جريدة الاسبوع الادبي العدد 1136 تاريخ 24/1/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كثّر الله خير العرب ـــ بشير عاني

ليس هناك أكثر بلاغة ووضوحاً من العبارة التي أطلقها أمير قطر، معلناً استغرابه من مقاطعة بعض الدول العربية لقمة الدوحة، وخجله من اكتفاء هذه الدول بمناقشة قضية غزة كبند هامشي في قمة الكويت الاقتصادية.‏

في الحقيقة لم يكن هذا مستغرباً من هذه الأنظمة التي تركت، منذ عامين تقريباً، لبنان يحترق، محملة حزب الله مسؤولية ما يحدث، مانحة إسرائيل غطاء شرعياً للفتك باللبنانيين وتدمير وطنهم، تماماً كما تفعل اليوم مع حماس في غزة.‏

في حرب لبنان لعبت هذه الأنظمة، عبر فقهاء السلاطين وأبواقهم المشبوهة، دوراً خبيثاً في محاولة عزل حزب الله شعبياً، وذلك باللعب على وتر الحساسيات الدينية والمذهبية، وبث الرعب في الشارع العربي وتخويفه من التطلعات القومية لإيران، الحليف الرئيسي لحزب الله، والتشكيك بالمصداقية الوطنية لحزب الله، واتهامه بإشعال حرب خاسرة لصالح حليفه الإيراني، وليس دفاعاً عن كرامة لبنان وشعبه، وللأسف، فقد لقيت مثل هذه (الخباثات) آذاناً صاغية لها، ورأينا الكثير من المواطنين العرب يرددون هذه الأسطوانة ويشككون بولاءات حزب الله الدينية والوطنية والقومية (هل سنسمع بعد وقت قصير حملة من نوع آخر على تركيا التي كانت مواقفها مما يحدث في غزة، وقبل ذلك في العراق، أكثر شرفاً من بعض العرب والفلسطينيين أيضاً ؟).‏

ولكن تشاء الأحداث أن تكشف خبث هذه الأنظمة وارتهانها للأمريكي، الذي يساند بلا خجل أو مواربة جرائم إسرائيل في غزة، فما يحدث اليوم للفلسطينيين قد أسقط (النصيف) عن معظم الأنظمة التي أطلق عليها أسيادها اسم (المعتدلة)، وإلا كيف سنفهم هذه المعادلة، وهي معادلة غير معقدة كثيراً:‏

فإذا كان حزب الله (شيعياً) ويمثل قاعدة متقدمة لإيران في المنطقة، وهو ما كان، حسب أنظمة الاعتدال العربي، فحوى الأسباب المعلنة لتركه فريسة بين يدي إسرائيل في تموز 2006، فإن حماس (سنيّة)، وهي تتقاطع كثيراً مع المفاهيم الدينية والجهادية للأخوان المسلمين، الذين تم دعمهم وتقويتهم، تاريخياً، في الأردن والسعودية بشكل خاص، فلماذا تركت حماس هي الأخرى فريسة للغول الإسرائيلي؟‏

وإذا كان حزب الله، حسب هذه الأنظمة، هو الذي بدأ بالعدوان على إسرائيل، عبر محاولته أسر بعض الجنود، فهل كانت حماس هي التي قد باشرت العدوان أيضاً؟‏

وإذا كانت هذه الأنظمة حريصة على العمل الدولي والدبلوماسي، وصاحبة أفكار نيّرة فيما يتعلق بطرح المبادرات والحلول العملية، فلماذا كانت تستبعد حماس من جميع الاجتماعات والمبادرات المطروحة، وهي الطرف الأساسي الآخر المواجه لطرف ثان يدعى إسرائيل، التي، وللمهزلة، كانت حاضرة وفاعلة في المبادرة المصرية، وفي غيرها من المبادرات العربية والدولية، علماً بأن حماس، وباعتراف خصومها السياسيين، ممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وهذا ما تقوله صناديق الاقتراع؟‏

على كل حال، إذا كانت هناك من خلاصات ايجابية لما يحدث في غزة، فهو أولاً انكشاف أنظمة الاعتدال العربي، وازدياد عزلتها وسقوط برامجها السياسية ومفاهيمها الفكرية، بل إن غزة كانت طلقة الرحمة لهذه الأنظمة، بعد أن أضعف انتصار حزب الله في لبنان من قيمة دعاواها وجعلت الجماهير العربية تشكك في مصداقيتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244