|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
بين الكتابة والحب ـــ عبد الباقي يوسف استهلال يأتي الحب كموسيقى الحلم من مكان مجهول توقظ الحواس وتملَؤُها بالحمض والسكر والملح وهي مواد تحيي حواساً كانت ميتة وتوقظ خلايا وجملاً عصبية كانت نائمة, وها هنا لا يقترن حضور الحب بحضور المرأة دائماً, أعني الحضور الفيزيائي, بل قد يقترن بغيابها أيضاً الغياب الفيزيائي. ثمة امرأة تعيش مع الرجل ويكون خالياً من المرأة أكثر من \غوغول\ نفسه, وثمة مَن يفتقد امرأة وتلبث في ضميره وتملأ كرياته برائحتها الزكية, رائحة الغياب المدهشة. لقد استطاع عمر بن أبي ربيعة أن يلاحق \هنداً\ وهي تتهرب منه وتصر على ابتعاد الجسد واقتراب الروح:
وتصده هاربة إلى خيمتها وهو يلاحقها: إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا لكي يحسبوا أن الهوا حيث تنظر والاسم الأشهر في تاريخ الغزل العربي \ جميل بثينة \ يبقى يلاحق بثينة وتبقى تتهرب منه و معظم قصائد هذا الرجل كتبها في غياب هذه المرأة التي تصر على غيابها:
إنه الحب الذي يهزه الغياب, الذي يتحول إلى حضور أكثر اشتعالاً من الحضور الجسدي وهذا الغياب السحري هو ذاته الذي يدفعه لأن يصورها بقوله وتصويره:
وفي هذا يحضر \ كثيّر \ ليكتب عن الحب بقوة بعد أن ذاقه:
وما يزيد الأمر دهشة أن زوج عزة يرغمها أن تذهب إليه وتشتمه وتوبخه, فتضطر مرغمة إلى ذلك, ولكن الحب لا يتحول إلى كراهية فيجيبها:
عفوية المشاعر عندما يحب أي رجل أي امرأة في العالم فإنه لا يجد حرجاً من تقديمها لأهله أو لأصدقائه, لأنه عند ذاك يشعر بأنه يقدم نفسه, وعندما يحب الكاتب امرأة فإنه يرغب في أن يقدمها للعالم برمته لأنه كذلك يشعر بأنه يقدم نفسه. فكثيراً ما نتعرف على آراغون من خلال تقديمه لإلزا، ونتعرف على سارتر من خلال تقديمه لسيمون دي بوفوار، وعلى كُثير وهو يقدم عزة. وهنا تكون متعة القراءة، لأنها تقترن بمتعة الاكتشاف بالنسبة للمتلقي. الكتابة عن الحب تقترن بالصدق والعفوية وتحمل خصوصية أكثر من الكتابة عن غيره، وبقوة الصدق والعفوية تنفجر طاقة الكتابة. يكتب رامبو عن قوة الحب التي تسكنه وتلهب حواسه فيصور مشاعره قائلاً للمرأة التي يحبها: /في الشتاء سنمضي بعربة وردية ذات وسائد زرقاء، يالسعادتنا.. سنخبئ في كل زاوية صغيرة عشاً من القبل المجنونة.. ستغمضين عينيك فلا ترين أي شيء.. وعبر الزجاج تتراقص ظلال المساء القاتمة تلك المسوخ الشكسة الدهماء من الشياطين السود والذئاب السود، ثم تشعرين شيئاً يدغدغ خدك.. قبلة صغيرة مثل عش عنكبوت طائش يجري على عنقك.. فتحنين رأسك وتقولين: أبحث عنه/. وتحول حب آراغون لإلزا إلى أنشودة ترددها القارة الأوربية ويغنيها كبار المطربين. والحقيقة فإن آراغون عندما قرأ قيس وليلى، لم يملك إلا أن يتأثر بروح العلاقة بينهما، أعني سحرية عذوبة الحب الشرقي وقوة النقاء التي يتمتع بها هذا الحب، ولعله أراد أن يعيش هذه التجربة، يعيشها بكل ما فيها من تلقائية وعطاء بلا حدود،وهنا يخاطب آراغون قيساً: " غن يا قيس.... غن ليلاك غن يا مجنون تلك التي لن تقول عنها أحداً غن ما لم تغنه الآن لن تغنيه أبداً" كان آراغون وهو يكتب قصائده العذبة لإلزا يقول لها: "المرأة هي مستقبل العالم.. وأنت مستقبلي.." ويقول:"إلزا التي شاركتني الحياة