جريدة الاسبوع الادبي العدد 1137 تاريخ 7/2/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البنى الثقافية السورية السابق واللاحق ـــ د.ناديا خوست

نشرت جريدة النهار في 22 كانون الثاني 2009 مايلي: صرحت أمينة احتفالية دمشق عاصمة الثقافة "صارت هناك حاجة الآن لإعادة النظر في المشهد الثقافي السوري والبنى الثقافية فيه". لافتة الانتباه إلى أنه منذ تأسيس وزارة الثقافة عام 1969 "ونحن نمشي على نموذج الاتحاد السوفييتي، واليوم حان الوقت لنفكر بشكل جديد وهذا مايحصل على مستوى الدولة".‏

يستدعي هذا التصريح أسئلة جدية، لأنه يتجاوز نشاطات الاحتفالية إلى رؤية تتناول الثقافة، لاتمس العاملين في الثقافة فقط، بل الثقافة نفسها، وتندفع في رسم مشروع ثقافي. يجب أن نوضح إذن بعض المبادئ العامة:‏

أولا: تعيش الثقافة في حضن علاقات متشابكة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، تنتجها مجموعات إنسانية وتوجَّه إلى مجموعات إنسانية. تساهم الثقافة في صياغة البنية الروحية، ورسم الهوية الوطنية وعمقها التاريخي. وتعبر عن مسار اتجاهات فكرية، وتجسد حاجات ومنظومات أخلاقية. تستند إلى تراث وموروث، وتؤثر فيها مشاريع زمنها، وتتميز ثمارها بالقدرة على الحياة بعد الزمن الذي أنتجت فيه. وهذا يجعل الاحتفالات الثقافية نفسها تعبيرا عن اتجاهات قد تلامس جوهر حاجات الناس في زمن معين وقد تبقى في أطرافها.‏

ولو أردنا بعض الشواهد لتبيّنا أن ثقافة الفرد منا مؤسسة على عمق تاريخي يبدأ من أرض معبأة بالثقافة الشعبية، ويرفدها الشعور بعراقة الحضارة العربية الإسلامية، والإعجاب بمُثل الثورات الإنسانية ومنتجاتها الفكرية والأدبية. وتمتزج فيها قصائد الزركلي الوطنية بقصائد المتنبي والمعري ونزار قباني، باحترام الرؤية العلمية للعالم ومكانة العلم في التقدم الإنساني، وبالمنظومة الأخلاقية التي يربي بها الإسلام الفرد والمجتمع ومنها الرحمة والتسامح والصدق والتواضع وطلب العلم والاحتكام إلى العقل.. الخ.‏

ثانيا: استندت علاقتنا بالآخر إلى هذا المزج الواسع بين الكرامة الوطنية والاعتداد بالعروبة، والمثل الذي قدمته الحضارة العربية الإسلامية في احترام ثقافات الشعوب واستلهامها. فمن ذلك التمازج الذي لايميز عربيا من أجنبي اغتنت الحضارة التي استمرت عالمية خمسة قرون ذهبية.‏

في هذا السياق نفهم حركة التحرر الوطنية العربية، وعلاقتها بالمعسكر الاشتراكي وبالغرب. فبالرغم من فظائع الاحتلال في حرب الجزائر لم نبعد فولتير ولامثل الثورة الفرنسية ولابلزاك وفيكتور هوغو من ثقافتنا، وفي ذلك الوقت ترجمنا فرانسواز ساغان. والمشكلة أن الغرب كان يمنع علاقتنا بالمعسكر الاشتراكي، ويحجب عنا منجزاته العلمية والفنية الكبرى، ويريدنا احتكارا له في الثقافة أيضا. لذلك اتصلت علاقتنا بالاتحاد السوفييتي، "النموذج السوفييتي"، بتحررنا من الهيمنة الاستعمارية. ومن يتصفح تاريخنا الحديث يتبين أن البورجوازية الوطنية استقوت بالعلاقة بالاتحاد السوفييتي فسعت إلى العلاقات الديبلوماسية به سنة 1944 بالرغم من الاحتلال، ونسق لبنان معها في ذلك المجال، فقال جميل مردم، وزير الخارجية السوري، ماقاله بعده سليم تقلا، وزير الخارجية اللبناني: إن ذلك حدث عظيم وإنه يفخر بمساهمته في عمل تاريخي. وفي الخمسينيات من القرن العشرين كان معروف الدواليبي، اليميني، حريصا على تلك العلاقة. وكان خالد العظم، الرأسمالي، صائغ الاتفاقية الكبرى المشهورة مع الاتحاد السوفييتي التي نصت على تشييد السدود والسكك الحديدية والمصانع الخ.‏

