|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في جماليات الترجمة الأدبية رداً على مقال الأستاذ سهيل أبو الفخر (ع 1130) ـــ د.ماجدة حمود أنتمي إلى جيل أغرم بالرواية عن طريقة الترجمة!ويقرّ بفضلها، فقد أطلعته على الروائع العالمية، وعيّشته متعة عوالم مدهشة، لهذا أعترف بأنني مدينة لكثير من الجهود التي بذلها مترجمون مبدعون! خاصة أن بعض الترجمات أصبحت، باعتقادي، خالدة كخلود النص في لغته الأصلية (ترجمات سامي الدروبي مثلا) خاصة حين تصبح الترجمة مشروع حياة! هذا ما نلاحظه اليوم لدى مترجم أمريكا اللاتينية (صالح علماني) من المعروف أن الترجمة الأدبية عمل شاق، تحتاج إلى شخصية معطاءة، أبعد ما تكون عن الأنانية، فهي تحب نشر الجمال الذي استمتعت به! لكن هذا العمل النبيل حساس وأكثر ما يؤذيه التسرع! فهو يحتاج إلى مقدرة لغوية استثنائية (لغة النص الأجنبي ولغة المترجم) وحين نتأمل ما يناله المترجم مقابل جهده من مال أو تقدير ونقارنه بما كان يناله المترجم في العصر العباسي (وزن الكتاب الذي يترجمه ذهباً) سنحس كم هو مغبون الحقوق!!!! ثمة طريقان أمام من يختار حرفة الترجمة الأدبية: إما السير في طريق الوجبة السريعة التي تحول العمل الأدبي إلى سلعة استهلاكية تنتزع منها الجمال والروح، وإما طريق التأني في نقل ما يحتويه النص الأدبي من دلالات غنية، وصور جمالية، من المؤكد أن المترجم سيعاني، ويضيع الوقت الكثير بحثا عن لغة تصور ما يحتويه النص من كنوز! لكن جهده لن يضيع سدى، سينال جزاءه في تلك المتعة التي يحسها المترجم، حين يعايش بعض التفاصيل الدقيقة والصور المدهشة التي يحاول نقلها إلى لغته، فيستمتع حين يلتقط مفردة، أو يحبك جملة، أو يتخيل صورة تجسد ما أراده الكاتب، أو تقترب من مخيلته، لتقدم بعض أدواته الفنية، ومثل هذه المعايشة لجماليات الفن تجعل من الترجمة أقرب إلى تجربة الإبداع، فهو ينقل ما أحسه في لغة أجنبية إلى لغته الأم! من هنا تأتي متعة المترجم أثناء الكتابة! صحيح أنه أحيانا لن يستطيع التقاط بعض الدلالات،خاصة تلك التي تتعلق بالخيال والحلم والانفعال والإيقاع، فيخون أثناء الترجمة جزءاً من جماليات النص الأدبي، لكن قد يخفف وطأة هذه الخيانة الإخلاص والثقافة والمران والحساسية اللغوية. أعتقد أن المترجم حين يتحلى بهذه الصفات سيكافأ عليها مرتين، الأولى المتعة التي يعيشها في صحبة إبداع يجسده بابتكار لغة تحاول التوفيق بين لغتين وربما عالمين! والثانية السمعة التي تدفع المتلقي إلى الإقبال على كل ما يترجمه!! انطلاقا من هذا الهدف كان نقدي لترجمة رواية فيليب كلوديل "حفيدة السيد لنه" وانطلاقا منه سأرد على مقال الأستاذ سهيل أبو الفخر، فأنا يهمني الحوار حول أزمة عامة نعاني منها اليوم. نقد الترجمة: تحتاج ترجمة الرواية إلى لغة حيوية يومية، ومن أجل تقديمها نجد المترجم (أبو الفخر) يستخدم أحيانا