والمستقبل شاركتني الآلام والعذاب.. إلزا التي شاركتني كل ما في الحياة من نبضات.. كانت هي مستقبلي.. وكانت هي شعري.. وكانت هي حروف المعرفة والمستقبل في حياتي. ثم يقول: " ما من حب سعيد سواء أكان حبك أو حب الوطن". ويأتي بول إيلوار ليكتب قصائد غاية في العذوبة إن أشعاره تشبه تلك السيمفونيات التي خلدت في الذاكرة، والتي يعود إليها المرء بين حين وحين ليستمع إليها مجدداً وكأنه يستمع إليها لأول مرة على الرغم من أنها المرة الأكثر من ألف. ومما لاشك فيه أن /غالا/ كانت خلف الكثير من قصائد الحب العذبة التي كتبها بول إيلوار. يقول واصفا حبه العميق لـ غالا: كل ما قلت ياغالا.. كان لتسمعيه ثغري لم يستطع قط فراقك. وكان دوماً يردد بألم: لايوجد سوى إنسان واحد، غالا النسخة رقم /.../ مطبوعة خصيصاً للتي أحب غالا التي تخفي عني حياتي وتريني كل الحب. ولكن ما يهمنا وما بقي من ذاك الحب الكبير هو تلك القصائد الخالدة التي تحولت في غالبيتها إلى أعذب الأغنيات يشدو بها كبار المطربين والمطربات في العالم. في عام 1923 يكتب إيلوار في /عاصمة الألم/: إنها منتصبة في أجفاني، وشعرها في شعري لها شكل يدي، لها لون عيني، إنها تغرق في ظلي كحجر من السماء إنها دوماً مفتوحة العينين ولا تدعني أنام أحلامها في سطع النهار، تجعل الشموس تتبخر تجعلني أضحك، أبكي وأضحك، أتكلم وما عندي ما أقول. ويبدو أن غالا كانت كثيرة الفراق فكان يعتمد في أوقات غيابها على تصوير حالات الشوق ويجري معها حوارات فيأتي صديقه بيكاسو ليرسم صورته كما هي ويكتب إيلوار تحتها جملة: إلى غالا.. ساعات الفراغ الرهيبة التي يخلفها لي حبك. ثم يحادث طيفها /: إذا أرهقها سؤالي باحت لي بالحقيقة، الحقيقة التي كنت أعلّمها إياها الحقيقة المحزنة الحلوة، إن الحب يشبه الجوع والظمأ لكنه لايعرف الشبع أبداً. وقد استطاع ألبير كامو أن يقدم نظرة عن الحب وفقدان الحب في مسرحيته /صلاة على بتول/ ييجو: لا أريد أن أموت وأغلى شيء عندي في العالم يشيح بوجهه عني ويرفض أن يتبعني.. إنني أكره جمالك لأنه سوف يحيا بعد موتي.. ملعون هو لأن غيري سيتمتع به، ماذا يهمني حبك إن لم يتعفن معي. فكتوريا: إذا كان يجب أن تموت فإنني أحسد حتى الأرض التي سوف تقترن بجسمك. والحب يضفي السحر حتى على المكان الذي يسكنه من تحب ويضفي السحر على كل ما يفعل، ففي رواية مرتفعات وذرنغ تصف كاترين هذا الحب في أكثر المقاطع إشتعالاً: /أحب الأرض تحت قدميه، والهواء فوق رأسه، وكل شيء يلمسه، وكل كلمة يقولها.. أحب كل نظراته وكل أفعاله، أحبه بكل ما فيه، أحبه بمجمله/. وهو شكل من أشكال الحي يذكرنا ببيت لعنترة وهو في ساحة القتال عندما يتذكر عبلاه:
وفي شعر موجه من المرأة إلى الرجل تقول الشاعرة الرومانية كارولينا إيليكا: يحمل الرمل الحامي، كنوم النساء أثر كعبك على مقربة من البحر البنفسجي على مقربة من السماء البنفسجية، حيث روحي تستحم كثيراً مالذي يكشفه لي ما بعد الظهر هذا إنك أنت العريس النائم في فراشي العذري الذي هربتُ منه. وتقول: كيف أترك نفسي على يديك.. أنت الأكثر أنوثة مني تعد بالكثير، ولا تعطي شيئاً.. تهزني في المنام.. تقبلني على كل بقعة من جسمي، وتجعلني أحلم عندما تقولُ لي مندهشة: كم يتناسق جسمك الأبيض على شعرك الأصفر بين ذراعي الأشد سواداً من السواد. |