جريدة الاسبوع الادبي العدد 1137 تاريخ 7/2/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

انتظار في محطة مايا كوفسكي ـــ إدريس الملياني

عندما تُذكرين‏

أرى..‏

في محطة ميترو النفقْ‏

ماياكوفسكي يطلْ‏

على عاشق واقف ينتظرْ‏

وفي يده باقةٌ من قرنفلْ‏

والقطاراتُ تأتي وتمضي‏

قطاراً وراء قطار‏

تارة عن يمين‏

تارة عن يسار‏

وهْو في زحمة العابرين‏

واقف بانتظار‏

وفي يده باقة تُحتضرْ‏

دفينة كيسٍ شفيفٍ‏

كقبر دفين‏

تارة في اليمين‏

تارة في اليسار‏

يشيعها حين يتعبُ،‏

والعابرون يمرون،‏

والعاشقاتُ،‏

يخاصرن عشاقهن‏

والقطاراتُ،‏

تأتي وتذهبُ‏

والقلبُ‏

يخفقُ‏

يخفقُ‏

كالطيرِ في قفصٍ ينطلقْ‏

في سماء محطة ميترو النفقْ‏

هذه هيّ؟ لا..‏

هذه هيّ؟ لا..‏

كلّ عابرة تسترقْ‏

نحوه نظرةُ وتمرّ‏

وهو منتظِرٌ منتظَرْ‏

وفي يده باقة تحتضرْ‏

فجأةً‏

حطّ كفّ على كتفي‏

فالتفتّ‏

ـ أنتَ من؟‏

قلتُ: أهلا!‏

ولكنه لم يردّ عليّ التحية،‏

ـ هل أنت من بلد العمّ سامْ؟‏

قلتُ: كلاّ!‏

ولكنني ـ إن أردت ـ‏

من بطانته الأقربين الكرامْ!‏

وتحسّستُ جيبي‏

لأخرج قرصاً من الشوينغوم،‏

وسيجارة فاخرة‏

هل تدخن؟ قلتُ‏

لأستدرجه للكلامْ‏

ولكنه صعّر الخدّ واحتدّ،‏

ملتفتاً نحو عضو مليشيا..‏

فخفتُ‏

وقلت له: لا تخف يا رفيقُ فالوديا!‏

لستُ عيناً ولكنني عاشق مستهامْ‏

بحب نتاشا وأشعارك الثائرة‏

وأسمعته مقطعاً من «نشيد اليسار»‏

مقطعاً من قصيدة «لينينْ»‏

وآخر من «غيمة البنطلونْ»‏

وآخرَ آخرَ آخرَ‏

حتى اطمأنّ إليّ‏

وقال: «خراشو»!‏

وقال: تعال!‏

وأجلسني قربهُ‏

على المقعد الخشبيّ‏

لم ندخن لأن المقامْ‏

مكان عموميّ!‏

ولكن دخلنا‏

القصيدةَ تلو القصيدهْ‏

لنخرج منها إلى الذكريات‏

القديمة والذكريات الجديدهْ‏

ـ وماذا عن الشعر؟ قال وقلتُ‏

هو ديواننا الأمميّ!‏

ـ وماذا عن الشعراء؟ قالت وقلتُ‏

مفجعٌ قدر الشعراء‏

تحت كل سماء!‏

وماذا عن العلنية والبيريسْترويْكا؟‏

ضحكنا معاً ضحكاً كالبكاء‏

وقلنا معاً: قولُ حقٍّ‏

يراد به باطلٌ، قبضُ ريح!‏

إلى أن وصلنا إلى المحرق العاطفيّ‏

عن يسينينَ كيف أحبّ ومات‏

وليرمُنتوفَ كيف أحبّ ومات‏

وبوشكينَ كيف أحب وماتْ‏

و.. عنه وليلي بريك‏

وكيف انتحرْ؟‏

قال منفعلاً: تلك أكذوبةٌ‏

بليتْ بل قُتلتُ‏

الرصاصة لم تنفجرْ‏

من يدي بل يد السكرتير الذي‏

هو نصف بشرْ!‏

لعلكَ لم..؟‏

قلت: بل، في «جواز السفرْ»‏

قرأتُ عن الجمركيِّ‏

عن الدركيِّ‏

عن الشرطيِّ‏

عن المكتبيِّ‏

وعن «عاشقي الاجتماعات»، «أنصاف ناس»، «يطيلون فيها الجلوس» وهم في بلادي كثرْ!‏

ـ وأنت؟ ألم تنتحرْ؟!‏

قلت: أنقذني بيتُ شِعرْ!‏

ـ لمنْ؟‏

ـ لمحبّين قالوا: (الشفاء‏

من الحبّ حبٌّ يزيلهْ)‏

وذكّرته بحبيباته: تاتيانا‏

وماريا، نتاليا وليلي بريك‏

وحين وصلتُ‏

إلى محرقي العاطفي‏

حطّ كفّ على كتفي‏

فالتفتُّ‏

ـ تأخرتُ ـ قالت ـ عليك؟‏

ـ وأنا قد تأخرتُ عمريَ كلّهْ!‏

....‏

ووضعتُ على نصبه المرمريّ‏

باقة الوردِ، قلتُ‏

ـ وداعاً، رفيقي فالوديا!‏

وخاصرتها وانصرفت.‏

- عناوين قصائد مشهورة للشاعر: نشيد اليسار، لينين، غيمة في البنطلون، «خراشو» ومعناها بالروسية: حسناً، أو رائع، أشعار على جواز السفر السوفييتي، عاشقو الاجتماعات، مطيلو الجلوس، وفي القصائد الأخيرة ينتقد بأسلوب كاريكاتوري ساخر البيروقراطية والبيروقراطيين الذين يصفهم بأنصاف البشر....‏

- سيرغي يسينين: الشاعر السوفييتي المشهور، أحب إسادورا، الراقصة الأمريكية، مات منتحراً. وبوشكين قتل في مبارزة ـ مدبرة ـ (أراد لها القيصر أن تتم..) كما يبدو واضحاً من إحدى رسائله. ولير منتوف الشاعر وكاتب رواية «بطل من زماننا» قتل أيضاً في مبارزة، يقول في رثاء بوشكين ـ وكأنه يرثي نفسه وكل الشعراء:‏

قضى الشاعر أسيراً لشرفه‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244