جريدة الاسبوع الادبي العدد 1137 تاريخ 7/2/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مسرحية الأزهر وريادة المسرح التسجيلي ـــ عبد الفتاح قلعه جي

أوضح بيتر فايس في دراسته المنشورة في مقدمة مسرحيته أنشودة أنغولا أهم سمات المسرح التسجيلي فهو مسرح تقريري ملتزم بأحداث العصر بحيث "تشكل السجلات والمحاضر والرسائل والبيانات الإحصائية ونشرات البورصات والتقارير السنوية للبنوك والشركات الصناعية ، والبيانات الحكومية الرسمية ، والخطب والمقالات والتصريحات التي تدلي بها الشخصيات الرسمية، والريبورتاجات الصحفية والإذاعية ، والأفلام والصور ، وجميع الشواهد المتعددة للعصر" ..تشكل أساس العرض المسرحي. وكتب فايس مسرحية ماراصاد عن الثورة الفرنسية، وكتب آخرون (كيبارد وجراس وفالزر) مسرحيات تسجيلية. وكتب بيتر بروك مسرحية us نحن والولايات المتحدة عن حرب فيتنام.‏

مسرحية الأزهر وقضية حمادة باشا وريادة المسرح التسجيلي‏

ضمن أرشيفات المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية في القاهرة اكتشفت مسرحية لكاتب مجهول اسمه حسن مرعي عاش في القرنين التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين وهي بعنوان " الأزهر وقضية حمادة باشا" وقد نشرت عام 1909 وتتوافر فيها كل المعايير التي حددها النقاد ــ وخاصة الألمان منهم ــ للمسرح التسجيلي، ومن بينها أنّه مسرح يختار مادته من المقالات الصحافية والخطب والسجلات والمحاضر. ويكون الاختيار مركّزاً على قضية اجتماعية أو سياسية، وتشتمل القضية على مضمون إنساني عام. هذه السمات حددها بيتر فايس نفسه في دراسته عن “المسرح التسجيلي” التي نشرها عام 1967 في مجلة “Theater Heute” الألمانية.‏

مسرحية الأزهر وقضية حمادة باشا نشرت في سلسلة تراث المسرح المصري الصادرة عن وزارة الثقافة –المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية 2006 بتحقيق ودراسة د. سيد علي اسماعيل.‏

تتحدث المسرحية عن اعتصام طلاب الأزهر وثورتهم من أجل إلغاء قانون عام 1908 الذي كان يهدف إلى تغيير بعض المناهج الدراسية وإضافة مناهج عصرية. وكان هذا التغيير يهدف إلى تطوير الأزهر علمياً في الظاهر وتقليل أهميته الدينية والتعليمية وإضعاف أثره الاجتماعي في الباطن لكنّ الطلاب رفضوا هذا المخطط، فاعتصموا ورفضوا تلقّي الدروس، وبالرغم من أن السلطة الممثلة بحمادة باشا الذي عرف بأنه جلاد الخديوي اتخذت إجراءات صارمة لإنهاء الاعتصام بقطع الرواتب عنهم و محاصرة الأزهر بالعساكر و القبض على بعضهم إلا أنهم استمروا بالاعتصام حتى رضخت السلطة لمطالبهم وألغي قانون الأزهر الجديد.‏

أورد الكاتب نماذج من الخطب التي ألقيت في ثورة الأزهر، وأنهى المسرحية باقتحام العساكر لحرم الجامع.‏

مفتش: يا سعادة الياشا قد هاج الأزهر كله وقام الطلبة بثورة عظيمة، واعتدوا على المفتشين حمادة باشا: اذهب يا دولار بيك إلى عفت بك وأخبره بإدخال فرقة من عساكره إلى هنا ( يمر طالب‏

أمام الباشا وهو يجري) أمسكوا هذا الطالب الذي يجري (يمسكونه) مدّوه لضربه .‏

دولار: "داخلاً" إني قد ذهبت إلى عفت بك وقلت له على لسان سعادتكم بإدخال فرقة من‏

عساكره إلى صحن الجامع فقال لي: إن هذا الفعل مخالف للقانون.‏

حمادة باشا : أف له .. اذهب حالاً واستدع تليفونياً على لساني قرعة من نظارة الداخلية.‏

مفتش: يا سعادة الباشا قد كسر الطلبة كراسي الجامع والأعمدة وهاج الجامع كله.‏

جمادة باشا : اضربوا اثنين أيضاً وأمسكوا كل من تقدرون على مسكه واطرحوه في الرواق العباسي.‏

