|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
تطوّر القصّة العربيّة الحديثة ـــ د.عبد الله أبو هيف يرى كثير من الباحثين والنقاد والمبدعين أن القصة من الفنون المستحدثة على تجربة الأدب العربي، وإذا اعترفوا بقصة عربية فهي تقليد مباشر للغرب، ومثل هذا الرأي شائع ومتواتر إلى وقت قريب، بل إن بعض المستشرقين، أمثال رينان(1)، نظروا لهذا الرأي تنظيراً يستند في أساسه إلى عنصرية واضحة أو كامنة في معطيات علم الأناسة أو علم الاستعمار، بينما يستند غالبية الباحثين والنقاد المبدعين إلى تأثيم واضح للذات أو جلدها بفعل هيمنة التخلف والتطور غير المنتظم وقد وصل الأمر ببعض رواد الأدب العربي الحديث إلى استبعاد القصة من حظيرة الأدب، ومنهم رواد في فن القصة مثل توفيق الحكيم، فرأى أحمد حسن الزيات (1927) على سبيل المثال، أن مجلة "الرسالة" "تنقل خطاها الوئيدة السديدة المتزنة على ما رسمته لها كرامة الجنس وطبيعة البيئة وحاجة الثقافة" ثم "أبى كل الإباء أن يتسع فيها مجال القصص". أما توفيق الحكيم (1948) فيفرق بين الأدب والقصة، والأدب يعني بالمناطق العليا في الإنسان، والقصة بالمناطق الأخرى(2). لقد مال غالبية الباحثين والنقاد في مطلع السبعينات إلى إيثار النظرة التقليدية السائدة وهي أن القصة العربية الحديثة تقليد للغرب وهذا إغفال لمسار تطور القصة العربية الحديثة لا يمحص تفاصيل هذا التطور ولا يقف متأنياً عند المنعطفات الكبرى التي كونت هذا الفن الذي أضحى ثراً بأشكاله، وعلامة على أصالة ثقافية وأدبية واءمت بين المؤثرات الأجنبية وحداثة انبثقت من تراث غامر بالدرجة الأولى تمكنا من الفن وتجويداً للصوت الخاص، بمعنى أعمال الشغل الإبداعي المستمر في تكوين الهوية، وغالباً ما فهمت على أنها المحلية أو الخصوصية القومية، ولا نريد أن نشير هنا إلى آراء رواد نهضويين مثل العقاد وطه حسين، ولا إلى إعلام بارزين مثل لويس عوض، ولهم آراء واضحة بينة في ارتهان القصة العربية الحديثة للغرب، لأن نقد القصة أو بحثها أو إبداعها كان عارضاً عندهم أو ثانوياً، ونقف عند بعض الذين خصوا هذا الفن بعنايتهم، كلياً أو جزئياً، وسنجد أن موقفهم تطور قليلاً من مرحلة لأخرى، ولكنهم ظلوا عند هذا الموقف في أن انطلاقة القصة العربية من الغرب أولاً وأخيراً، وإن أشاروا إلى مصادر عربية قديمة للقصة. والسبب دائماً هو مقايستهم لفن القصة كما عرفه العرب في مرحلته الناجزة، أي أنه استسلام مطلق لنظرة تقليدية كرستها الأبحاث المدرسية تحت وطأة تأثير هؤلاء الرواد ومن تلاهم حين عدوا "زينب" أول قصة وكفى، وحين عدوا الأخوين تيمور، الأول محمد نقطة التحول إلى القصة الحديثة والثاني محمود أب القصة العربية دون منازع وكفى، وحين فهموا تطور القصة العربية الحديثة انطلاقاً من ذلك وكفى، وحين نظروا بعد ذلك لهذا الفن وفق هذا الفهم وكفى، يقول يحيى حقي في وقت متأخر، تعزيزاً لآرائه القديمة في كتبه ومقالاته: "كان علينا في فن القصة أن نفك مخالب شيخ عنيد شحيح، حريص على ما له أشد الحرص تشتد قبضته على أسلوب المقامات، أسلوب الوعظ والإرشاد والخطابة، أسلوب الزخاريف والبهرجة اللفظية والمترادفات، أسلوب المقدمات الطويلة والخواتيم الرامية إلى مصمصة من الشفاه أسلوب الواوات والفاءات والثمات والمعذلكات والرغمذلكات واللاجرمات والبيدأنات واللاسيمات أسلوب الحدوتة التي لا يقصد بها إلا التسلية. كنا نريد أن ننتزع من قبضة هذا الشيخ أسلوباً يصلح للقصة الحديثة كما وردت لنا من أوربا، شرقها وغربها (ولا أتحول عن اعتقادي بأن كل تطور أدبي هو في المقام الأول تطور أسلوب)(3) إن يحيى حقي من المثقفين العظام في تاريخ الأدب العربي الحديث ولكنه شأن كثيرين مثله لا يرون كثير فائدة في الاستمرار بالتقاليد الأدبية العربية وإلا كيف لنا أن نطمئن إلى كتابته الساخرة من التراث القصصي ولغته (أسلوب الواوات والفاءات والثمات... إالخ)، هل علينا أن نشطب الواو والفاء وثم ومع ذلك ورغم ذلك ولا جرم وبيد أن ولا سيما، وهي جسور لفظية ومعنوية لعلاقات النص وتنظيم سرده ونسق تنضيده. ويلخص محمود تيمور مولد القصة في مصر، على طريقته الاختزالية في رواية تاريخ الأدب مشفوعاً بنظرته الشخصية، لم يكن للقصة في مطلع هذا القرن شأن يذكر، إذ كانت ندرتها لا تلقى من الحفاوة ما هي أهل له... فما كان للقصة من مدلول في الأذهان إلا أنها: أحدوثة أو طرفة أو سمر!.. وحسبك دليلاً على مبلغ تقدير العصر الماضي للقصة أن إحدى المجلات الرفيعة في ذلك العهد كانت تفرد لبعض القصص المترجمة باباً، عنوانه بالخط العريض: "فكاهات". وبعد قليل تجمعت جمهرة من الأدباء والمفكرين، كانوا يقدرون القصة قدرها الفني، ويعرفون لها مكانتها في الأدب الغربي، ويتحسرون على أن الأدب العربي خلو من ذلك الفن القصصي"(4) ويوضح رأيه أكثر قاطعاً أن لا أهمية للتراث القصصي العربي: "لم يعد بيننا خلاف على أن الأدب العربي في أعصاره الخالية ـ لم يسهم في القصة إلا بالنزر اليسير الذي لا يسمن ولا يغني، فالقصة الفنية إذن دخيلة عليه ناشئته فيه، ولا أنساب لها في الشرق، ولا استمداد لها من أدب العرب"(5). ويستغرب المرء مثل هذا الأحكام القاطعة التي لا تسمن ولا تغني، ما دام كاتبوها يبذلون فيها في المقالة نفسها، وكأنهم يأنفون أن يعودوا إلى ذاكرتهم الثقافية وملامح الشخصية الأدبية العربية، أو هم يعزلون الأدب عن هويته: "أكاد أزعم أن الأمة العربية لا ينافسها غيرها فيما صاغت من قوالب للتعبير عن القص والأشعار به، فنحن الذين قلنا عن غابر الدهر: "قال الراوي" و "يحكى أن.." و"زعموا أن..." و "كان ما كان..." إلى آخر تلك الفواتح التي يمهد بها القصاص العربي في مختلف العصور لما يسرد من أقاصيص. فإذا كانت قلوبنا وأذواقنا قد أشربت حب القصة الغربية واصطناع مناهجها فلأن الأمة العربية أمة قصصية بالطبع، هواها للقصة منجذب، وروحها إلى الرواية تهفو..."(6). فكيف إذن لا يكون للقصة انساب في الشرق ولا استمداد لها إلا من أدب الغرب. من اللافت للنظر أن غالبية الرواد رأوا تعارضاً بين الهوية والحداثة، بينما هما يتكاملان كما أظهرت مسيرة الأدب العربي الحديث، ولا سيما القصة العربية الحديثة وكانت الحداثة برأيهم هي الانتساب لحضارة الغرب بأجناسه الأدبية ومناهجه ومصطلحاته... إلخ وأن أي حديث عن الهوية يتعارض مع الحداثة وأن الحداثة فعل ثقافي نأخذه من الغرب وتستكمل هذه النظرة (النزوع إلى المثاقفة) وهو تيار سائد في الثقافة العربية منذ مطلع عصر النهضة وكان سمي عند بعض الباحثين والنقاد من قبل (النزوع إلى العالمية) كمحنى حماسي تعويضي وكمنحى رومانسي بتعبير ناجي نجيب رغبة في ملامسة الواقع في الانفعال بالحياة والمجتمع وفي التعبير والتواصل والتفاعل والتجربة وفي الحاجة إلى توكيد الذات وإبراز الشخصية الذاتية وهذا يعني أن المثقف العربي أراد أن يعوّض عن تراثه وعلى نحو رومانسي بنزوع حداثي هو تقليد الغرب بدلاً من التقاليد القومية معتقداً أن الأصالة تعني الانقطاع عن التقاليد والارتهان للغرب وبعث دور للمثقف نابع من وعي الآخر المتقدم وهو الغرب أساساً وعلى الرغم من أن تسمية هذا الجيل بجيل "الحنين الحضاري" فإن غالبية المثقفين المنضوين تحت هذا اللواء تخلوا عن تواصلهم مع حضارتهم يائسين أو راغبين متجاهلين أن وعي الذات هو السبيل إلى وعي الآخر المتقدم فالأصالة تفيد تمثل روح العصر لاشتمالها على عناصر الديمومة والاستمرار في التقاليد الثقافية الباقية، لقد بدت المعادلة غير منصفة فالحداثة لا تتعارض مع الهوية بل إن حداثة بلا هوية لهي مجلوبة دخيلة وعرضية فالحوار مع الآخر يستند إلى أرضية صلبة هي جهد الأصالة الذي يبنيه المثقف مع تقاليده القومية وأذكر الآن مثالاً وحيداً لأزمة هذا الجيل النهوضي مع ذاته المهدورة في تعويض خاسر سلفاً هو الحنين إلى حضارة الغرب بعيداً عن أرض الحضارة الذات ويتساءل المرء لماذا أقام هؤلاء المثقفون مثل هذا الانقطاع الحضاري المزعوم في وعيهم لهويتهم ووعيهم لدورهم الثقافي انطلاقاً من ذلك في البحث عن هوية القصة العربية على سبيل المثال، وينظر إليها أصحاب هذا التيار على أنها فن مستحدث مجتلب من الغرب يرون أن الأدب العربي خلو من القصة وفي الوقت نفسه يعترفون بوجود القصة فيه، لا شك أنها الحيرة المؤرقة الضاغطة على وجدان هذا الجيل من المثقفين وما نزال نسمع أصداء صوته في الأجيال اللاحقة التي تشير إلى تعارض بين الهوية والحداثة. وإلى يومنا هذا، ما يزال هناك نفر من المثقفين من لا يعترف بأهمية تقاليده القومية الأدبية، ويرفض أن يراها سبيلاً لهوية وسبيلاً لحداثة، ويسربل أصحاب هذا التيار تطلعهم في النظرة الغربوية للإنجاز الحضاري العربي، ومن المفيد أن يكون هناك نقد واسع للنزوع إلى العالمية بوحي