المتداول في المحكية من كلمات معربة (بيجاما، سيكارة) قد يستثقلها المتلقي فيما لو جاءت فصيحة (منامة، لفافة تبغ) لكن اللغة الحيوية تعني أيضا الابتعاد عن آلية الترجمة، فلا نجد (ابتسامات حليبيةص95) عوضا عن طفولية! أما اللون الأحمر البهي (un rose tres tendre) فيترجم (ص69) بـ لون وردي حنون!! أحيانا نجده المترجم حريصا على المتداول إلى درجة يسيء إلى المعنى (فنجده يترجم الخراب والصمت saccage et silenceبالهرج والمرج) يلاحظ أن الاعتماد على لغة قاموسية جامدة يسيء أيضا إلى حيوية اللغة الروائية (le porche الصيوان ص90) ويقصد المدخل المغطى، قد نتداول هذه المفردة في سياق آخر هو (صيوان الأذن) . وحين يكون للكلمة جمعان (آساد وأسود) فالأفضل أن يختار المترجم الأكثر شيوعا بين الناس، لا (آساد) كما فعل (ص115) وقد يجمع المترجم كلمة مفردة في الرواية (la declivite ) بميول (يسيل الدم حسب ميول الشارع ص122) فتبدو هذه الكلمة غريبة قلقة في سياقها هنا، يمكنه استخدام (انحدار الشارع) أعتقد من الأنسب للمترجم أن يختصر في المفردات فالبلاغة في الإيجاز، خاصة حين لا تؤدي الزيادة أية وظيفة، (أيقن أن تولاي لم يعد يأتي ص117) باستطاعته أن يستخدم (لن يأتي) التي تفيد نفي المستقبل، وتخلص الجملة من ضعفها! وبما أن جمال أية ترجمة أدبية في تقديم عوالم فنية وتخييلية أبدعها المؤلف، مثلما أبدع الأحداث والشخصيات، وإن أي إهمال لهذه الصور أو عدم الانتباه لغنى دلالة المفردة هو إهمال لركن أساسي يحفّز المتلقي، ويشده لمتابعة الترجمة الأدبية، وقد أشرت إلى إهمال بعض الصور في مقالي السابق، وهنا أضيف إهمال ترجمة الصفة التي تغني دلالة الصورة وتعطيها أبعاداً جمالية! (ص95) يعانق زرقة البحر (المرتعشة) ص119 ابتسامة تضيء وجهه (الشاحب) وأحيانا قد يترجم الصفة بكلمة غير دقيقة (cette main fluide) ينظر إلى هذه اليد السائلة (ص122) أعتقد أن صفة (الدفاقة) أكثر جمالا ودقة في الدلالة! وقد يختار ترجمة إحدى المفردات بطريقة محايدة (مأوى) مع أنه ثمة كلمة أكثر دلالة (مكان مميت (ce mouroir حيث يعاني العجوز في هذا المكان الموت، ويجرب الهرب منه مرتين! إن أحوج ما يحتاجه المترجم الأدبي هو الحساسية اللغوية والجمالية، تعطي العمل الأدبي حقه، مما ينعكس إيجابيا على تلقي الترجمة! جماليات رواية فيليب كلوديل "حفيدة السيد لنه": أشكر المترجم (الأستاذ أبو الفخر) على اتهامه لي بعدم فهم الرواية، فقد أتاح لي فرصة العودة إلى الرواية ثانية والتأمل في جمالياتها! التي جعلتني أقرأ الرواية بطريقة تختلف عن قراءة المترجم، دون أن أصادر حق المترجم في قراءة مخالفة! فالنص الأدبي الجيد نص مفتوح على عدة قراءات! فأنا أرى أن حفيدة السيد لنه في الرواية طفلة حقيقية لا دمية، كما يراها المترجم، وسأستند في رؤيتي هذه إلى جماليات الرواية نفسها (العنوان، الإهداء، الافتتاحية، لغة