مفتش: لم يبق مكان في الرواق فقد امتلأ كله.‏

حمادة باشا: إذاً اضربوهم بالعصا.‏

مفتش : إننا نهان يا سعادة الباشا إذا أقدمنا على هذا الفعل.‏

حمادة باشا: أف لكم من جبناء .. ها قد حضر دولار بك.‏

دولار: (ملهوفاً) قد صرحت نظارة الداخلية بإدخال عساكر عفت بك إلى صحن الجامع.‏

حمادة باشا : مرهم أن يقبضوا على كل طالب مهيِّج وأن يضربوا كل عاص.‏

(هنا تدخل ثلة من العساكر ويحصل هياج بين العسر والطلبة وتنزل الستار)‏

يقول المؤلف حسن مرعي في نهاية المسرحية مبيناً أنه استقى الأحداث والأقوال وسجلها من أفواه رواتها الأصليين : " انتهت الرواية عن حادثة الأزهر، وقد عمدت لتأليفها عن طريق الروائيين المصريين". كما أثبت الكاتب ، زيادة في التوثيق، في نهاية مسرحيته المنشورة بعض قصائد الشعراء التي قيلت في تلك المناسبة، وذلك بدلاً مما كان سائداً في تذييل الرواية بتقاريظ الشعراء. وللكاتب مسرحية سابقة ، يبدو أنها على النهج التسجيلي نفيه وهي " صيد الحمام أو حادثة دونشواي" وقد كتبها في يوليو-تموز عام 1906 أي بعد أقل من شهر على وقوع حادثة دونشواي ، وعزم على تقديمها على مسرح حديقة الأزبكية في أوغسطس- آب ولكن السلطات منعت عرضها فقام بطبعها وبيعها ، وقد حاول عام 1908 الحصول على تصريح بعرضها وقوبل طلبه بالرفض أيضاً.‏

إذا كانت مسرحية الأزهر وقضية حمادة باشا تنطبق عليها جملة من شروط المسرح التسجيلي، وتعطي صاحبها الأسبقية من الناحية التطبيقية فإنها لا تعطيه الريادة، فهذا المسرح كان لدى الألمان وعياً بالتجديد والتقنيات، وكان فلسفة في رؤية التاريخ والواقع، وكان تنظيراً وتطبيقاً، وهنا تكمن معاني الريادة، أما مسرحية حسن مرعي فكانت بدائية من حيث الحوار والتقنيات وتناول الموضوع.‏

تتبع سيد علي إسماعيل حياة الكاتب من خلال المقتطفات التي نشرتها الصحافة عنه في فترات متباعدة، حيث ولد الفنان حسن مرعي عام 1880 تقريباً ، وكان ممثلاً شاباً في تياترو ألف ليلة وليلة عام 1899 وفي مطلع القرن العشرين عمل في الصحافة فكان صاحب مجلة الصحائف. كتب مسرحيتيه عن الأزهر ودونشواي كما أشرنا، وفي عام 1909 وفي الذكرى الثالثة لمذبحة دونشواي وبعد أن أخفق في الحصول على رخصة بعرض مسرحيته دونشواي سنتين متواليتين عزم على تقديمها على مسرح النوفتيه بالتوفيقية من دون التصريح له من قبل الداخلية، فطبع التذاكر ووزعها على الناس، واكتشف مدير المسرح ذلك فأبلغ شرطة الموسكي وقبضوا عليه بتهمة النصب والاحتيال، ولكن المحكمة برأته. وفي عام 1911 أصدرت المحافظة منشوراً إلى الأقسام بمنع عدة مسرحيات ومنها دونشواي. وتنقطع أخبار حسن مرعي حتى عام 1915 حيث نجده نزيلاً في مستشفى المجاذيب، وقد هرب منه بعد أن تنكر في ثياب سيدة، ولجأ إلى فرقة أخوان عكاشة فخصصت له ليلة خيرية من إيراد مسرحيتها " جناية الملكة" وعينته في مهمة بيع التذاكر، وتنقل بين الفرق المسرحية فعمل ممثلاً لدى فرقة الريحاني، وإدارياً في مسرح برنتانيا ، ووكيل مسرح الماجستيك، وفي عام 1921 أسس فرقة الكوميدي المعاصر وقدم عدة مسرحيات في بورسعيد. وفي عام 1925 كتبت مجلة التياترو المصورة كلمة عنه وأشادت بكفاءته وحسن إدارته للمسرح، ثم تنقطع أخباره بعد هذا العام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244