دفعت الرؤية الستراتيجية الواسعة التي تميز بها الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى علاقات متميزة عسكرية واقتصادية وثقافية وعلمية بالاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي. فكسبت سورية من "النموذج السوفييتي"، في المساحة العلمية، خريجين درسوا في معاهد علمية يغلق الغرب مثلها في وجههم باسم السرية. وكسبت المهندسين الذين شيدوا السدود والمعامل والطرقات في سورية. وفي المساحة الثقافية كسبت تعاونا أتى بفرق عالمية فنية ومسرحية، وأثمر خريجين درسوا في معاهد فنية رفيعة، وقدموا سينما وطنية ومعارض لوحات متميزة. ولنذكر أن معرض الفن السوفييتي في المتحف الوطني كان حدثا كبيرا في الحياة الثقافية السورية. وليس الاعتراف بتقدم الفن السوفييتي رأيا شخصيا، فالضجة التي أحاطت بمعرض اللوحات في "غراند باليه" في باريز شاهد على ذلك. وهل نذكر أيضا مسرح أبرزتسوف، ومسرح لوبيموف، اللذين احتفت بهما باريز؟! أم نذكر باليه بولشوي، وفرق الرقص الشعبي المشهورة؟ أم الأفلام التي حصدت الجوائز العالمية؟ أم الأدب الذي قدم "مصير إنسان" و"الدون الهادئ"، و"المعلم الأول" وغيرها؟‏

في المستوى الفني العملي قدم لنا "النموذج السوفييتي" معايير التكنيك الرفيع الموظف لكشف الجوهر. وعلمنا احترام الآداب الأخرى وتاريخ الشعوب الأخرى، ومصادر مادة الأدب والفن الحية، ووظيفة الثقافة العليا في تهذيب الروح والايمان بالقيم والمثل الكبرى. علمنا قيمة العمل في الفن والأدب والعلم، وأزاح تهويم الوحي والإلهام وشياطين الإبداع. لكن العدل النقدي يتصل بسعة المعرفة. والمعرفة تبين لنا أن "النموذج السوفييتي" لم يولد جاهزا كما يتصوره العقل المولع بالنمطية. تكشف حياة يسينين، مثلا، أن ذلك "النموذج" ولد في صراع ضد الصهيونية والفوضى وحرب التدخل وديكتاتورية المفكرين والسياسيين اليهود. لتصبح الثقافة وطنية أصيلة، وحقا عاما. ولو تجاوزنا الرؤية السياسية العدوانية المتخلفة إلى الاتحاد السوفييتي لفهمنا أن أدب الديمقراطيين الروس السابقين على "النموذج السوفيتي" أسس الأدب السوفييتي، وظل مرجعية مركزية. فالثقافة الإنسانية تؤسس على ماأنجز قبلها. واليوم يعرف المثقفون في أنحاء العالم أنهم خسروا بإسقاط الاتحاد السوفييتي مركزا ثقافيا عالميا مهما، ومركزا مهما في دراسة الصهيونية وكشف عنصريتها وخطرها. وليست خسارتهم أقل من خسارة حركات التحرر الوطني ذلك المركز.‏

ثالثا: لماذا يبدو استلهام الغرب حرية وتطورا ومعاصرة، بينما يبدو استلهام "النموذج السوفييتي" تخلفا! "كل شي فرنجي برنجي"؟ ولنوسع ذلك فنتساءل لماذا ينكر علينا اختيار طريقتنا في بناء مؤسساتنا وحياتنا؟ ألا يشبه اتهام البنى الثقافية السورية بأنها "نموذج سوفييتي"، اتهام المقاومة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية بأنها "منسوخة من مشروع إقليمي"، ورفض حقها في اختيار طريقها الخاص؟! أليست وراء كل منهما الرؤية نفسها؟‏