الراوي، الشخصية، الخاتمة) العنوان: "حفيدة السيد لنه" نلاحظ أهمية الحفيدة في حياة جدها منذ الرسالة الأولى للمؤلف، أي العنوان، وسيختم بالجملة نفسها روايته! فهو يعيش من أجلها، ويموت من أجل إيصالها ليد أمينة (صديقه) ترعاها. الإهداء: (إلى كل السادة المدعوين بـ"لنه" وإلى حفيداتهم) إن الإهداء جزء أساسي من جماليات النص، لا أدري لماذا أهمله المترجم، ففيه نلمس صوت المؤلف صريحا، يعلن أهمية الحفيدة في حياة السيد لنه، ونلمس رغبته في تعميم تجربته الفريدة في مواصلة الحياة من أجلها رغم مأساة الحرب والدمار. الافتتاحية: ثمة رجل عجوز يقف في آخر السفينة محتضناً حقيبته وطفلة حديثة الولادة... سنعرف فيما بعد أنه اختزل في هذه الحقيبة أجمل ما في حياته الماضية (صورة زوجته، قبضة من تراب وطنه) لكنه كان يحتضن حياته الحاضرة والمستقبلية (طفلة حديثة الولادة) عمرها أيام! هي كل ثروته التي نقلها معه بعد أن أخذت الحرب منه كل شيء!لهذا نجد الرضيعة في هذه الافتتاحية حين يدندن لها بأغنية "تفتح عينيها، وكذلك فمها، وكان ينظر إليها فيرى أكثر من وجه طفلة" إنها وجه آخر لطبيعة بلاده الجميلة! ولقريته التي ابتعد عنها. لغة الراوي تابعت لغة الراوي الذي يجسد أحد الأصوات الهامة في الرواية، فلم أجده يطلق وصف اللعبة على الحفيدة، إلا في الخاتمة، أي بعد أن أصيب السيد لنه بصدمة في رأسه، وبدأت تختلط عليه الأمور، واستيقظ في داخله كل الرعب الذي عاشه، خاصة حين رأى شظايا قنبلة تخطئ حفيدته وتصيب لعبتها، فقد أوضح الراوي منذ البداية أن الحفيدة بقيت سليمة وأن انفجارا أصاب لعبتها، وقطع رأسهاIl y avait...plus loin la petite, les yeux grands ouverts, emmaillotee, indemne..sa poupee...a laquelle un eclat de la bombe avait arrache la tete. وجدنا الأوصاف التي يسبغها الراوي على طفلة لا لعبة، فمثلا يصف مشاعرها حين تتقاذفها أيدي الأطفال بـ(المرعوبة) وحين يصطحبها السيد لين مع صديقه إلى البحر "فتحت عينيها على عرض البحر" (ص62) وحين يطعمها ينفخ على الطعام كي لا يحرق شفاهها الطرية" أما نومها فهو نوم رضيع شبعان سعيد، وحين هرب بها جدها ثانية فتحت عينيها وكأنها تسأله، وأثناء الهرب "أصبحت الصغيرة ملتصقة بجدها" (ص106) كما يصف لنا بعض التفاصيل التي تتعلق بمعاملة الآخرين لها على أنها طفلة لا لعبة، كالطبيب، الذي فحصها، فقد كانت حركاته هادئة لم تخف الطفلة، فحص عينيها وأذنيها، وسمع نبضها، وجس بطنها" وقد وجد (بارك) في بداية تعرفه بالسيد (لنه) يصفها باللعبة، لكنه يسأل عن اسمها في الوقت نفسه، مما يدل على أنه يشبهها لشدة جمالها باللعبة، وهذا ما نستخدمه في لغتنا العربية أيضا! الشخصية: رأى المترجم أن السيد لنه مختل العقل، مع أنه في الرواية خضع للفحص الطبي مع حفيدته، ووضع في ملجأ عادي لكبار السن، كما لم يبدُ في تصرفاته ما يشير إلى ذلك، فقد كان معتزا بنفسه، يشعر أنه "أغنى" من اللاجئين أمثاله لكونه يحمل حفيدته "التي من نسل نسله". كما استطاع أن يقيم علاقة استثنائية مع صديق لا يعرف لغته، بل سعى إلى تقوية أواصر هذه العلاقة (تقديم هدية، السعي إلى تعلم جملة "نهارك سعيد" في لغة صديقه كي يعزّز التواصل معه ) وكذلك كان حريصا على حفيدته ليس فقط بتأمين الغذاء والكساء لها، بل بالتفكير بمستقبلها، لهذا حين وجد أن ملجأ كبار السن الذي يعيش فيه غير مناسب لمستقبلها، قرر الهرب واللحاق بصديقه بأي ثمن، وحين فشل في الهرب، لم ييأس، بل غيّر طريقة الهرب ولجأ إلى خداع الموظفين! كل من حوله نظر إلى حفيدته على أنها طفلة حقيقية، فالملجأ قدّم له الملابس المناسبة لها، ووجدنا جارته في الملجأ تعرض عليه المساعدة في تنظيفها قائلة "أنت لا تعرف شيئا يا عم! دعنا نقوم نحن بذلك، لن نكسرها!" (ص11) هنا استخدمت الجارة لغة المجاز السخرية من شدة حرصه على حفيدته! وقد ساعدني السياق على هذا التفسير، إذ لا يمكن أن تعرض الجارة المساعدة لو كانت لعبة، في حين رفض المترجم أبو الفخر هذه القراءة! أما المترجمة التي تترجم للسيد لنه فتقول له: "ستسوء صحة الطفلة، إن لم تصطحبها للنـزهة! انظر يا عم لقد أصبحت شاحبة جدا" في حين وجدنا صديقه (بارك) يقدم لها هدية (ثوبا) يجعلها تبدو كأميرة! إنه ليس مختلا في عقله، بل كان لا يجد بين جيرانه من يفهمه، لهذا اعتزلهم، وواظب على رؤية صديقه (بارك) وقد رأينا الراوي يصف صمته بـ(الرزين) ص17 الخاتمة: نعايش في الخاتمة مشهدا مؤثرا فالعجوز إثر الصدمة على جمجمته يمسك بإحدى يديه حفيدته وبالأخرى يد صديقه، كما لو أنه يوصيه بها! وفي المشهد الأخير سيستعيد السيد لنه ذكرى عثوره على حفيدته قرب لعبتها المقطوعة الرأس، وسيخلط بينها وبين الدمية، التي نالت المصير الذي كان ينتظر حفيدته! ومثل هذا الخلط مبرر، خاصة أن إصابته كانت في الرأس! لكن الوصف الأخير للحفيدة يعزّز فيه الراوي الرغبة في التواصل الإنساني بين الشرق والغرب، فهي ابنة الفجر والشرق Une fille de l,aube et de l,orient"" خاصة أن الراوي يصف الأطفال في متن الرواية (ص95) "هؤلاء الأطفال هم الفجر القادم" الذين يصنعون مستقبلا أفضل، من هنا نرجح أن الخاتمة تؤكد على تواصل الشرق مع الغرب عبر حفيدة السيد لنه، وستكون استمرارا لتلك العلاقة الإنسانية الفريدة التي تصغي لصوت القلب والروح، فلا تحتاج للغة التواصل العادي! لبناء على ذلك هل يحق لأحد أن يقول: إن الناقد يقوّل النص ما لم يقله، خاصة إذا كان النقد مبنيا على أسس فنية ومنطقية موجودة داخل النص نفسه! أخيراً إن مأربي الوحيد ألا تشيع الترجمة الرديئة التي تنفر المتلقي من متابعة الرواية، وأن أسهم ببعض الأفكار التي تغني عملية الترجمة! في زمن تراجعت فيه القراءة إلى حدود دنيا!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |