه العدوان الصهيوني...‏

تفاءل الجميع، وبخاصة حين استمعوا إلى كلمة الرئيس بشار الأسد والملك السعودي‏

عبد الله... وطال اجتماع وزراء الخارجية العرب لإصدار البيان يوم (الثلاثاء 20/1/2009م) وتمخض الجبل عن...!!!، وتمخض الألم والجرح العربي والإنساني عن جرح غائر وعميق؛ إذ بقي الجرح نازفاً، بل أصيب بالتقيح... ولاسيما حين صدر بيان خاص بغزة يدعو إلى الإدانة والشجب، وتقديم يد المساعدة الإنسانية إلى أهلنا المنكوبين في غزة، والطلب إلى الجيش الصهيوني كي ينسحب، وهو الذي نفذ هذا الانسحاب نتيجة موقف المقاومة الغزاوية البطلة... كأن الحكام العرب قد رضوا باجتماعهم وببيانهم الذي طوى ديباجة جميلة تمتص عواطف الجماهير الغاضبة حين دعوا إلى تنقية الخلافات بين الإخوة الفلسطينيين ولمّ الشمل، ومن ثم تنقيتها بين الأنظمة العربية في إطار المصالح الضيقة؛ لم يتضمن البيان دعماً قوياً وصريحاً للمقاومة، وكأنهم لم يسمعوا صرخات الأطفال والنساء التي استغاثت بهم... إذ لا حياة لمن تنادي!!، صُمّت الآذان وتبلدت المشاعر أمام العقلانية الباردة التي فاحت من البيان التوفيقي... فما صدر عنه من قرارات بشأن غزة لا يشي إلا بعبارات عامة غامضة وعجيبة... فحكامنا ما زالوا متمسكين بحساباتهم الخاصة وبوسائلهم القديمة وأدعيتهم المباركة!! لم يبالوا بشلالات الدماء، واثنين وعشرين ألف منزل مدمر؛ ومزارع خرّبت، وبيئة تلوثت؛ وآلاف مؤلفة من الذين أصيبوا بعاهات دائمة... لم يبالوا بحركة الشارع الغاضب الذي أعلن بصوت عالٍ مقاطعة شاملة لكل أشكال العلاقات مع كيان صهيوني خارج عن القانون،... فمتى سيفيق حكامنا؟ وإلى متى سيبقى الجرح نازفاً ومفتوحاً بأيديهم قبل أيدي أعداء الأمة؟!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244