لاشك في أن كل زمن يتميز بمزاج عام. مابعد الحرب العالمية الثانية، يختلف عن الفترة التي ساد فيها بوش والمحافظون الجدد. وتختلف الفترة التي كان فيها الاتحاد السوفييتي قوة عظمى عن العقد المظلم الذي سطت عليه الولايات المتحدة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. لكن الذكي لايسقط في الوهم، بل يتبين نهاية القطب الأوحد، ويفهم معنى الأزمة العالمية المالية، وسقوط الأسطورة الإسرائيلية، ونهضة الشعوب الغاضبة. مواجهة أردوغان أكاذيب بيريتز في محفل دولي، بكبرياء رئيس دولة يحرس الحقيقة، إشارة إلى زمن عالمي جديد! وحديث أمير قطر بصراحة عن الأوضاع العربية، وانحيازه بشهامة إلى مقاومة غزة، إشارة إلى الجديد في الوضع العربي! وتجمع منظمات مهتمة بحقوق الإنسان لتقديم قادة إسرائيل إلى محاكم مجرمي الحرب، إشارة إلى ضمير عالمي يتحرر من النفوذ الصهيوني! هذا مالايجوز أن يهمله من يراقب "المتغير"!‏

على كل حال، كسبت الثقافة في فترة التفتح التي شيدت فيها البنى الثقافية المتهمة بأنها "نموذج سوفييتي"، وهي ليست أبنية فقط، بل مؤسسات عاملة: المتاحف في أنحاء سورية، والمراكز الثقافية حتى في المناطق النائية، سلاسل المنشورات في مشروع إحياء التراث، والرواية والقصص والكتب التاريخية، والمجلات الثقافية والمسرحية والفنية، وصالات العرض الفنية، ورعاية الصالات الفنية الخاصة، ومراكز الفن التشكيلي، ومعاهد المسرح والموسيقى وفرقة الكورال والفرقة السيمفونية السورية. في هذا السياق أسس اتحاد الكتاب العرب، وأصدر كتبا ومجلات وجريدة، وأدار نشاطات ثقافية، وقدم لأعضائه مساعدات صحية سنوية ومساكن ورواتب تقاعدية، واستقبل وفودا وأوفد وفودا.‏

الأمكنة التي جرت فيها احتفالات دمشق عاصمة الثقافة ومنها دار الأسد للثقافة ومكتبة الأسد، من منجزات ماسمته الدكتورة حنان قصاب حسن "النموذج السوفييتي"! برنامج "ألف تحفة وتحفة" الذي نظمه الدكتور ميشيل مقدسي في احتفالية دمشق عاصمة الثقافة، من ثمار التنقيب الأثري الذي أداره ذلك "النموذج" طوال عقود. القلعة التي غنت فيها جوليا بطرس هي مشروع أنتجه ذلك "النموذج" واستمر فيه العمل أكثر من عشرين سنة! واللوحات التي عرضت في معرض ذاكرة الفن التشكيلي هي جزء من الكنز الذي اشترته وزارة الثقافة من كل معرض كانت ترعاه أكان في صالة خاصة أم عامة.‏

ولايزال الفنانون يتحدثون عن الاهتمام الذي كانت تخص به الدكتورة نجاح العطار كل فنان. وحرصها على حضور كل معرض. كان اقتناء وزارة الثقافة لوحات الفنانين يسندهم ماديا فيؤمن لهم حرية التعبير. ويستنتج العاقل أن امتناع الوزارة اليوم عن شراء اللوحات من الفنانين أفقدها كنزا، وأفقد الفنانين كثيرا من الحرية فجعلهم أسرى ذوق المشترين الأغنياء.‏

