|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
يا أهل غزة... غفرانكم! ـــ محمد علاء الدين عبد المولى يُعاد الكلام وتصعد البلاغة بأعناقها وتتلوّى يمينا ويساراً, تهرع اللغة في علب سوداء مكفنة ويسيل الدم منها على أطرافها... تصطدم اللغة بأذرع غير مرئية, بسيقان تناثرت ذرات تدور حول فلك متكسّر في عمقه, تضرب اللغة رأسها بالجماجم المتفزرة, ترفع أيديها وتعوي في فراغ يسوده صخب الدم وولولة سيارات الشهداء المتطايرة على حدود السّديم... تقترب اللغة من ذاتها فتخجل, لا لغة في اللغة, لا بيان ضمن الفصاحة. لا وضوح قادر على نقل هذيان الدم وبالونات اللحم المهترئ المغروز في القضبان, السائل على البلاط, المعجون بتراب مخيمات تشهد على تراجع جنازة الضمير السياسي العالمي والعربي تراجعها إلى مثواها ما بعد الأخير... الدم الفلسطيني هنا... يعني بالضبط هنا, في بؤرة العالم... أجل غزة الآن بؤرة العالم. شوكة الدم الطري الرافض للجفاف, في حلق الأمم. غزة صبار القتلي والجرحى الذي يعلق في حناجر القادة وجنرالات الجيوش... غزة الآن شلال أحمر ينزف تاريخاً من الشهداء متواصلا راحلا نحو مستقبل سينتزعون ملامحه بأيديهم المقدسة أولئك الأبطال التراجيديون, غزة الآن جغرافية الجوع والعطش والظلام والموت. ولكن غزة الآن بمفردات جوعها وعطشها وظلامها وموتها تؤرخ دونَ التباس وغموض, اكتفاء الأرض بالكرامة وامتلاء الجسد بالارتفاع والنهوض الأسطوري. جغرافيا غزة الآن تنتج بدمها تاريخ الضوء... أيّ صراخ يكفي ليدعم؟ أيّة شاحنات معبأة بأطنان التوبة عن الضمير, كافية لتملأ دوامات الفجيعة الفلسطينية؟ أي قمة يمكنها أن تصعد وتصعد لتصل إلى قمة أهل غزة؟ وأهل فلسطين، أهل غزة, مقاوموها, أبطالها, يعقدون قمتهم, يلقون بياناتهم الاستثنائية من أعالي الكرامة, قمة لا تشوبها شائبة, قمة الحق التاريخي, لا يصل إليها الباطل لا من خلفها ولا من أمامها. قمة أهل غزة, تعلن أنها تعبير فذّ وخارقٌ لقوانين الطبيعة, لأنها بالموت والموت والموت, ترتفع وحدها إلى مجد الحياة الحياة الحياة... قمة أهل غزة تعيد للبشرية مرآتها الحقيقية ليرى من يحب أن يرى ذاته بعرائها وجوهرها. أمام مرآة غزة انقسم العالم إلى طابورين لا ثالث لهما: طابور الإنسان المشبع بالكرامة وصوت الحق وهوية الأمل واستحقاق الضمير، وهو طابور يبدأ ولا ينتهي يقف فيه, يخرجون من كسل الضمير وعفن الاقتصاد ويهرب من هراوات الشرطة والاستخبارت لينتشر عبر سطح الكرة الأرضية معلنا صرخة ستبقى تدوي عبر الآفاق والأجيال يدونون من خلالها شهادة الإدانة لجرائم لا يبلغها توصيف ولا تشخيص... أما الطابور الثاني فهو طابور وقف فيه أشباه الرجال من هنا وهناك، نعرفهم من ملامحهم المشكوك بصبغتها الجينية العربية نحفظهم من نبرات استجدائهم وتسولهم على بنوك العالم لا يرتاحون إلا في أحضان وهمهم... طابور هزيل ضئيل, موصوم بمتتالية من العار والخيانة والاحتقار، يصطف فيه أناس لا يستحقون انتماء ولو كاذبا إلى عالم بني آدم ولا بني الحيوان ولا بني الحجر ولا بني أي شيء. وجوه سوداء العمق، تنبىء عن منسوب الحقد والكره والبغضاء، وجوه تمد ألسنتها التي لا تتقن اللكنة العربية السليمة لتدعو أهل غزة إلى أن يختاروا بين موت بطيء أو موت سريع. موت بطيء مع حصار مكتمل ورضوخ, أو عدوان من كل الجهات لتحقيق أسرع موت وأرشق حمامات دم... وفي الموتين تعلن ألسنة الوسخ والعفن ألسنة القذارة المذهلة أن أي معابر الحياة الخاصة بأهل غزة ستبقى مغلقة ومغلقة.. و... مغلقة... ويقزّمون القضية إلى معابر تُغلق أو تُفتح, وهم يدركون ففي طوية أنفسهم المريضة أن إغلاق المعابر هو مشاركة موصوفة في العدوان ومشاركة لها تأويلها ومداها وغاياتها... يريدون أن يستفيقوا ليروا كلمة مقاومة قد مُسحت من المعجم العربي والإنساني... كلمة المقاومة باتت تفسد عليهم مشاريع الاستثمار, وقلاع العهر المتحصنين به. تفسد على ملوك خيبر طعم القدح وصفاءه وهم يقرعونه بصحة القاتل الأول. هناك حيث اختلط رنين القدح بصراخ الأطفال المنتشرين جثثا مشوّهة منتفخة على أرصفة الفراغ... فأفسد صوت الجثث والدم العربي رنين القدح وحوار مفهوماتهم فقرر التخلص من هذا الصوت المزعج. أبيدوا المقاومة... أبيدوا رجالها المقامرين المغامرين... ياليفني وأولمرت وباراك ونتن ياهوو وشارون وبوش ماذا تنتظرون؟ حاصروهم.ولن نسمح لهم بالخروج لا قتلى ولا مرضى ولا جوعى... هكذا نادت حناجر الغدر والخيانة والتآمر بكل صراحة ووضوح. وهم شكلوا الإسناد الخلفي للعدو من أجل أن يواصلوا القتل والقتل والقتل... وأهل غزة وحدهم... آه يا أهل غزة... من أي طينة إعجاز خلقتم؟ أي إضافة جديدة أبدعتموها لأنشودة الحرية؟ أية بصمة عبقرية تركتموها على قرآن الكرامة؟ نحن خجولون منكم, نفتخر بكم, نخاف عليكم, ونبكي ونشعر بهوان الدموع ونعود لنرفع رؤوسنا من جديد بفضلكم أنتم... أنتم الآن من تدعمون أرواحنا الخاوية, تضخون في شرايننا دم الحياة الحقيقية ونبض الأمل... أنتم تضعون تحت ألسنتنا المرّة حلاوة المجد, وفاكهة الكرامة... فسامحونا, اغفروا لنا أننا مرتهنون لحصارات وممنوعات ومحظورات تجعلنا أبناء العجز بامتياز... سامحونا يا أهلنا الحقيقيين يا أرواحنا الغالية... ياعمقنا الاستراتيجي لأننا منذ عقود من الزمن درّبتنا الأنظمة على العجز أمام تاريخنا... حوّلونا إلى موظفين في مسيرات الاحتجاج والاستنكار والإدانة والرفض، وبعدها نعود إلى شاشات التلفزيون لنتفرج عليكم... يا أهل غزة.. من حقكم أن تحاصرونا أن تغلقوا علينا المعابر... ولكننا نحبكم ونسجد لكم لندخل معكم في جنّة أنتم حراسها وأنتم كوثرها ولبنها وعسلها... يا أهل غزة... يا هويتنا الجديدة المدوّنة بحبر العزة والكرامة ومعجم القيامة... المجد لكم.. لكم وحدكم... فلا تبخلوا علينا به...................... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |