جريدة الاسبوع الادبي العدد 1136 تاريخ 24/1/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لغة الصورة والمأثور التاريخي ـــ حسين حموي

الأشياء التي تدخل إلى مختبر الذاكرة كثيرة جداً بالقياس إلى الأشياء التي تخرج منها، ذلك أن الخلايا النبيلة تقوم بعملية فرز حقيقية بين مايستحق أن يتموضع إلى أمدٍ بعيد على جدار الذاكرة، وفي سفر التاريخ، وبين ما لا يستحق، ليس على مستوى الأفراد فقط؛ بل على مستوى الشعوب أيضاً.‏

لقد سجلت لغة الصورة والنقش حضوراً كثيفاً في المأثور التاريخي، وأصبحت هذه اللغة في العقود الأخيرة من القرن الماضي وبدايات هذا القرن الحجة الدامغة للكشف عن الحقيقة، والبرهان الساطع على زمان الحادثة التاريخية ومكانها، وبخاصة في وجه أولئك الذين يختبئون تحت قناع التاريخ والأساطير الملفقة، وتشويه الحقائق.‏

حدّثني ذات يوم أحد الزملاء الدارسين في الولايات المتحدة الأمريكية عن المخرج السينمائي (بيني فييل) الذي استطاع بلغة الصورة أن يسقط جميع الأقنعة عن الوجه الصهيوني البشع، ويكشف الزيف الذي يمارسونه على الشعب الأمريكي، والشعوب الأوربية، بأن الأرض التي يقوم عليها هذا الكيان هي أرض خضراء جميلة تنعم بالأمان والاطمئنان، ويقصدها السيّاح من أرجاء أربع جهات المعمورة، وأنها... وأنها... على عكس الصورة الحقيقية التي دحض بها (بيني فييل) تلك الأكاذيب من خلال قصف الطائرات وسياسة الأرض المحروقة التي تمارسها (إسرائيل) في كل أرض عربية تحتلها.‏

وعلى إثر تلك الفضيحة، التي منيت بها الدعاية الصهيونية الملفقة تم استبعاد ذلك المخرج السينمائي عن ساحة الضوء كغيره من المخرجين والمثقفين الأميركيين والأوربيين الكُثر الذين استطاعوا بلغة الصورة كشف الحقائق على أرض الواقع وتوثيقها وترحيلها إلى مختبر الذاكرة والمأثور التاريخي للأجيال القادمة والبشرية جمعاء.‏

وقرأت منذ أسبوع في إحدى دورياتنا اليومية مقالاً لأديبنا القاص عادل أبو شنب يتحدث فيه عن سينما الحقيقة التي دعت إليها وتبنتها السينما الإيطالية مستشهداً بفيلم الرز المرّ لبطلته سيلفانا مانغانو وبفيلم آخر اسمه امرأتان وبطلته صوفيا لورين عن قصة لألبرتو مورافيا أخرجها المخرج السينمائي المشهور (فيلليني).‏

الفيلمان يصوران الوحشية التي قام بها جنود نازيون ضد أمٍ وابنتها، وضدّ تلك المرأة التي كانت تزرع الرز في حقل من حقول إيطاليا، بلغة الصورة الكاشفة لعمليات الاغتصاب الوحشي الذي كان يمارسه الجنود النازيون في البلاد التي يحلون بها.‏

أما المخرج السينمائي السوري عبد اللطيف عبد الحميد الذي لم تغادر ذاكرته تلك الصورة التي انحفرت عميقاً في خياله عندما كان طفلاً وشاهد الطائرات الإسرائيلية وهي ترمي بحممها وقنابلها على بعض المناطق السورية، ولأنها كانت بكل هذا العمق من المرارة، جاء وقعها واضحاً في سلسلة ملحمته السينمائية «ليالي ابن آوى 1988م، ورسائل شفهية 1989م، وقمران وزيتونة 2001م، وما يطلبه المستمعون 2003م، وأحدثها أيام الضجر 2008م" وقد كان لأفلامه صعود المطر ونسيم الروح وخارج التغطية المنحى ذاته في تصوير وحشية العدو الصهيوني من خلال الربط الوثيق بين ما انطبع على جدار الذاكرة في الماضي أيام الطفولة والشباب، وما ينطبع في الحاضر من قتل وتدمير ووحشية يتكرر في كل عدوان، بما يعطي مؤشراً واضحاً "أن التعايش مع هذا الكيان الغازي المغتصب شبه مستحيل أفلاماً لأن (اسرائيل) اغتالت الحب والسعادة وخرّبت الحياة منذ أكثر من نصف قرن، واستنزفت الطاقات بكاملها كما يقول المخرج عبد اللطيف عبد الحميد من هنا كان وجع الذاكرة الذي يجسّد أفلاماً سينمائية توثق وتصوّر تلك الأحداث والوقائع بمصداقية، ومن قبله استطاع المخرج برهان علوية تصوير ما جرى في دير ياسين وكفر قاسم من مجازر وحشية في فلمه (كفر قاسم) والمخرج رضوان الكاشف في فيلمه (ليه يا بنفسج) الذي يصوّر حرب نكسة 1967م، وماكان قبلها من حب وفرح وسعادة وأمل وإبداع في المجالات كافة فجاء عدوان حزيران ليخرّب كل شيء، ويفتك بالزرع والضرع كما يفعل العدو الصهيوني هذه الأيام في غزّة. لا يحترم قانوناً دولياً، ولا شرعة إنسانية، همه الأوحد القتل والتدمير والإبادة بتلك الوحشية النازية التي أصبحت صفة معهودة من صفاته العدوانية منذ حرب 1948م مروراً بعدوان 1956م، و1967، و1973م و1982م، وانتهاءً بعدوان تموز 2006م، وعدوان غزة 2009م.‏

وهي بمجملها تدلل على أن هذا الكيان الغاشم قام ويقوم على العدوان والقتل والتدمير، وكل جدار وبنيان فيه مشاد على جماجم الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ العزّل من السلاح.‏

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، في هذا السياق هو: كيف نوثق للأجيال القادمة هذه المجازر الجماعية والوحشية النازية للصهيونية؟ وللإجابة نقول: لابدَّ للإبداع الأدبي بكل أنواعه، وللإبداع الفني بكل أجناسه وبخاصة السينما التسجيلية والروائية من أن تتخذ من لغة الصورة الحيّة الواقعية المادة الخام الرئيسة لإبراز الحقائق والوقائع على الأرض كما هي، فتكون خير شاهد وأصدق شاهد على مجريات تلك الأحداث والوقائع، فالتوثيق بلغة الصورة لا يقل شأناً عن التوثيق بلغة النقش والحرف، وهو الذي يحفظ لنا مأثورنا التاريخي على مرّ العصور.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244