رابعا: الحركة بركة. لكن في أي اتجاه، وبأية رؤية؟ تعج منطقتنا كلها بالحركة. واليوم فيها لايشبه ماسبقه. تتكاثف فيها الأحداث حتى ليكاد النَفَس ينقطع! وتحرم من الأمان والهدوء الذي تحتاجه حياة إنسانية طبيعية. هل انقطعت يوما المؤتمرات الصحفية العالمية التي تتناول منطقتنا طوال إدارة بوش؟ تمتلئ الأرض العربية اليوم بالقواعد العسكرية، وتحتل بحارها البوارج الحربية. يجري اليوم صراع مرّ، وتشارك أنظمة عربية ومجموعة فلسطينية في حصار غزة والعدوان الإسرائيلي عليها، وفي تصفية فلسطين التاريخية. وتقابل ذلك مقاومة ميدانية وسياسية رفيعة يسندها الشارع العربي بحركة وحماسة لم نر مثلها منذ العدوان على السويس. في هذه اللوحة يبدو التصريح عن البنى الثقافية ذات "النموذج السوفييتي" غريبا ومريبا. يبرره أن "هذا مايحصل على مستوى الدولة"؟! لماذا لانرى أن "مايحصل" هو صراحة لاسابق لها في دعم المقاومة، وفي إعلان تفاصيل الحقائق السياسية التي كانت تخبأ في ظلام الكواليس؟ هل نختار مايجمع عليه الشارع في إدارة السياسة، أم نختار مايتوجس منه الشارع في إدارة الاقتصاد؟ لايمكن أن تهمل الثقافة الأحداث التي تجرف منطقتنا والصراع الرئيس فيها! لم تفصل الثقافة في أي زمن في التاريخ بجدار عن السياسة! كان المفكرون والشعراء مبشرين بالثورة الفرنسية، والديمقراطيون الروس والانتلجنسيا الروسية رسل الثورة. ومن يتصفح التاريخ العربي يتبين أن رجال العلم والأدب لم يكونوا بعيدين عن السياسة بل كانوا في وسطها، من قادتها وضحاياها؟ وهل يمكن أن يُقرأ الشعر العربي المعاصر إلا في علاقته بالسياسة؟ أليست الثقافة في تجلياتها الأدبية والفنية تعبيرا عن منظومات فكرية؟‏

بعد الجرائم الإسرائيلية في غزة، لانستطيع أن نرى أي مشروع ثقافي معزولا عن أطفالنا المقتولين المحروقين وعن أطفالنا الأيتام المحاصرين. لسنا أقل من الشعب الفرنسي الذي يحفظ أطفاله قصيدة رامبو عن الجندي المقتول وقصيدة بول ايلوار عن الحرية! لسنا أقل من أي شعب آخر حاجة إلى المثل التي تربيها الثقافة في البنية الروحية! ولايمكن أن نرى أي مشروع ثقافي معزولا عن علاقاتنا بمن يعادينا وبمن يقف معنا. لايُقبل أن نبقى في دائرة الثقافة الغربية ونهمل الثقافة التركية والايرانية والإندونيسية وثقافة أمريكا اللاتينية التي قدمت أهم الروائيين العالميين. ولابد من التناسق بين بسالة أردوغان في الدفاع عن أطفال غزة في منتدى دافوس، والعلاقة الثقافية بتركيا التي جمعنا معها، على كل حال، تاريخ طويل مشترك! مفهوم ومعروف أن الثقافة لاتنسخ من السياسة. لكن رؤية المثقف الوطني لاتناقض رؤية السياسي الوطني.‏

حدث أمر جلل في غزة، هزّ الأمة العربية من الخليج إلى المحيط، وهزّ الشرق، وأطلق الغضب في شوارع العالم. ولايمكن أن نرى الثقافة دونه. حقا، حدث تغيير! فلأول مرة في حياتنا نتابع قمة عربية مثل قمة الدوحة، ونسمع قادة يصارحون شعوبهم ويعلنون الحقائق أمام الإعلام، ويقفون بصلابة شجاعة أمام عالم يتخفى بالأكاذيب! كنا نغبط أمريكا اللاتينية على تشافيز، وها نحن نتقدم بفهم ماتغير في الأرض، وندرك أن العالم الاستعماري يعاني من الهزيمة التي سجلتها المقاومة العربية في العراق ولبنان وفلسطين. نعي أننا أنجزنا عملا عظيما على مستوى العالم! وأن "نماذج" المقاومة السياسية والعسكرية العربية تخفق كمثل عالمي. هذا هو التغيير الذي يفترض ألا يتجاهله من يرسم المشروع الثقافي!‏

لكن المشروع الثقافي الوطني لايمكن أن يحمله إلا رجاله الصادقون الثابتون على المبدأ! كنا في مكتب رئيس جامعة تشرين قبيل لقاء عن غزة، وفجأة نقل التلفزيون كلمة الدكتور بشار الأسد في قمة الكويت، وعندما انتهت صفقنا عفويا. وكان ذلك يعني أننا شعرنا بأن تلك كلماتنا ورؤيتنا، وتلك عواطفنا. هذا حدث كبير، فحتى الأمس كان للسياسي كلام وللمثقف كلام آخر. فهل يمكن أن يتجه المشروع الثقافي عكس ذلك؟!‏

خامسا: لايعني ماسبق أن البنى الثقافية سليمة وصافية ونقية. ولايعني أنها لم تقصر في حماية هوية المدينة العربية. وأنها لم تعان من فرض "أدباء" بالتلفون، ومن إفادة أشخاص انتهازيين من المنح والوفود، ومن تعيين أشخاص في المكاتب التنفيذية ليتكسبوا منها. نضيف أن تلك البنى تعاني منذ انتشر الوهم بأن الإصلاح يعني انسحاب الدولة من رعاية الثقافة. إلى ذلك تفجع المنعطفات، عادة، بانهيار أشخاص كنا نتوقع استقامتهم. وتستولد متعطشين إلى صدارة يغيّرون لأجلها حتى جلودهم. لكن الانتهازية تتلون بما يناسب كل زمان. والفساد الأخلاقي، أينما كان منبته، ضد ماتفترضه المرحلة. فدماء غزة، وشراسة العدو الصهيوني، والمعركة الطويلة معه تفترض في مواجهتها الصلابة والاستقامة والصدق، مع الكفاءة. دخلت الشوارع العربية كقوة حاسمة سندت السياسة الوطنية المقاومة، وبينت أنها قطب جديد. وذكّرتنا بروح الأضاحي الرقيب العتيد. وهذا الجديد لايستبعد ماسمي "النموذج السوفييتي"، بل يؤسس عليه: الثقافة هي الحاجة العليا للبشرية. الثقافة حمّالة المثل الوطنية. الثقافة حق شعبي يتضمن المعرفة، وليست مساحة لأهواء النخبة ومختبرا لتجاربها. الثقافة تلبي حاجات الروح المقاومة، وتحصّن البنية الروحية العربية أمام الصلافة الغربية التي لاتعترف بحق العربي في حياة آمنة إنسانية، ولاترى الجرائم الإسرائيلية في غزة. وماأعجب ألا نتبين أن جوليا والرحباني ومارسيل خليفة أصداء المقاومة المبدعة، وذلك سبب حفاوة الناس بهم! وبعد، نخطئ إذا تصورنا أن نجاحنا يبدأ من إلغاء المؤسسة التي لم نساهم في بنائها. وإذا أكدنا أننا لسنا ورثتها. فالحضارة تعتمد التراكم. وتستند إلى الغيرة على كل ذرة من النجاح شيدها من سبقنا. وماأيسر أن نتبين ونحن نتصفح الحياة الثقافية الأخرى في بلاد أخرى أن الروائي يعتمد مانجح فيه روائي آخر، والشاعر يحتضن شاعرا آخر، والبلد يسجل في تاريخه الرسام الناجح ويراه ثروة وطنية ولو كان ولاؤه لمنظومة قيم تختلف عن القيم التي يعتمدها النظام السياسي. لأنهم جميعا يقدمون المصلحة الوطنية والحرص على ألوان الثقافة الوطنية. نحتاج أن نستلهم هذه الطريقة في العمل، لا أن نتوهم أن الانفتاح والتجدد يعني نسخ السلع التجارية المتخلفة الغربية.‏

رسم السياسة الثقافية، إذن، أمر جدي، يحتاج الإحاطة بالحاجات الوطنية والسياسية والروحية، أي يتجاوز تنظيم الاحتفالات والنشاطات الثقافية، فهذه النشاطات تجسّد مجالا فقط منها. لايقبل مابعد غزة أن تبدأ السياسة الثقافية باستخدام صيغة استعمارية سوقية: "النموذج السوفييتي". والخطر أنها تبدو كورقة اعتماد ترجو رضا الغرب السياسي الذي يرى المقاومة إرهابا ويرفض إدانة الجرائم الإسرائيلية.‏

أخيرا، أُسست البنية الثقافية السورية على احترام التراث الثقافي العربي، وعلى الانفتاح على الثقافة الرفيعة العالمية. منذ أجيال النهضة الاولى، إلى رجال الاستقلال، إلى رجال حركة التحرر العربية. من يتصفح المترجمات يتبين هذه الحقيقة. لم ينتظر السوريون من ينبههم في آخر الزمان إلى تداخل الحضارات. لكنهم لم يحبسوا أنفسهم بقارة واحدة فقط، بل قدروا الثقافة التي أغنتهم بها الحضارة الإنسانية، ومنها الثقافة السوفيتية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244