جريدة الاسبوع الادبي العدد 1137 تاريخ 7/2/2009
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

"المنفردة".. معالجة منطقية لحالة بعيدة عن المنطق ـــ جوان جان

لا يخلو واقع العمل المسرحي في سورية من محاولات عديدة اتجهت صوب تكريس نفسها لا كتجارب متفرقة يكاد لا يربط بينها رابط بل كتجارب واعية لكونها أجزاء تشكل مشروعاً مسرحياً، غالباً ما يجمع بين أكثر من فنان مسرحي فيوحد رؤاهم وتطلعاتهم بغض النظر عن المدة التي يشغلها هذا المشروع ويستغرقها لإثبات وجوده وصواب توجهه .‏

ومن هذه التجارب-المشاريع تبدو تجربة الفنانين رامز الأسود ونوار بلبل التي كان آخرها مسرحية "المنفردة" إخراج رامز الأسود وتمثيل كلا الفنانَين .‏

للوهلة الأولى تبدو مسرحية "المنفردة" متوجهة لتقديم وجبة سياسية محضة، لكن مع مرور الوقت تكشف المسرحية عن توجهها الإنساني الذي آثرت أن يكون هو الوجه الأبرز لطروحاتها التي تنوس بين ما هو شفاف وشاعري حيناً وقاسٍ ومباشر حيناً آخر .‏

تتحدث المسرحية عن سجين سياسي يتعرض لأبشع أنواع العذاب على يد سجّانه بهدف إجباره على التوقيع على ورقة ما، وهي الورقة التي يأبى التوقيع عليها مهما كلفه الثمن من عذاب وآلام، في الوقت الذي تنشأ فيه بين السجين وسجّانه علاقة إنسانية تتجلى في قيام السجين بتعليم السجان بهدف مساعدته لنيل الشهادة الثانوية التي يريد السجان الحصول عليها من أجل ابنه المنتَظَر الذي لا يريده أن ينظر إليه في المستقبل نظرته إلى جاهل .‏

تقوم المسرحية على عدد من المفارقات والمتناقِضات التي تعطي انطباعاً ساخراً بقدر ما تساعد على فهم شخصيتَي المسرحية، فالسجين وجد نفسه فجأة متورطاً في مواقف سياسية لا علاقة له بها، إذ إن كل ما في الأمر أن زوجة السجين المنتمية إلى حزب يبدو أنه معارض لنظام الحكم (الذي لا يحدد العمل زمانه ولا مكانه) زجّت بزوجها في السجن بديلاً عن مسؤول كبير في حزبها ترى أن مركزه الهام في الحزب يستدعي التضحية بزوجها الذي لا ناقة له ولا جمل، وربما لا يعرف ما هي التهمة الموجهة إليه، لا بل تصر الزوجة على زوجها ألا يوقع على الورقة المطلوب منه التوقيع عليها ثمناً لخروجه قبل السنوات الخمس المحكوم بها وإلا فستطرده من المنزل وتحرمه من مشاهدة أولاده الذين يذوب حباً بهم، وفي هذه النقطة تحديداً تكمن المفارقة المرّة بالنسبة للزوج الذي يتخذ –ظاهراً- مواقف متصلبة وشجاعة دفاعاً عن مبادئ معينة في الوقت الذي يرمي فيه من وراء هذه المواقف إلى عدم حرمانه من أولاده بعد خروجه من السجن، وفي ضوء ذلك كان من الطبيعي ألا يخالج هذا السجين شعور المتعة والنشوة الذي يشعر به كل من يواجه حفنة من أنذال ومرتزقة جمعهم التهافت على أكبر قدر ممكن من المكاسب غير المشروعة في وقت محدود سرعان ما ستأتي نهايته المحتومة، وهذا الشعور يكسب حامله إحساساً لا يوصف بالعظمة ويجعله بنظر الجميع بطلاً يُسجَّل له أنه واجه الطغيان في يوم من الأيام ولم يقبل أن يقال إنه رضخ لزمرة آلفت بينها مصالحها ومشاريعها الشخصية وعلاقاتها الشاذة المعروفة، وفي الواقع فإن هذه الإمكانية غير متوفرة في شخصية سجين "المنفردة" وهذا يعود إلى عدم وجود أرضية فكرية أو عقائدية يستند إليها لاتخاذ مواقف كهذه أو الشعور بأحاسيس مشابهة، فهو حسبه أنه يرفض التوقيع كي لا يخسر أولاده وكي يتمكن من أن يقضي بقية حياته بأمان بعيداً عن كل ما قد يهدد دوره الاجتماعي كأب وزوج .‏

في المقابل يجسد السجّان شكلاً آخر فاقعاً من أشكال التناقض بين واجبه الوظيفي الذي يحتم عليه استعمال العنف تجاه سجينه من جهة، وواجبه الاجتماعي الإنساني تجاه ابنه المنتَظَر من جهة أخرى، فواجبه الأول يجبره على انتهاج سلوك غاية في العنف والقسوة تجاه سجينه، وواجبه الثاني يحوله إلى إنسان ضعيف وتلميذ لا يروم سوى كسب رضى معلمه-سجينه الذي يتحول –شكلاً- إلى سجان يذيق سجينه نفس ألوان العذاب كتلميذ غير نجيب لا يقوم بواجباته الدراسية على أكمل وجه، وهنا تعتمد المسرحية في أكثر من موقع على إبراز هذا التناقض عندما تضع أدوات التعذيب بيد السجين عندما يتحول إلى أستاذ لا يؤمن سوى بالعنف طريقاً لخلق تلميذ مجتهد ونبيه، والمفارقة الأوضح هنا هي قدرة الطرفين على الانتقال السريع ما بين الدورين اللذين يحدد الفاصل بينهما صوت جرس يوحي تارة ببدء جلسة التعذيب وتارة أخرى بانتهائها .‏

لا يبدو العمل عملياً منحازاً لأي من طرفي الحدث، فالسجان تتوفر عنده العوامل التي تستدعي التعاطف معه كحرمانه الطويل من الأطفال ومن ثم سعيه الحثيث كي يظهر بمظهر المتعلم أمام ابنه الذي لم يرَ النور بعد، وتبلغ ذروة التعاطف في نهاية المسرحية عندما تموت زوجته وهي تضع المولود الذي يلاقي بدوره المصير ذاته، ومن جهته تتوفر عند السجين عوامل الإدانة التي يأتي في مقدمتها رضوخه لزوجته التي يبدو أنها تتمتع بشخصية جبارة تجعله يقبل بأن تصادَر حريتُه لخمس سنوات مليئة بألوان شتى من التعذيب الجسدي والنفسي .‏

قدم الأسود وبلبل في هذا العمل نفسيهما كممثلين مسرحيين رفيعي المستوى أصبحا على درجة غير قليلة من القدرة على التعامل مع شخصيات معقدة ومركّبة وتقديم مختلف أنواع الأحاسيس والمشاعر المتناقضة التي تغني هذه الشخصيات، إذ قدم رامز الأسود شخصية السجان بتقلباتها وآمالها وإحباطاتها متنقلاً بها ما بين ذروة الأمل وقمة الألم، كما قدم نوار بلبل شخصية السجين وهي تمتص مختلف أنواع الآلام الجسدية والنفسية متنقلاً بها ما بين منتهى الضعف والاستسلام للأمر الواقع في جلسات التعذيب، ومنتهى القوة والسيطرة على الموقف لدرجة التحول من سجين إلى سجان ومن معذَّب إلى معذِّب في (الحصص الدراسية) التي يعطيها لسجانه .‏

"المنفردة" عرض مسرحي متقدم عما سواه من تجارب الأسود وبلبل وخاصة فيما يتعلق ببناء الشخصية ومعالجتها معالجة منطقية وإن بدت الحالة المقدَّمة بعيدة عن أي منطق .‏

يبقى أن نذكر أن هذه المسرحية هي من المسرحيات الأخيرة التي قدمتها تظاهرة دمشق عاصمة الثقافة العربية، هذه التظاهرة التي انتشلت الثقافة السورية من الهوة السحيقة التي هوت بها منذ ثلاث سنوات ولن تخرج منها إلا بتكريس الآلية التي أديرت بها هذه التظاهرة كصيغة مؤهلة لقيادة الثقافة السورية في المرحلة القادمة .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244