الأصالة الثقافية، فنقد الذات أول الطريق إلى وعيها، لقد أراد محمود تيمور القصة الغربية في إنجازها الحديث بالذات، فالقصة الغربية مرت بأطوار وتطورت عن أجناس قصصية أدنى وأكثر بدائية أيضاً شأن بقية الشعوب ونحن نريد أن نمحص هذا التطور في القصة العربية الحديثة. في منتصف الخمسينات، على أثر النهوض الكبير لفن القصة، حتى عدها الكثيرون سيدة الفنون النثرية آنذاك، كانت الآراء، المستسلمة للنظرة التقليدية الغربوية هي السائدة، قال محمود أمين العالم: "ليس من الدقة أن نسعى إلى تلمس مصادر القصة العربية في تاريخ الأدب العربي القديم وفي القرآن والأساطير الشعبية والحكايات والمقامات وكتب الأخبار، فالقصة بمعناها العام تعبير وثيق الصلة بحياة الإنسان منذ نشأته ولا تخلو منها حياة شعب من الشعوب، مدونة كانت أو شفهية، وعندما نتكلم عن نشأة القصة القصيرة فإنما نقصد شكلاً معيناً من التعبير له قيم فنية غير قيم الحكاية بمعناها العام، ولم يكن لهذا الشكل المعين وجود قبل نشأة القوميات الحديثة، وتحرر عبيد الأرض من سلطان الإقطاع المطلق، وثورة الطبقة الوسطى، وانتشار الطباعة انتشاراً كاملاً وظهور الصحافة، بل لعل الصحافة من العوامل الرئيسة في نشأة القصة القصيرة، ويؤرخ بها نشأة القصة العربية بالذات"(7). إن العالم، على الرغم من اعترافه بأن فن القصة قومي في أساسه إذ يرافق حياة الإنسان منذ نشأته ولا تخلو منه حياة شعب من الشعوب، مدونة كانت أم شفهية فإنه لا يفارق الفهم الغربوي للقصة، فإذا لم تكن القصة غربية، فهي ليست قصة وعلى الرغم من اعترافه بالتطور في الفنون، فإنه يرهن التطور إلى المؤثرات الأجنبية فحسب إلا أن تمحيص تطور القصة العربية الحديثة لا يوافي ذلك كله، فثمة نظرة جديدة إلى تطور القصة العربية الحديثة تفضي إلى غير هذا الرأي، لأسباب تتعلق بطبيعة تجربة الأدب القومية، وطبيعة تطور الفنون نفسها، إذ طرحت قضية التبادل الثقافي بين الأمم والشعوب حقيقة ذلك التواصل الحي المستمر بين التراث العربي وتراث الإنسانية. ونشير في هذا المجال إلى الليالي العربية التي تعد قصاً عربياً منقولاً وترجع حكاياتها إلى أكثر من أصل واحد منها العربي، إلا أن المؤكد أن صياغتها المتداولة عربية، وثمة القسم الأكبر من حكاياتها عربي الأصل، وجوها عربي صميم.... الخ. ولا شك في هذا المجال أن ألف ليلة وليلة قد ساهمت في تطور فن القصة الغربي نفسه، وهكذا يبدو مستغرباً أن يفيد القاص العربي من موروثه عند بعض النقاد والباحثين والمستشرقين مؤكدين انقطاع القصة العربية عن تراثها، بينما أثبتت تجربة القصة الحديثة أنها بنت القرن التاسع عشر(8). لأن هذا القرن شهد نهضة القصة الغربية، وكان القاص العربي الحديث مدركاً لهذه الظاهرة، وسنلاحظ في تمحيصنا لتطور القصة العربية الحديثة أنه لم يرهن تجربته كلها إلى فكرة القصة في إنجازها الغربي إلى يومنا هذا، فثمة اتجاهات وتيارات وأشكال تدين تماماً إلى تراثها أو تنطلق منه في تحديث قالبها ومعالجة موضوعاتها. ويتبع قضية التبادل الثقافي أهمية مسألة طبيعة التطور الأدبي، فالتقاليد الأدبية في أي تجربة قومية أو عالمية لا تعني سيرورة التواصل المهيمن على جنس أدبي راسخ كالشعر، أو تطور جنس أدبي من آخر كالسيرة والرواية على سبيل المثال. إذ يشير التطور الأدبي العربي إلى حلقية واضحة في تواصل تقاليده، فلا يتخلى الأديب العربي عن تقاليده حتى يستكمل دورتها في ممارسة تفتح حلقة جديدة متصلة بالحلقة السابقة، ولعله من العبث في هذا المجال أن نجد قصة أو رواية عربية تتصف بالأصالة هي تقليد لكاتب غربي بعينه، ومن المعروف أن التقاليد الأدبية تؤخذ دائماً من شواهده الأصيلة، ويلي هاتين القضيتين قضية ثالثة تتعلق بفن القصة نفسه، إذ هو أكثر الفنون التصاقاً بالتقاليد القومية، بحكم استناده إلى التاريخ وحضور المتلقي وتطوره المستمر عن أعراف أدبية في غنى التراث الشفاهي وطبيعة تشكل الحكاية مما يدخل في تشكيل القصة الحديثة من أوسع الأبواب. وتفيد النظرة الجديدة لتطور القصة العربية الحديثة أن هذه القصة استمرار للتقاليد الأدبية العربية في القص، وأن المكونات التراثية هي الأساس في تطورها، أما المؤثرات الأجنبية، مباشرة أو ترجمة أو اقتباساً، فتتضافر مع مؤثرات عصرية أخرى لتؤلف دلالات التجديد في حداثة القصة العربية اليوم. لقد تطورت القصة العربية الحديثة عن تراثها فحافظت على تقاليدها الأدبية والفنية متفاعلة مع المؤثرات الأجنبية والعصرية الأخرى، ونوزع مراحل التطور إلى ثلاث مراحل: 1ـ مرحلة النشوء والتخلق (1870ـ 1920). 2ـ مرحلة التأسيس لقصة عربية حديثة (1920ـ 1945). 3ـ مرحلة تشكل القصة العربية الحديثة (1940ـ حتى اليوم). وسيتضح من خلال عرض هذه المراحل أسباب اختياري لهذا التقسيم الزمني. 1ـ المرحلة الأولى (مرحلة النشوء والتخلق): تتميز هذه المرحلة باختيارات تبدو قاطعة للوهلة الأولى: تقليد التراث أو تقليد الغرب، ولكن الاستعراض التاريخي والنقدي يشي بفوران المعاناة الأدبية في ممارسة القصة، فثمة تدرجات في تقليد التراث وأخرى في تقليد الغرب، وثمة تدرجات لدى أصحاب الاتجاه نفسه، وكان الهدف دائماً هو كتابة قصة عربية تفي بوظائفها، بل إن وظائف القصة هي الأساس في كتابتها إلى وقت قريب. فالقصدية طبعت نتاج قرن من الزمن بصراحتها المؤذية غالباً، إذ حولت القصة إلى منبر للوعظ والإرشاد بالدرجة الأولى، مما أثر على تطور التقنية والشكل، وتطور معالجة الموضوعات والأفكار داخل هذه التقنيات والأشكال، وأعاق إلى حد كبير تطور الجنس القصصي نفسه، وهو ما سنبينه في هذا البحث، مستعينين بالبحوث الأدبية والنقدية الكثيرة التي أجريت على نشأة القصة العربية وتطورها في أقطار عربية كثيرة. فهم الذين انطلقوا من التراث أنهم ينبغي أن يعيدوا الأشكال التراثية القديمة، أي إعادة الشكل التراثي متطوراً في شكل آخر. هو الشروع في استعادة المكونات التراثية، وتبدى ذلك في أشكال أساسية هي "المقامة" و"الليلة" و"الحكاية". وكان الاختيار موجهاً إلى استخدام هذه الأشكال والانطلاق إلى "نمط الكتابة الأوربية التي تعنى بالنقد الاجتماعي ووصف المشاهد والأحوال" على حد تعبير عباس محمود العقاد: وكما هو، واضح من مقاصد فهم القصة، كما رآها العقاد، فإن توجه رواد القصة العربية ارتبط بوظيفة هذا الفن لا بشكله بالدرجة الأولى: إذ سيتبدل ويتطور بالتفاعل مع التراث العربي والتراث الغربي في آن واحد: أي أن هؤلاء الرواد لم يأخذوا القصة الغربية مع معرفتهم لها، بل عادوا إلى تراثهم يستنبطون منه أشكالاً قصصية توافي الوظيفة المنشودة، وهي وظيفة إبلاغية تقارب مهمات وسائل الاتصال بالجماهير، بتأثير الصحافة على نحو مباشر، وهذا بالذات ما جعل بلاغية القصة العربية، أو ما سمي بالقصة الفنية. في الدرجة الثانية من اهتمام الرواد، على معرفتهم بها كما أشرنا. لقد استفاد هؤلاء الرواد من الصيغ الحكائية والإمكانات الوصفية والقدرات المشهدية وقابليات السرد، مع الحرص الواضح على قوة اللغة العربية وثرائها البديع وهذا ما يفسر عودتهم الأولى إلى المقامة أولاً والليلة ثانياً من خلال أسلوب الحكاية غالباً لما يوافره هذان الشكلان القصصيان من أساليب فنية، فيها الاستفادة التي سعى إليها هؤلاء الرواد. أما الحديث عن تطور القصة العربية من التراث الغربي أساساً فلا يثبت للتاريخ الأدبي ونمو الظواهر الأدبية الحديثة عند العرب. وهو ما سنتوقف عنده ملياً وبالتفصيل. يتفق غالبية الباحثين على أن المقامة فن قصصي عربي ندر وجوده في آداب العالم الأخرى وقد تجلت مظاهره الشكلية الأولى في مقامات الزهاد عن الخلفاء والملوك، وأحاديث ابن دريد ورسائل أحمد بن فارس، وحكاية أبي القاسم البغدادي للأزدي، وبرز من مؤسسيه بديع الزمان الهمذاني. أما أشهر مؤلفيه في الأدب العربي القديم، أبو الحسن المختار بن بطلان، والغزالي، والحريري، والزمخشري، والسمعاني، والسهروردي، والبصري والشاب الظريف، وابن الوردي(9). وتشير نتائج الدراسات الحديثة، والنظر في بواكير النتاج القصصي العربي الحديث إلى أن العودة إلى فن المقامات كانت غالبة على محاولات تخليق فن قصصي عربي في القرن التاسع عشر، وقد اتجه الفن القصصي ـ المقامي الحديث إلى اتجاهات طورت في المرحلة التالية وهي: أولاً: المقامات التي التزمت بالمنحى الكلاسيكي ومنها "مجمع البحرين" للشيخ ناصيف اليازجي و"مقامات البربير" و"مقامات أبي الحارث" للشيخ محمد بن البرواني و"مقامات محمد أفندي مبارك الجزائري". ثانياً: المقامات التي جنحت نحو أدب القصة الحديث، ومنها "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي، و"المقامات الفكرية لعبد الله فكري" و"مقامات الأوهام في الآمال والأحكام" لأمين إبراهيم شميل. ثالثاً: المقامات التي جنحت نحو أدب المقالة بوجهها العام أو بصورتها القصصية، وستكون أساساً للتطوير نحو المقالة القصصية أو الصور القصصية في المرحلة التالية: ومنها "مقامة الأديب الرئيس الشيخ العطار في الفرنسيس" و "حديث موسى بن عصام" لإبراهيم المويلحي و"المقامة الشريفية في مزايا اللغة العربية" لمحمد أفندي شريف و"سنوح الأفكار" لعلي مبارك(10). ويتفق معظم الدارسين على أن المقامة باتجاهاتها المختلفة كانت المعبر إلى القصة العربية الحديثة، ويكمن عنصر التطوير حينما اشتملت عليه من "حادثة قصيرة يتخللها حوار، وتقص مغامرة يرويها راو عن بطل، ويصف تنقلاته ومشاهداته وأعماله، ويحكي أقواله. كل ذلك في أسلوب جزل أنيق مسجوع"(11). ولا نغفل هنا أن العناية الزائدة بالمحسنات والشكل اللغوي كان طابع العصر في الأدب بشكل عام، ولم يكن مقصوراً على المقامات والمحاولات القصصية وحدها(12). والمهم هنا هو تلمس التطور الغالب على القصة ومدى اتصالها بالغرب، أن باحثاً آخر هو محمد رشدي حسن نوه بالمجهود الذي قام به محمد المويلحي في حديث "عيسى بن هشام" حين أخذ من المقامة القديمة إطاراً، ومن الأدب الغربي الحديث تجديداً في الموضوع مما كان له أثر قوي في خلق أدب إنساني هادف، ولقب المويلحي بأنه ابن للمقامة العربية القديمة، وأب للقصة العربية الحديثة والحوار(13). وبناء على ذلك، يرفض هذا الباحث أن القصة بمفهومها لم تنشأ إلا عند "جي دي موباسان"، لأن بديع الزمان الهمذاني قد عرف هذه القصة بالمفهوم الحديث لها قبل ألف سنة على وجه التقريب وهذه مبالغة(14). إن إشكالية التطور لا تعني سبقاً. لأن قصة موباسان نتاج وضعية تاريخية وفنية مختلفة، ولعلنا نقف عند هذه الإشكالية لدى مناقشة مفهوم القصة والحداثة ومقاربته في مرحلة النشوء والتخلق في القرن التاسع عشر بين المقامة والقصة وما بزغ عنهما من أشكال أخرى. ينهج بعض النقاد والباحثين إلى استمداد رواد القصة العربية الحديثة أساليبهم من التراث الغربي، ولو تمعنا ما عرفه الغرب من هذه الأساليب لوجدنا أن الرومانس Romance أو القصة الخيالية هي رواية أو قصة شعرية أو نثرية ظهرت في القرون الوسطى، وموضوع المغامرات الفروسية والبطولة والهوى العذري، وروحها عاطفية وخيالية. وهذه القصة الخيالية أعاد العلماء تقسيمها أقساماً ثلاثة: شعرية ونثرية وآرثرية، وميزوا هذا القسم الأخير من القسمين الآخرين بتسمية خاصة لكثرة ما أثير من القصص حول الملك آرثر، كما اعتاد العلماء التمييز بين القصة الخيالية والرواية النثرية معتبرين الثاني منها قصة خيالية خاضعة لقواعد المسرحية من حبكة ورسم شخصيات وتناسب أجزاء وتسلسل في السرد من البداية إلى النهاية في حين أن الأولى تتميز باهتمامها بقص الأحداث والمآثر أكثر من اهتمامها بتصوير الشخصيات وتحليلها(15). ومن الملحوظ أن محاولات الرواد لا تنتمي إلى هذا النوع من الفن القصصي. وإذا نظرنا في تطور القصة في التراث الغربي، فهي مرت بأطوار قياساً إلى أمرين هما الإنسان والتاريخ حين أصبح الإنسان موضوعاً للفن القصصي، والتاريخ إطاراً لرؤية الوجود الإنساني، أي أن فكرة القصة الحديثة مرهونة بفكرة التقدم، وهي خاضعة للتطور بعد ذلك، وهذا ما يفسر تداخل مصطلحات هذا الفن من مفهومه Diction إلى مفاهيمه الأدق والأكثر تحديداً Story أو Short Story أو Novel إلخ(16). إن هذه الأشكال القصصية نتاج مراحل تاريخية معينة، ويقتضي منا التأريخ لتطور القصة العربية أن ننظر في الشرط التاريخي والإنساني الذي انجب هذه الفنون، ولا تكون المقايسة صحيحة على أشكال خارجة على هذه الشروط، وإنما النظر في أشكال القصة مقايسة لفكرة القصة كما شكلتها الصيرورة الفنية في التراث القومي أولاً، وفي تفاعلها مع التراث الإنساني ثانياً. وهذه الفكرة تستند إلى الأصول التالية: 1ـ القص Narration وهو استعراض الأحداث ماضية كلاماً، وقد يوجد ذلك ضمن سرد طويل كالقصة أو الرواية أو أي فن قصصي. 2ـ الحكائية Tale, Tail - Rhymy أي سرد الأحداث لا يشترط فيه إتقان الحبكة، ولكنه ينسب إلى راو.. وأهميتها تنحصر في حكاية الأحداث وإشارة اهتمام القارئ أو المستمع لا الكشف عن خبايا النفس والبراعة في رسم الشخصيات. 3ـ السرد Narrative وتشتمل على قص سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة أو من ابتكار الخيال.(17). إن تطور القصة العربية الحديثة كما مارسها الرواد في المرحلة الأولى يتركز في اكتشاف عنصر القص في التراث العربي، كما في "المقامة" و"الليلة" و"الحكاية" ووضع الأدب في قالب قصصي وحواري لأنه أقرب إلى ذهن القارئ(18). وهذا ما بدأه الشيخ علي مبارك في "رحلة علم الدين" فهو كأدباء آخرين في هذه المرحلة وما بعدها، مثل عبد الله النديم وإبراهيم المويلحي وفرح أنطون ـ يكشف الشكل أو الأسلوب الروائي (وعلى وجه الخصوص الحوار التخيلي والتعليمي) كصيغة جديدة تحل محل "المقامة" و"المقال"، كصيغة تحصل مقومات هذه الفنون التقليدية وتتفوق عليها من حيث جاذبيتها ويسرها، وما تعد به من جمهور أوسع، ومن حيث ما تفتحه من مجال للتعبير غير المباشر، وما تيسره من حرية الجدل والنقاش. وقد كان ناجي نجيب على حق حين رأى، بوجه عام، أن الحدود بين الأشكال التقليدية والجديدة في فترة الانتقال هذه غير فاصلة، فالأغراض جديدة غير مألوفة، ومن ثم كان البحث عن وسائل التعبير المناسبة، فعبد الله فكري، وهو من المدرسة الديوانية القديمة، يلبس القصة لباس المقامة، ويضع بعض مقالاته في شكل مناظرات "انظر مقال العلوم الطبيعية والنصوص الشرعية في المقتطف 1836" ومحمد المويلحي يصوغ بعض مقالاته بقالب حوار وهمي تخيلي، ويكتب رواية حوارية هي "حديث عيسى بن هشام" (1907). وعلى نسق مشابه يكتب إبراهيم المويلحي مقاماته الحوارية "حديث موسى بن عصام" (1898ـ 1900). ويضع عبد الله النديم كتابه "كان ويكون" (الجزء الأول) في صورة محاورات، ويستخدم هذه الصيغة عند الكتابة بالعامية في مجلتيه "التنكيت والتبكيت" (1881) و"الأستاذ" (1893). والحوار عند علي مبارك والمويلحي يطول أحياناً وكأنه مقالة قصيرة"(19). إن التأمل في نتاج هؤلاء الرواد يشير إلى النتائج التالية: ـ تثمير عنصر القص والمشهدية والحكائية في "المقامة" و"الليلة" و"الحكاية" لتكون المادة الأدبية قصصية حوارية. ـ تثمير عنصر الخطابة أو تحليل الموقف لتكون "المقامة" أو "الليلة" مقالة أو حديثاً. وغني عن القول أن هؤلاء الرواد ولا سيما مبارك والنديم والمويلحي لم يتركوا أثاراً ضخمة بل خلقوا أعمالاً قليلة تزهو بقيمتها في مسار تطور القصة العربية بالدرجة الأولى(20). ولعلنا ندرك أن رواد هذه المرحلة استندوا إلى خيارات واضحة، لم يلجأوا فيها إلى تقليد الغرب عن وعي، وهو ما ظهر جلياً لدى رواد المرحلة التالية الذين تأثروا بسابقيهم، وبقلقهم الفكري والفني، فظلت خياراتهم مستمرة في وجدان القصاصين، ولم يؤثروا تقليد الغرب مباشرة، وظلت دروب المويلحي سالكة حتى منتصف القرن العشرين كما عند يوسف السباعي في "أرض النفاق" على سبيل المثال(21). لقد ساد في هذه المرحلة تقليد التراث في إطار تطويره ليستوعب القضايا التي تولدت عن "التغيير الاجتماعي" و"الاتصال بالغرب" فكان اجتهاد هؤلاء الرواد من خلال استثمار الموروث على الرغم من اطلاعهم على نماذج القصة الغربية، وكانت الحاجات الوظيفية الإبلاغية هي الدافع لتطوير "المقامة" و"الليلة" و"الحكاية"(22). وربما كان وعي هؤلاء الرواد بشغلهم الإبداعي أبعد وأعمق غوراً في مواجهة قضية تطوير الأجناس الأدبية، فما أوردناه كفيل بتوضيح صورة غفل عنها النقد والبحث الأدبي كثيراً هي أن تقليد التراث على نحو مطلق أو تقليد الغرب على نحو مطلق كان بعيداً عن تأسيس هؤلاء الرواد للأجناس الأدبية الحديثة ولا سيما القصة بأشكالها المختلفة. إن صورة القصة العربية الحديثة مدينة لمكوناتها التراثية التي جرت الانطلاقة لتأسيسها من قبل هؤلاء الرواد الذين واجهوا، ليس عناصر القصة فحسب، بل مشكلة تطوير اللغة العربية لهذه العناصر، وكان هاديهم بالدرجة الأولى هو تطويع عناصر القصة لمشكلات التغيير الحضاري، ولم يحدث مثل هذا التطويع بتقليد الغرب ولا بتقليد التراث، ومن هذه اللحظة الحضارية شرع هؤلاء الرواد بمواجهة قلق التحديث إزاء قلق الأصالة، وقد كان هؤلاء النهضويون أصلاء وحداثيين بما تعنيه الكلمتان من جماع الاستجابة للموقف الحضاري في الإبداع حين تكون الحداثة هي تطوير التقاليد الأدبية. وهذا ما لمسته بحوث متأخرة عن هذه الفترة التاريخية رأت الحداثة هي التعبير عن الذات المعاصرة بمكوناتها التقليدية والحية في آن معاً، والنتيجة الأولى هي "أن أدبنا الحديث تطوير لماضينا نحن وسجل لواقعنا الحضاري". والثانية هي أن التطوير لكي يكون حداثياً فينبغي أن يكون صادقاً في استجابته للواقع الحضاري في أشد فترات الانتقال تغيراً وحساسية. وهذا ما يفسر استمرار التأثر "بالمقامة"(23) و"الليالي" و"الحكاية" حتى نهاية الستينات من القرن العشرين كما عند عبد السلام العجيلي وحسيب كيالي وأميل حبيبي ونجيب محفوظ وغيرهم. وسنجد أن القاص العربي لم يكتف بهذين الشكلين وحدهما، بل طورهما أيضاً، وأحيا أشكالاً قصصية تراثية أخرى ولا سيما الخبر والنص الصوفي. وكان هذا النزوع لفهم الحداثة على أنها فهم أصالة منذ البدء، ولنا أن نفسر ترجمة الطهطاوي لمغامرات تليماك على أسلوب المقامات في "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" وكتابة الشدياق لسيرته غالباً على أسلوب المقامات في هدي هذا الفهم، ولنا أن نفسر سياق تعريب الإبداع القصصي عند محمد عثمان جلال والمنفلوطي وحافظ إبراهيم في إطار هذا الفهم أيضاً(24). والحق أن القاص العربي لم يتجاهل تراثه في مراحل تطوير القصة العربية جميعها، بل كان هذا التراث شاخصاً وهادياً في الوقت نفسه كما لاحظنا إزاء المقامات. وإذا انتقلنا إلى الشكل القصصي الحديث، وهو "الليالي"، بمعنى استعادة عناصر القص في "ألف ليلة وليلة" وبمعنى استعادة عناصر الإبلاغ التمثيلي والتصويري والوصفي كما عرفها فن "الليلة" في المسامرات والجلسات (ومن منامات الوهراني وأحاديث التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة وغير ذلك)، سنجد أن إقبال رواد القصة على هذا الشكل كان واضحاً وكبيراً. وهم بالمقابل لم يستثمروا هذا الشكل كما هو، بل جرى وضعه في سياق تحديثي معرفي يستجيب للحظة الحضارية فكان الاعتماد على عناصر الحكائي والمفارقة والسيري والبطولي والمغامرة والخارق والعجيب. بدأ إحياء الليالي على استحياء كونها من الأدب الشعبي(25)، فكان النزوع إلى تلوين الخطاب القصصي بمفهوم الليلة في التراث العربي الفصيح الذي يعتمد على الحديث التمثيلي والتصويري والوصفي، وخلطه بمفهوم الحكاية ـ الأحدوثة الذي شاع في التراث الشعبي العربي كثيراً. كانت الليالي مادة لأعمال قصصية كثيرة نحت بها نحو طابع الأسطورة والمصادفة والسرد المغالي(26)، وهذا هو منطلق الأحاديث القصصية والصور القصصية والخواطر القصصية التي نجد أمثلة لها عند غالبية كتاب رحلة الريادة. 2ـ المرحلة الثانية: (مرحلة التأسيس لقصة عربية حديثة): من الواضح، أننا لا نناقش في أطروحتنا هذه القصة القصيرة أو الرواية، بل مفهوم القصة الذي يستند إلى القص والسرد، ونقصد بالتأسيس لقصة عربية حديثة تلمس مسارات واضحة أو أقرب للوضوح في الممارسة القصصية استناداً إلى وضوح خيارات القاص العربي في توجيه كتابته إلى أساليب محددة، وفي هذه المرحلة ستتبدى حدة موقف القاص العربي الحديث إزاء اختياره لأسلوبه، والانضواء في ركاب تقاليد معينة، وعلى الرغم من أن غالبية الباحثين والنقاد ما زالوا، في هذه المرحلة، يقايسون القصة العربية الحديثة إلى مفهوم الغرب القصصي، فإن المراد في هذا الفصل هو أن نقف على مسارات القصة العربية الحديثة منطلقين من تكون التجربة وانتظامها في سياقات تعبيرية محددة دون أن نرهن الموقف القصصي بالتراث العربي أو بالقصة العربية، بل بخيار القاص نفسه كما تبدي في ممارسته القصصية، وكما أشرنا في المقدمة فإنه لجدل عقيم أن نبحث في حجم المؤثرات الأجنبية وحدها في صياغة القالب القصصي العربي الحديث، أو أن نعتقد أن القصة العربية الحديثة نمت وتطورت ونضجت بالاعتماد على أصولها التراثية وحدها. إنني أوافق الناقد صبري حافظ في دعوته إلى دراسة التقاليد الأدبية في القصة العربية الحديثة انطلاقاً من "الجدل العميق بين الأدب والواقع" الذي ينجب المضامين والموضوعات والأشكال الأدبية ذاتها، فلا يمكن أن نرجع غياب النظرية النقدية الخاصة بالقصة العربية إلى حداثة هذا الفن، لأن عمر القصة في الأدب العربي يناهز عمرها في عدد من الآداب الأوربية، فالقصة حديثة كشكل أدبي مستقل في التراث العربي ذاته. ويشير حافظ إلى أن مصطلح الأقصوصة باعتباره مصطلحاً يدل على جنس أدبي معين لم يحظ بمكانة رسمية في لغة القارئ الإنجليزي حتى أدرج قاموس أوكسفورد الإنجليزي هذا المصطلح في ملحق عام 1933، بينما كانت القصة العربية قد نجحت قبل هذا التاريخ بسنوات عديدة. وعلي أن أشير مع حافظ أيضاً، إلى أن القصة العربية الحديثة تتميز عن أشكال القص السابقة عليها، ولكننا لا نستطيع القول بغياب الصلة بين هذه الأشكال القصصية الأولى والقصة العربية الحديثة في صورتها الراهنة، ليس فقط لأن التراث القصصي القومي والإنساني يشكل جزءاً من ثقافة الكاتب والقارئ العربي على السواء ويؤثر بصور متعددة، مباشرة وغير مباشرة، على إنتاجه للقصة وتلقيه لها، ولكن أيضاً لأن هذه الأشكال القصصية الباكرة تلعب دوراً فعالاً في صياغة التقاليد والمواضعات القصصية التي تقوم بتحديد مفهوم القصة الحديثة وبلورته وتطويره(27). لقد عني عدد كبير من الباحثين والنقاد بقضية تطوير القصة العربية الحديثة، وسأتوقف عند باحث واحد هو عبد العزيز عبد المجيد الذي قدم أطروحة بالإنكليزية لجامعة مانشستر بعنوان "الأقصوصة في الأدب العربي الحديث: نشأتها وتطورها وقالبها"(28) فإنه إذ يعيد مكرور القول في بحوث سابقة، ولا سيما محمد يوسف نجم(29) فإنه يبدو أكثر إدراكاً لمعضلة تطور القصة العربية الحديثة، فقد انتهى بحثه دون أن يقطع برأي حول مسألة القالب القصصي ومكانة التقاليد الأدبية العربية في تشكيله والتأسيس لقصة عربية حديثة. إن عبد العزيز عبد المجيد يقسم تطور القصة العربية الحديثة إلى ثلاثة مراحل هي: 1ـ المرحلة الجنينية من بداية القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى. 2ـ المرحلة التجريبية من الحرب العالمية الأولى إلى العشرينات. 3ـ المرحلة التأسيسية أو التشكيلية من العشرينات إلى الوقت الحاضر. وعلى الرغم من فقدان الدقة في التحديد الزمني لانتهاء مرحلة أو بدئها، وحصر المرحلة الثانية بسنوات قليلة، فإن المرحلة التأسيسية متفاوتة التطور، فليست القصة العربية، بأي حال من الأحوال متقاربة المستوى والمعالجة مع القصة العربية في الخمسينات أو السبعينات. ونجد أن عبد المجيد، على الرغم من استعراضه لمختلف أشكال القص العربية التراثية في فصل خاص (قصة ـ سيرة ـ حديث ـ حكاية ـ سمر ـ خرافة ـ أسطورة ـ رواية ـ نادرة ـ خبر ـ مثل ـ مقامة) فإنه غض النظر عنها، وعن استمدادها في تطور القصة العربية الحديثة بأشكال مختلفة، ورهن هذا التطور بمفهوم الغرب للقصة، معتمداً على نظرية إدجار آلان بو على وجه الخصوص، ولدى ختام عرضه للمرحلة التجريبية عد عيوب القصة، بمقاييس خارجة على سيرورتها، الوعظ والتعليم والاستطراد الجانبي والولع بالمبالغة والعرض الرومانسي والافتقار إلى تحليل السلوك الإنساني للشخصيات.. الخ. بينما القصص التقليدية الأصيلة، برأيه، كانت من نضج التقنية، وكانت محاولات تجريبية. ويثار سؤال حول مثل هذه العروض لتطور القصة، إن الباحث عبد المجيد، رأى في خلاصته للمرحلة الأولى الجنينية، أن نمطي القصة الأصيل أو المترجم أو المقتبس، قد ظهر في الوقت نفسه (عام 1870 وما تلاه) ومع ذلك، لا يعترف الباحث بأهمية التفريق بين ممارسة قصصية وأخرى. وهكذا، عاد في مناقشته لتطورات المرحلة الثالثة والأخيرة إلى المبادئ العامة للقصة الغربية ليطبقها على التجربة العربية دون مراعاة نموها الداخلي واعتبارات تطورها الخاصة قياساً إلى تقاليدها(30). أما مختارات القصة التي اعتمدها في دراسته فلا تختلف عنها لدى باحثين آخرين(31) وتختص بالقصة التي تسعى للتقليد الغربي مباشرة، وتلوى صفحاً عن التجارب العريضة الأخرى لقالب قصصي يتشكل في محاولات مختلفة تطور التقليد الأدبي العربي بالتفاعل مع المؤثرات الأخرى، وهذه الأمثلة المدروسة عند عبد المجيد وآخرين تميز قصصاً، وتعدها فاصلة في تطور القصة مثل سيلم البستاني وخليل بيدس ونسيب المشعلاني ولبيبة هاشم وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة والمنفلوطي ومحمد تيمور وعيسى عبيد ومحمود تيمور الذي يعدونه أب القصة العربية الحديثة، وهذا ما يختلف حوله النقاد أيضاً، فمحمد يوسف نجم يرى الشدياق الرائد الأبرز في سيرته "الساق على الساق" وعلى الرغم من أن نجم لا يقايس التراث القديم على المفهوم الغربي للقصة فإنه طبقه على تطور القصة العربية حتى نهاية الحرب العظمى، وتبدو لافتة للنظر ملاحظاته حول بعض أعمال آثار العرب القصصية في تكوين القصة العربية الحديثة ثم ثمن محاولات المويلحي وحافظ ومحمد لطفي جمعة في المقامة، ورأى أنها "اتسمت بميسم الجدة وبرزت في ثوب قشيب، لأم روح العصر إلى حد كبير"(32). لقد تميزت المرحلة التأسيسية بإقبال غالبية الكتاب والأدباء على كتابة القصة فيندر أن نجد علماً من أعلام هذه الفترة لم يجرب حظه في كتابة القصة حتى الشعراء مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والعقاد، ناهيك عن قادة الرأي والفكر مثل محمد حسين هيكل وطه حسين وسواهم، وهذا هو التمهيد للقاص الذي لم يمارس إلا كتابة القصة في المرحلة التالية. كما تركزت هموم التحديث على هموم التأصيل حتى كادتا أن تتطابقا، فظهرت حدة الصراع في الخطاب القصصي في تعبيره عن التغيير الحضاري، وكانت أبرز ظواهره ذلك التنازع بين وظيفة القصة وطبيعتها الفنية، كان الأديب العربي حريصاً على إبداع فن قصصي، ولكنه كان حريصاً أيضاً أكثر على وظيفته الإبلاغية التي أخذت طابعاً تربوياً واجتماعياً وأخلاقياً تطويراًَ للطابع الإصلاحي السابق بعد الحرب العالمية الأولى، وبفعل صعود القيم القومية وقيم الخلافة وشراسة الاستعمار والنهب الإمبريالي، وبناء دولة اشتراكية في الاتحاد السوفييتي، فكان المؤثر على تطور القصة ليس هاجس تقليد الغرب أو ابتعاث التراث فحسب، بل تكوين أشكال قصصية تفي بمقاصد الوظيفة الإبلاغية، ويمكننا أن نتحدث في هذا الإطار عن فهم سلفي للقصة لا يرى فيها أكثر من أداة إيصال أو وعظ أو إرشاد أو تعليم، سيرافق تطور القصة العربية إلى يومنا هذا في أساس الاتجاهات العقائدية والالتزام والتبشير والدعاوة وما شابه ذلك مما نما في الخمسينات والستينات على وجه الخصوص وأخذ أشكال الصراع الإيديولوجي الحادة، من هذا المنطلق، ستتشكل أولى مظاهر الصراع بين هذا الفهم السلفي والفهم الحداثي الذي بالغ في تثمير وظيفة القصة فأثر على عناصرها وفهمها وأشكالها. في هذه المرحلة من تطور القصة العربية الحديثة، نلاحظ أمرين: الأول هو تشبث الفهم السلفي الانتقالي لعناصر القص التراثي وسواه، لينتج شكلاً قصصياً يكفل تطلعه إلى أداء مهام هذا الخطاب القصصي ومسؤولياته الذي أريد له أن ينوء تحت طاقات أحمال الوعظ والإرشاد والتبشير، فكان التطور عن عناصر قصصية تراثية كالليلة والمقامة والحكاية والخبر إلى خطاب قصصي، قد يكون تمهيداً لأشكال قصصية، وقد ينفي الجنس الأدبي في الوقت نفسه، فشاعت في إبداع هذه المرحلة أشكال المقال القصصي واللوحة القصصية والفكرة القصصية والخاطرة القصصية والموقف القصصي.. الخ. والثاني هو تشبث الفهم الحداثي بالقصة كما طورها الغرب، معرضاً عن تقاليد القصة العربية، ومن أصحاب هذا الاتجاه، وعلى رأسهم محمود تيمور وهيكل(1) والحكيم(2) والمازني، سيكون تفاعل يطوره فيما بعد أدباء وقصاصون يشكلون القصة العربية الحديثة في المرحلة التالية وعلى رأسهم نجيب محفوظ وعبد السلام العجيلي ومحمود المسعدي. وبين هذا الفهم الحداثي وذاك الفهم السلفي لتطور القصة العربية الحديثة سيظهر اتجاهان آخران في تأصيل هذا الفن الأدبي. 2ـ1ـ اتجاه التأصيل من التقاليد: وتمثله الجهود الحثيثة للانتقال من الأشكال التراثية بتفاعلها وتلاقحها مع تراث القصة العالمي والتغير الحضاري. 2ـ2ـ اتجاه التأصيل من الغرب: وتمثله النزعة الغربوية التي لا ترى فائدة من استمداد التراث القصصي العربي، والاستمرار بكتابة القصة كما وصلت إلينا من الغرب، ويضم هذا الاتجاه باحثين وقصاصين مختلفي المشارب والتفكير الأدبي، فثمة من يرى أن التأصيل يستند أساساً إلى تقليد الغرب، وعرضنا أمثلة كثيرة له، ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن ثمة أجناساً أدبية مستحدثة في الأدب العربي الحديث كالقصة والرواية والمسرحية، ولا جدوى من الخوض في التراث، ولعل رشاد رشدي وصلاح عبد الصبور، من أبرز المنادين بهذا الاتجاه (33). 2ـ3 محاولة تفسير الاتجاهين: وبين هذين الاتجاهين، ثمة من يرى أن التأصيل يستند أساساً إلى تقليد التراث، وإن تغيرت وجوه استعادته كما عند محسن جاسم الموسوي وتوفيق بكار وعبد الفتاح كيليطو ولا يعني هذا أن نلتفت عن الغرب، إذ "لابد أن تقود الاستقصاءات إلى عدد كبير من النتاجات المقبولة فنياً التي تمثلت هذا الموروث وأفادت منه بعدما جاءنا ثانية عبر الآداب الأخرى من جانب، وبعد ما أصبح المثقف أكثر تماسكاً واستقراراً في التعامل مع هذا الموروث في نطاق الوعي به وبمكانته الفعلية في الثقافة العربية المعاصرة من جانب آخر"(34). بعد تطوير المقامة، ظهرت محاولات تطويع عناصر القصة إلى المقومات التراثية القصصية من جهة، وحاجات الواقع من جهة أخرى. ولعل الإشارة إلى أن نشأة القصة العربية في أقطارها قد لقيت عناية فائقة من الباحثين والنقاد ولا سيما مصر وسورية والعراق والجزائر والمغرب وتونس(35). ولا شك، أن أسماء كثيرة لافتة للنظر في تدقيق هذه المحاولات على الرغم من اختلاف قيمة مكانة كل محاولة، فثمة من يرى أن محمد لطفي جمعة هو الأسبق في صوره ولوحاته القصصية مستعيناً بالراوي في المقامات والليالي في "ليالي الروح"(36). وثمة من يعتقد أن محمد تيمور هو أول من عالج الأقصوصة في مجموعته "ما تراه العيون" وبعضها معرب أو مترجم، وبعده كرت السبحة، محمود طاهر حقي وعيسى وشحاته عبيد ومحمود تيمور ومحمود طاهر لاشين. وثمة من يرى مكانة خاصة للوحات القلمية للشيخ مصطفى عبد الرزاق "مذكرات الشيخ فزارة"(37). إن المهم هو أن هذه الأعمال جميعها ليست نقلاً من قصة غربية، وليست نقلاً عن تراث قصصي عربي، بل هي تطوير للأشكال التراثية بالتفاعل مع القصة الغربية، ولعله من نافل القول أن القصص المعربة أو الممصرة أو المترجمة لم تكن هي المؤثرة، بل جهد رواد القصة وهم يطورون تقاليدهم القصصية هو المعول. ونخطئ إذا اقتصرنا في جهود التطوير على تغليب فكرة سادت التأريخ الأدبي المعاصر مقتصراً على جهود الباحثين العرب من مصر الذين غلبوا تأثير المثاقفة على التطور الثقافي الذاتي. ومع تقديرنا لتفاوت التطور الثقافي بين قطر وآخر، فإن ظواهر هذا التطور وقضاياه لا تتفاوت كثيراً، وإن أدباً عربياً واحداً تحمل نشأته الخصائص نفسها، ففي الأحوال كلها جرى احتفال كبير بوظيفة القصة، كان هو الدافع لتطور القصة العربية الحديثة(38). ويصرح محمد صالح الجابري أن هؤلاء القصاصين التونسيين قد "أخضعوا هذا الفن الجديد لمآرب هامة وصيروه ذا غاية" ويرى الدكتور محمد زغلول سلام أن "تمكن القص من روح الشعب السوداني، ووجود كثير من روح الشعب السوداني، ووجود كثير من القصص العامية باللهجات الدارجة، يتداولها الناس ويروونها في مجالسهم وأسمارهم" كان أول دوافع ظهور القصة في أدب السودان الحديث، أي أن دور القصة الاجتماعي هو الأساس في كتابتها. ومن جهة أخرى، كان لهذا الاهتمام الكبير بوظيفة القصة نتيجة محددة. لقد أصبحت القصة مطالبة باستمرار بهذه الوظيفة قبل أي شيء آخر فيها، وصار سؤال المتلقي الأول، والنقاد منهم بخاصة: ماذا تقول القصة؟ أما كيف تقول القصة ما تقوله فذلك شأن آخر. إن مشكلات الأشكال الأدبية المستحدثة في الأدب العربي المعاصر ومنها القصة، تبدو اليوم معقدة بدءاً من تحديد الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه وانتهاء بالعلاقة مع المتلقي. إن الدكتور نجم، وهو من هو في دراسة القصة العربية، يرهن تطور القصة للترجمة أساساً ولكن، هل نستطيع أن ننظر إلى نشأة القصة في الأدب العربي الحديث وتطورها بمعزل عن التاريخ الأدبي؟ إن القصة كيان وظاهرة اجتماعية معاً وهي تتحرك ضمن تراثها بالدرجة الأولى. وما لاحظناه هو التطور الطبيعي من حركتها الاجتماعية والتاريخية، وكانت النتيجة المباشرة لهذا التطور الطبيعي أن استنبات القصة الغربية في مناخ الأدب العربي لم يكن ناجحاً فالتفت القاص العربي إلى تاريخه الشخصي والعام لينمي فيه حاجته إلى القصة، وقضى التطور الثقافي أن تستند هذه الحاجة إلى طغيان إبلاغية القصة ووظيفتها على فنيتها أو طبيعتها أو خصائصها وتطويع هذه الفنية أو الطبيعة أو الخصائص لممارسة خاصة بها، وكنت قدمت تفسيراً لهذا التطويع في كتابي (فكرة القصة) لأن تطور موضوع القصة في الأدب العربي الحديث واختلاطه بوظيفتها هو الجذر، وليس تطور التقنيات، أو أن التقنيات والفن كان تابعاً لتطور الموضوع والوظيفة. وسأوجز هذا التفسير. لقد أنصف الدكتور عبد السلام العجيلي في كتابه "عيادة في الريف" حين سمى هذا الفن حكايات وليست قصصاً فالحكاية جنس أدبي متميز يضاف إلى فنون السرد الأخرى، أما القصة القصيرة فتبدو فناً خالصاً لا يفترض مباشرة العلاقة مع المتلقي كما في فنون الاتصال الجماهيرية أو الفنون الشعبية، بل أن القصة القصيرة تعتمد فنيتها فيما تقوله أساساً. وفي هذه الفنية تسترسل القصة القصيرة مع وعيها بالإنسان الذي هو بالدرجة الأولى إحساس حاد بالوضع البشري، بذا، تتحرك القصة في قالبها الفني نشداناً لخيال يحقق موقفاً دون أن يتخلى عن هذا القالب، وربما كانت دراما القصة القصيرة، وهي في جوهرها ذلك الإحساس الحاد بالوضع البشري سابقة على ارتفاع نبرة الغناء في الشعر أو الاسترسال مع المشاعر في الرواية. إننا لا نتحدث غالباً عن بناء القصة القصيرة أو معمارها مثل الرواية، ولا نتحدث عن نظرية درامية ما كما في المسرح، وإنما نتحدث عن التقنية في القصة… عن قالبها الفني، ففي القصة القصيرة ليس هناك بناء "محدد". إن أبرز نقاد القصة القصيرة يرون أن تركيبها يقوم على عناصر ثلاثة هي العرض والنمو والعنصر المسرحي إلا أن هذه التقنية وهذه العناصر ليست في النهاية سوى "الفنية" وفي تمكين المتلقي من هذه الفنية لتؤدي القصة القصيرة وظيفتها. وما دام فن القصة القصيرة على هذه الصورة من الدقة أو "الفنية" فإنه من المفيد أن نبحث في تطور "موضوع" القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث واختلاطه بوظيفتها، للكشف عن جذور هذه الظاهرة، وسنركز في هذه المقالة على تجربة الجزائر ويجدر بنا أن نشير إلى أن هذه التجربة تحمل الخصائص نفسها في تطور القصة القصيرة في الأقطار العربية الأخرى. في رسالته عن "القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر" يدرس الدكتور عبد الله ركيبي بدايات القصة القصيرة الجزائرية فيراها متمثلة بالمقال القصصي والصورة القصصية، حيث "يعد المقال القصصي الشكل البدائي الأول الذي بدأت فيه القصة الجزائرية القصيرة، وقد تطور المقال القصصي عن المقال الأدبي بل تطور عن المقال الإصلاحي بالدرجة الأولى". ذلك أن الوظيفة التي وجد من أجلها المقال القصصي هي الوظيفة التي قام بها المقال الأدبي والمقال الفني الإصلاحي. وارتباط الحياة الأدبية بالحركة الإصلاحية هو الذي جعل المقال القصصي يسير في خطها، فلم يكن الدافع إلى كتابته دافعاً فنياً أدبياً بقدر ما كان الدافع خدمة الفكرة والدعوة الإصلاحية أو "التبشير" ـ على حد اصطلاح "محمد السعيد الزاهري". وفي هذا الإطار تقول الدكتورة سهير القلماوي: "في المقال الإصلاحي نشأت القصة التي تعنى بالواقع وتصور أدواء المجتمع في دقة قريبة ودقيقة ولكن في أسلوب يتخذ من وسائل الصنعة الجمالية سبيلاً إلى التأثير في قلوب القراء". لعل التعريف الموجز للمقال القصصي يوحي بالتخلص من القالب الأدبي المعين دون أن يعنى بالضرورة بسمات القصة القصيرة، فكاتبه يختار من عناصر القصة ما يناسبه وخصوصاً الحوار والحدث بقصد إيضاح الفكرة أو الموضوع، وهو ما اختلط في النهاية بالغاية أو الوظيفة. وفي بدايات القصة القصيرة الجزائرية يلاحظ ركيبي أن "كاتب المقال القصصي وقد ركز اهتمامه على الفكرة، يبدأ بمقدمة خطابية وعظية ويتبعها بسرد للحوادث، وقد يعكس هذا فيبدأ بسرد وبوصف المناظر أو الحوادث، ثم يعقب على ذلك بخطبة أو بمقال قصير يؤكد فيه الهدف والفكرة التي يكتب من أجلها، وقد يعمد الكاتب إلى أسلوب المحاضرات والمحاورات". ويضيف ركيبي: "أما الحوار في المقال القصصي فيأتي ليسجل المناخ الذي سبق الحديث عنه وهو كثرة النقاش حول هذه الموضوعات كلها". لقد كان المقال القصصي نوعاً من استخدام بعض عناصر القصة في جنس أدبي آخر هو المقالة، إلا أن هذا الاستخدام لم يكن مقصوداً لذاته، بل لأهميته في التأثير على المتلقي، وبالتالي لقيمته في تحقيق غاية مباشرة وسريعة هي وظيفته. ثم تطور المقال القصصي وقد رصد الدكتور ركيبي "محاور ثلاثة دارت حولها الصورة القصصية الجزائرية": الأول: هو رسم الشخصية "الكاريكاتورية". والثاني: هو الإلحاح على الفكرة التي تتمثل في نقد المجتمع وعاداته وتقاليده ونقد الاستعمار ومخلفاته. والثالث: هو وصف الطبيعة والحب وغيرهما من الموضوعات الرومانسية". وعلى الرغم من هذا التطور، فإن زيادة استخدام عناصر القصة القصيرة كان يقصد لصالح "الفكرة والهدف المباشر... بقطع النظر عن أن هذه الأحداث ترتبط بالشخصية أو لا ترتبط بها". يضاف إلى ذلك ما نتج عن الفهم السائد للواقعية، فقد نظر إليها "باعتبارها تسجيلاً للواقع المشاهد كما هو دون حذف ودون اعتبار، وهذا ما تدل عليه العناوين الكثيرة التي تصرح بأن هذه قصص "من الواقع" أو "من صميم الواقع". وفي الأحوال كلها، نلاحظ في تتبعنا للجذور كيف استخدمت العناصر الفنية وطوعت لصالح وظيفة القصة. وهذا الوضع لم يكن غائباً عن كتاب القصة أنفسهم، فهم قد وضعوا للاهتمام بكتابة القصة هدفين أولهما النهوض بالأدب وثانيهما هو التقويم الخلقي والاجتماعي كما ورد على لسان أحمد رضا حوحو في عام 1949. لا شك، أن التداخل بين وظيفة القصة وموضوعها قد انعكس سلبياً على تطور القصة القصيرة، ولكنه قبل كل شيء، هو مظهر من مظاهر التضييق على الممارسة الفنية فعلاً يتخلق أسلوباً يدور مع التاريخ الشخصي والعام قبل أن ينتمي إلى عالم القيم أو الأفكار. إن التأكيد على هذه الوظيفة في بناء القصة يحمل نوعاً من التضييق على الممارسة الفنية، ويعكس نوعاً من التأكيد على جودة أو قبول الفن الرديء، بينما رأى أبرز نقاد الأدب أن وظيفة الأدب هي أن يكون أميناً لطبيعته. إن المتتبع لنشأة القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث وتطورها يلاحظ أشكالاً متعددة من التضييق على الممارسة الفنية بحيث لا تعدو كونها مباشرة للوظيفة، وقد شاع أيضاً إلى فترة طويلة ولا يزال ـ تقسيم الأدب إلى اجتماعي وقومي وطني..الخ. وفي هذه المباشرة لوظيفة القصة القصيرة جرى التأكيد على الموضوع من جهة، وعلى الاتجاه أو المذهبية من جهة أخرى. لقد أخذ تداخل الوظيفة مع الاتجاه صوراً مختلفة كالتأكيد على تصوير الواقع أو المجتمع أولاً، والارتباط بالتاريخ ثانياً، والأمانة للفكرة أو العقيدة ثالثاً، وهكذا طالب بعضهم الأدب مراراً وتكراراً بالمذهب قبل الفن متناسين أن الأدب يحمل هدفه في طبيعته، ومتناسين أن القصة القصيرة بشكل خاص تحمل وظيفتها في بنياتها الفنية التي لا يمكن لها في النهاية أن تكون مجرد وثيقة اجتماعية أو سياسية أو تاريخية بوجه أعم. وهذه الإفادة تشخص إلى حد ما اختلاط وضعية الفن القصصي بوضعيات أخرى اجتماعية أو سواها، وعلى الرغم من أنها تتجاوز ملاحظتها حول وظيفة القصة القصيرة إلى إثارة موضوع مصادر الأدب، إلا أنها تضع يدها على مكمن الجرح في فقدان وضوح العلاقة بين وظيفة القصة القصيرة وطبيعتها، إن التباس هذه العلاقة والاتجاه يعني النظر عموماً والقصة القصيرة خصوصاً باعتبار كتابتها أولاً، وعلى مباشرة فعالية الوعي لدى المتلقي ثانياً. وسننظر الآن في هذه الظاهرة كما تتبدى في تطور القصة القصيرة في الأدب السوداني الحديث وفي اعتقادي، أن مناقشة نشأة القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث وتطورها تعطي الإجابة عن سؤال الوضع الراهن للقصة القصيرة عندنا. في محاضراته التي ألقاها في معهد البحوث والدراسات العربية، عرض الدكتور محمد زغلول سالم لموضوع "القصة في الأدب الحديث" ورأى أن "هدف هؤلاء الأدباء هو الإصلاح الاجتماعي ومحاربة المعوقات التي تقف بالمجتمع السوداني دون التحرر الاجتماعي من قيود العادات والتقاليد والآفات الاجتماعية الأخرى كالجهل. ويضيف سلام: "وتصيب القاص في هذه المرحلة بعض آفات الكتابة القصصية مثل المبالغة في التصوير، والميل إلى التهويل في العبارة، واستخدام القوالب الإنشائية الجوفاء أو محاولة القاص الظهور والكشف عن نفسه بين السطور ليسوق الموعظة أو ليلقي بالنصح ويستخرج العبرة، كما يسوءها سرد الأحداث، وإخضاعها للمصادفات أو تدخل الأقدار وافتعال المواقف المأساوية العنيفة". ويؤكد سلام في مكان آخر أن علاج الكتاب لهذه المشكلات مختلف متفاوت، لا يتسم غالباً بالعمل بل قد تشوبه السطحية. إن ما يلاحظ بصفة عامة هو ارتفاع نبرة الأفكار أو تخطيط الوعي، ولدى مطالعتنا لأزهى نماذج القصة السودانية القصيرة اليوم لدى الطيب رزوق وعلي الملك وأبي بكر خالد ومختار إبراهيم عجوبة نلاحظ أيضاً أن شهوة تغيير الواقع بالفن التي تلح على كاتب القصة القصيرة لم تنضج بناء القصة الفني، فانعكست بالتالي صور الالتزام بالتاريخ أو صورة المجتمع أو الأفكار أو العقائد عيوباً وسقطات فنية. وقد حصر الدكتور سلام هذه العيوب والسقطات فوجد أظهرها: غلبة أسلوب السرد السطحي غير المتعمق، مع فقر في التعبير باللفظ والصورة أولاً، وميل بعض الكتاب إلى أسلوب الوعظ واستخراج العبرة ثانياً، الإسراف في اجترار التجارب الذاتية دون تعميق لجوانبها والخروج بها على نطاق الذات إلى الآفاق الإنسانية العريضة ثالثاً، وكثرة المفاجآت وافتعال المصادفات الكثيرة دون مبرر مقنع وبلا تمهيد والاعتماد على ضربات القدر لتحويل مجرى الأحداث أو لإثارة الانفعال في القارئ والإسراع بنبض القصة رابعاً. إن إلحاح الاتجاه على كاتب القصة القصيرة ينطوي على تحويل القصة القصيرة إلى مجال للدعوة أو الدعاية أو الادعاء، وهي جميعها مراتب في توظيف القصة القصيرة للحاجة الاجتماعية أو شهوة تغيير الواقع دون اعتبار لطبيعتها. إننا نؤكد للمرة الثانية، أن التداخل بين وظيفة القصة القصيرة واتجاه كاتبها من جهة، والموضوع من جهة أخرى قد انعكس سلبياً على تطور القصة القصيرة، ولكنه قبل كل شيء، مثل التداخل بين الوظيفة والموضوع، هو مظهر من مظاهر التضييق على الممارسة الفنية فعلاً يتخلق أسلوباً يدور مع التاريخ الشخصي والعام قبل أن ينتمي إلى عالم القيم أو الأفكار. ونلحظ هذا التضييق على الممارسة القصصية مستمراً حتى منتصف القرن العشرين حين أصر طه حسين على تسمية قصته حديثاً أو مقالاً أو صورة على الرغم من وعيه المبكر لفن القصة، وعلى الرغم من اتصاله المبكر بالغرب(39). إن ما يطبع هذه المرحلة هو حدة الصراع بين دعاة التأصيل على اختلاف مواقعهم الفكرية والفنية، وفي هذا الإطار نستطيع تفسير عدة ظواهر خارجة على السياق الإبداعي ومؤثرة فيه هي صراع الفكر القومي مع مضاداته، وصراع البرجوازية مع الإقطاع أو تحالفها، وصراع البورجوازية الصغيرة مع منافسيها بعد الاستقلالات القطرية، وصراع الطوباويات العقائدية مع محيطاتها ومعوقاتها كما تمثلها أهداف الأحزاب والتنظيمات السياسية، وأخيراً صراع الأهداف الكبرى مع نغمات الواقعية السياسية أو الامتثال الواقعي للعجز السياسي عن تحقيق هذه الأهداف. ومن هذه الظواهر المشخصة بروز الدعوة إلى أدب مصري صميم، أو الدعوة إلى المحلية، أو الدعوة إلى الأدب الملتزم أو المسؤول أو الأدب الوطني فيما بعد في مرحلة تالية. ونستخلص من هذا العرض اللماح ما يلي: آ ـ هيمنة مشكلة البحث عن بديل أدبي على وجدان الأديب العربي في هذه المرحلة، ليس في القصة وحدها، بل في الأجناس الأدبية على اختلافها. وعبر عن هذه المشكلة خير تعبير توفيق الحكيم في بحثه عن قالب فني في المسرح، ومحمود تيمور في القصة. وستحسم هذه الحيرة الفكرية والفنية في المرحلة التالية مع نضوج اختيارات الكتاب ووضوح الانتماء لديهم على طريق الهوية والحداثة عندما لا تفترق الهوية عن الحداثة. ب ـ النزوع إلى العالمية مقابل نزوع الانكفاء إلى الذات، وما استتبع ذلك من نفي للقومي في تجارب فنية ارتهنت للترجمة أو الاقتباس أو الإقليمية. ويعبر أصحاب المدرسة الحديثة عن هذه المعضلة كما قدمنا من قبل. ج ـ إن تطور القصة العربية الحديثة في هذه المرحلة لم يكن تمثلاً للشكل الغربي الجديد بقدر ما كان تطوراً في قلب التغييرات الحضارية والاجتماعية التي عصفت بالعرب في مطلع هذا القرن حتى بدء الاستقلالات العربية بعد الحرب العالمية الثانية مما شكل أساساً للبحث في الهوية وأساساً لوعي الحداثة على أنها وعي الذات بالدرجة الأولى. 3ـ المرحلة الثالثة (مرحلة تشكل القصة العربية الحديثة): لا شك أن القصة العربية الحديثة قد تشكلت بعد طول عناء ومكابدة عرضنا لعلاماتها الرئيسة في هذه المرحلة، لا تقليداً للغرب، ولا تقليداً للتراث، وإنما من داخل تنامي التجربة القصصية وقد كان وعي القاص العربي حاضراً على الدوام إزاء أمرين: الأول هو الهوية، والثاني هو الحداثة فوجد عبثاً، منذ مطلع عصر النهضة، إن بعث التراث وإعادة الأشكال التراثية لا يكفي لنهوض الإبداع القصصي ولا يخلق قصة عربية حديثة، ففي معمعان النضال لتطوير الأدب العربي الحديث طرحت روح العصر ظواهر جديدة أسهمت في تشكل القصة العربية الحديثة استمراراً لسيرورة التقاليد التي تتخلق في التجربة، تجربة وعي الذات، فكان الإيمان بالتجربة الخاصة أساساً لتطور الأجناس الأدبية، وقد طال هذا التطوير الجنس العربي الصميم، أعني به الشعر أيضاً، فشهدت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية ظاهرة الاستقلالات العربية أو التمهيد لها، وتكونت الدولة في كثير من الأقطار العربية، ونشأت المدن الكبرى، وزرع كيان غريب في قلب الوطن العربي على أرض فلسطين، مما سيزيد من حدة المواجهة الحضارية بين العرب والغرب الذي دعم هذا الكيان منذ بدء الاستيطان الصهيوني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر برعاية ألمانيا إلى وعد بلفور برعاية بريطانيا، إلى الدعم الغربي اللامحدود في العقود التالية لقيام كيان إسرائيل إلى التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وأمريكا في الثمانينات. وبالقدر الذي رأى فيه الأديب العربي الغرب حامل أجنحة التحضر والتحديث. فإنه رأى فيه العدو الذي يمنع عنه التحضر والتحديث بدوام ظاهرة الاستعمار الجديد وظاهرة الكيان الإسرائيلي. إن القاص العربي الحديث، مثله مثل بقية كتاب الأجناس الأخرى، يبحث عن صوته الحضاري والمجتمعي والقومي مما يعني جماع هويته وقد أدرك مبكراً أن هذا الصوت لا يستعار ولا يقلد، فكان الصراع المحموم في المرحلة السابقة بين دعاة الهوية القومية، بمعنى التحقق القومي الذاتي الذي فهم على أنه قيام دولة عربية واحدة تبني مجتمع الحرية والديمقراطية والتنمية والتقدم، وبين مناهضي هذه الدعوة الذين رأوا الهوية في الارتهان المطلق للتحديث. وأعطي هذا مصطلح "المثاقفة". فقد شغل المثقفون العرب زمناً طويلاً، لما ينتهي بعد، في فكرة الغرب الحضاري الثقافي الكامل إزاء فكرة العرب الفقيرة المتخلفة الجائعة الناقصة، وبرز هذا الانشغال منذ رحلة الطهطاوي الشهيرة طلباً للعلم في مطلع القرن التاسع عشر على رأس بعثة مستغربة بعد أن تعرفوا على "منجزات" حلم السيطرة الاستعماري على الوطن العربي كما حملها نابليون كالطباعة والحرية الاجتماعية والتعليم وغير ذلك. وظل هذا القلق الوجودي القومي يستكن في أعماق المثقف العربي، ويتجلى في إبداعاته وممارسته ومواقفه من ذاته والعالم عبر الأحزاب والتنظيمات والتأليف والتعليم والاتصال بالجماهير أجل هناك مئات أو ألوف الأعمال الكبيرة أو الصغيرة للمثقفين العرب أمام الغرب، متوحدين أو جبناء أو مستلبين في اغتراب شامل عن الواقع العربي وتياراته الأساسية الفعالة. ومنذ رحلة الطهطاوي الشهيرة ونداء "البحث عن الذات" هو الأطروحة المركزية في لهفة المثقف العربي لمعانقة أشواقه يأساً أو هروباً أو خذلاناً من جهة. أو استجابة تفضي إلى مواجهة في إطار التحدي الشامل للغرب "العدو" من جهة أخرى. ولا نستطيع هنا بأي حال من الأحوال أن نبرئ نزعة "المثاقفة" من حدودها الموضوعية التي فرضت شروطاً قاسية على مجمل حركة التقدم العربي في مراحل تاريخية مختلفة. إن المثقفين العرب الذين يركنون إلى ذواتهم في منتجع الغرب الثقافي تخليا عن دورهم التاريخي في التأصيل والعصرية ومعركة الوجود العربي على وجه العموم يقومون بخيانة أمتهم، وأنفسهم في الوقت نفسه أن الاستلاب التاريخي العميق لدى غالبية المثقفين العرب قادهم إلى الانضواء تحت عباءة الرجعية، التي التفت عن واقع الحال، وطموح العرب المعاصرين المشروع في بناء المستقبل العربي. ولا شك إنها لرحلة طويلة وقاسية أن يدرك المثقف العربي متأخراً معنى الغرب بالنسبة إليه، يقول أدونيس: "الحقيقة أننا لم نعد نصدق أوربا، لا سياسياً ولا تفكيراً. فالسوس لا ينخر السياسة الأوربية فحسب، إنما ينخر كذلك الفكر الأوربي والروح الأوربية والخلق الأوربي. إن أوربا لم تعد بالنسبة إلينا نحن هذه الشعوب "المتخلفة" "الجاهلة"، الفقيرة أكثر من جيفة متمدنة" (40). ومن أبرز الظواهر الجديدة على الصعيد الأدبي، نذكر ما يلي: 1ـ تطور التفكير الأدبي العربي، فلم يعد الشعر هو الجنس الأدبي الأثير، بل تقدمته في كثير من الأحيان، المقالة والقصة. وظهرت قضية الإيصال في الأدب، إثر شيوع الصحافة والإذاعتين المسموعة والمرئية، وجرى الفصل بين مكونات الأدب من الداخل، ومؤثراته الخارجية، واعترف بالممارسة الأدبية إزاء ممارسة الخطاب السياسي والخطابات الأخرى. 2ـ مقاربة نظرية الأدب كما تكونت في التراث العربي العريق، فكان بحث التراث مقياساً للهوية وللمعاصرة. وأعيد توكيد عناصر فهم هذه النظرية استناداً للمكونات التراثية. وثمة كتب ودراسات كثيرة اليوم حول مفهوم الأدبية في الأدب العربي وأمثاله من المفاهيم الأخرى مما يفيد في فهم أفضل لسيرورة التقاليد الأدبية. 3ـ الاعتراف بمفهوم الجنس الأدبي في إطاره التاريخي والثقافي والمقارن، فلم يعد من ينكر القصة جنساً أدبياً، وتعمق البحث في هذه القضية، فاعترف بمفهوم الجنس الأدبي في سياقه المعرفي الخاص، فأصبح تمييز الجنس الأدبي يطال أشكالاً قصصية انبثقت عنه دقة للمصطلح واعترافاً بذاتيته القومية وتفاعله مع التراث الإنساني، وهناك اليوم مصطلحات سائدة أفرزتها الممارسة الأدبية كالقصة والأقصوصة والرواية. 4ـ وعي طبيعة القصة في إطار التجربة الخاصة، فعلى الرغم من تواتر القول حول استحداث هذا الفن في الأدب الحديث على أقلام عدد لا يستهان به من الباحثين والقصاصين، فإن المجرى التاريخي الخاص بالممارسة القصصية يشير إلى سعي القاص العربي الحديث إلى قصته العربية في إطار تجربته الخاصة، ولكي تفهم محاولات تحديث القصة العربية حق فهمها ينبغي أن تنطلق من اعتبارات تنامي هذه التجربة ليس في تقليد الغرب، وإنما في فهم الغرب نفسه ضمن وعي القاص العربي الحديث لتراثه، ونشير في هذا المجال إلى نزوعات قيست على غير تدقيق لحركة التاريخ الثقافي والأدبي بالغرب كالنزوعات الصوفية التي قرنت بالسوريالية. ونزوعات كسر الإيهام وحضور الراوي ومشاركة المتلقي بفعل الاستفادة من الفنون الشعبية وعمليات الاتصال بين الفنون، التي قرنت بالملحمية.. الخ... وهكذا، فرق بين عناصر القص وأنواعه وأقر بالطابع الخاص للأشكال القصصية التراثية التي تنفع كثيراً في تحديث القصة العربية. لقد أصبح هناك قاص وحده، وروائي وحده فيما بعد، إن حالة زكريا تامر وحنا مينة وحيدر حيدر وعبد الرحمن منيف وسواهم تعني أمراً واحداً هو الاعتراف بهذا الجنس الأدبي على أنه صوت خاص يميز صاحبه ومبدعه، والإقرار بمكانته الثقافية العربية، ويفترق هذا الحال كثيراً عن أمثال المازني وطه حسين والعقاد وهيكل والحكيم ممن تواضعوا على تسمية القصة بغير أسمائها (طه حسين) أو تجنب الكتابة فيها، أو لم يعترف بادئ الأمر بها (هيكل) أو غلب جنساً أدبياً آخر عليها كالمقالة (المازني) أو قلل من شأنها على وجه العموم (العقاد)... الخ.. وهذه الحال بدأت مع قصاصين وروائيين أمثال العجيلي ومحفوظ وشكيب الجابري وهم الذين أعلنوا خياراتهم مبكرين في الإخلاص لهذا الجنس الأدبي وتطويره في الثقافة العربية، فلم يكتبوا أساساً سوى القصة. وفي هذه المرحلة بالذات، بدأ التمييز المشروع بين أشكال القصة، كالقصة والأقصوصة (على الرغم من التباس المصطلح). والرواية، فكان تأصيلها استناداً لمقومات تراثية في إطار سيرورة التقاليد الأدبية العربية أولاً، ومؤثرات أجنبية غربية في إطار التحديث الثقافي الشامل ثانياً. ينظر القاص العربي في ذاته وتجربته ويصوغها فناً في قصة أو رواية هي صوته الخاص الذي يعترف بخصوصية الفن القصصي وبقيمة التقاليد الأدبية القومية. ويعترف قبل هذا وذاك بوطأة التحديث، المؤثرات الأجنبية، على التقاليد القومية. *** الهوامش والإحالات: (1)ـ خص الدكتور علي عبد الحليم محمود "القصة العربية في العصر الجاهلي" ببحث طويل، ناقش في مقدمته آراء لبعض المستشرقين في القصة العربية مثل بروكلمان وجولد زيهر وآدم متز وكارل نالينو وريجيش بلاشير. وقد ميز في هذه الآراء فأشاد برأي بروكلمان الموضوعي المنصف، وأبدى استياءه من آراء جولد زيهر ونالينو على سبيل المثال لنفر من المستشرقين جانبوا الوقائع والحقائق، عندما رهنوا القصة بالدعوة الإسلامية، وعندما حصروا مصادرها بالإسرائيليات، ثم ناقش آراء بعض المستشرقين مثل فراتياج وكاسكيل ورودلف زلهايم في الأساطير والخرافات الجاهلية. وعلى وجه العموم، فإن آراء المستشرقين في القصة تصب غالباً في مواقف الاستعلاء الثقافي، فكان من نتيجة ذلك إغفال مسار القصة العربية وآليات تطورها وأشكالها، وهذا يتفق مع فاروق خورشيد أيضاً. انظر: د. علي عبد الحليم محمود: القصة العربية في العصر الجاهلي ـ دار المعارف ـ الط2 ـ القاهرة 1979. (2)ـ نجم، د. محمد يوسف: القصة في الأدب العربي الحديث (في لبنان حتى الحرب العظمى) ـ دار مصر للطباعة القاهرة 1952ـ ص79. (3)ـ حقي، يحيى: قنديل أم هاشم ـ مع سيرة ذاتية للمؤلف ـ مؤلفات يحيى حقي ـ القصص1ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1975ـ ص15. (4)ـ تيمور، محمود: دراسات في القصة والمسرح ـ فن القصص ـ مكتبة الآداب ومطبعتها بالجماميز ـ القاهرة ص52. (5)ـ نفسه ص64. (6)ـ نفسه ص65. (7)ـ العالم، محمود أمين: يوم بدأت القصة القصيرة عندنا ـ في "الثقافة الوطنية" ـ شباط ـ آذار 1954 ص63. ورد في "الشمس والعنقاء" ـ ص 132. (8)ـ الموسوي، د. محسن جاسم: الرواية العربيةـ النشأة والتحول ـ دار الآداب ـ بيروت ـ الط2 ـ 1988 ـ ص23ـ 24. (9)ـ هناك آراء كثيرة حول أحاديث ابن دريد وتأثيرها على بديع الزمان الهمذاني، فلا يرى بعضهم أي تأثير كما في "أثر المقامة في نشأة القصة المصرية الحديثة" للدكتور رشدي حسن ـ ص 169، ويرى بعضهم تأثيراً واضحاً لها كما في "مقامات بديع الزمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد" للدكتورة إكرام الفاعور ـ ص 140. ويعتدل بعضهم فيرى الأحاديث شكلاً أولياً للمقامة كما في "مقامات بديع الزمان لفاروق سعد" دار الآفاق الحديثة ـ بيروت 1982. ص5 (10)ـ عوض، د. يوسف نور: فن المقامات بين المشرق والمغرب ـ دار القلم ـ بيروت ـ 1979ـ ص35 وما بعدها. (11)ـ خضر، عباس: القصة القصيرة في مصر، منذ نشأتها حتى سنة 1930 ـ الدار القومية للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة 1966ـ ص17. (12)ـ نفسه ـ ص19. (13)ـ أثر المقامة في نشأة القصة ـ ص200. (14)ـ نفسه ـ ص 198. (15)- Wahba, Magd; Adictionair of literary Terms Librairie du Liban Beirut 1974. (16)ـ انظر أيضاً على سبيل المثال لا الحصر: ـ نجم، د. محمد يوسف: فن القصة ـ دار بيروت ـ بيروت 1959. ـ مكي، د. الطاهر أحمد: القصة القصيرة ـ دراسة ومختارات ـ الط2 ـ مزيدة ومنقحة ـ دار المعارف القاهرة 1978. - Perrine Lauranse" Story and Structure" Hercourt inc. New York 1970 - Boulton Marjorie " Anatom of the Novel" Routledge and Keganpul, London 1979 - Hall Donald " To Read Fiction" Holt, Rinchart and Winston, New York 1987. (17)ـ معجم مصطلحات الأدب ص341ـ 562. (18)ـ نجيب. د. ناجي: رحلة علم الدين الشيخ علي مبارك ـ قراءة في التاريخ الاجتماعي الفكري العربي. الحديث ـ دار الكلمة للنشر ـ بيروت ـ 1981 ـ ص29. (19)ـ نفسه ـ ص28ـ 29. (20)ـ انظر على سبيل المثال: راميتش، د. يوسف: أسرة المويلحي وأثرها في الأدب العربي الحديث ـ دار المعارف ـ القاهرة 1980ـ ص417. (21)ـ نفسه ص 438. (22)ـ انظر أيضاً: ـ الهواري، د. أحمد إبراهيم: نقد المجتمع في "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي ـ دار المعارف القاهرة 1981ـ ص 136ـ 137ـ 141. (23)ـ بدوي، د. محمد مصطفى: مشكلة الحداثة والتغيير الحضاري في الأدب العربي الحديث في "الموقف الأدبي" ـ دمشق ـ العدد 162ـ 163 تشرين أو 2ـ 1984ـ ص 20ـ21. (24)ـ ضيف، د. شوقي: الأدب العربي المعاصر في مصر ـ دار المعارف ـ القاهرة 1974ـ الط5 مزيدة وموسعة ـ ص209 وما بعدها. (25)ـ انظر إشارات أحمد ومحمود عطية إلى محاولات تأصيل الرواية العربية في "الإبداع" ـ القاهرة العدد1 ـ السنة 3ـ يناير 1985ـ ص136 وما بعدها. وانظر أيضاً حول الموقف من الأدب الشعبي: الأدب العربي المعاصر في مصر ـ نفسه. ـ القلماوي، د. سهير: ألف ليلة وليلة ـ الط 4ـ دار المعارف ـ القاهرة 1976. ـ ياسين، بوعلي: حيز الزاد في حكايات شهرزاد ـ دار الحوار اللاذقية 1987. (26)ـ راجع على سبيل المثال: إسماعيل، د. عز الدين: القصص الشعبي في السودان ـ دراسة في فنية الحكاية ووظيفتهاـ الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ـ القاهرة ـ 1971. ـ سلام، د. محمد زغلول: القصة في الأدب السوداني الحديث ـ معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة 1970. (27)ـ حافظ، صبري: خصائص الأقصوصة البنائية وجمالياتها ـ في "فصول" ـ القاهرة ـ المجلد 2ـ العدد5 يوليو ـ أغسطس ـ سبتمبر 1983ـ ص20ـ21. (28)- Abdel- Meguid, Abdel Aziz " Tte modern Arabic short story" Almaere Fpress – Cairo. (29)ـ القصة في الأدب العربي الحديث. (30)- The modern Arabic short story P. 98- 99- 100-137-138. (31) ـ انظر أبحاث د. محمد يوسف نجم وعباس خضر و.. محمد رشدي حسن التي جرت الإشارة إليها على سبيل المثال. (32)ـ القصة في الأدب العربي الحديث ـ ص 63. (33)ـ انظر على سبيل المثال: ـ رشدي، د. رشاد: فن القصة القصيرة ـ دار العودة ـ بيروت. ـ أبو هيف، د. عبد الله: أين الأصالة والمعاصرة في ثقافتنا ـ في "المعرفة" ـ دمشق ـ العدد 118 ـ 119 ـ كانون الأول 1971 ـ وكانون الثاني 1972 ـ ص 220 ـ 221. (34)ـ الرواية العربية: النشأة والتحول ص 37. (35)ـ انظر أيضاً: ـ المديني، أحمد: فن القصة القصيرة بالمغرب ـ في النشأة والتطور والاتجاهات ـ دار العودة بيروت. ـ الجابري، محمد صالح: القصة التونسية ـ نشأـها وروادها ـ نشر وتوزيع مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله ـ تونس 1975. ـ أحمد، د. عبد الإله: الأدب القصصي في العراق ـ منذ الحرب العالمية الثانية ـ جزءان ـ وزارة الإعلام ـ بغداد 1977. (36)ـ أثر المقامة في نشأة القصة المصرية الحديثة ـ ص 159ـ 163. (37)ـ حقي، يحيى، فجر القصة المصرية مع ست دراسات أخرى عن نفس المرحلة ـ الكتابات النقدية (1) ـ الهيئة المصرية العامة ـ القاهرة 1975 ـ ص 173 وما بعدها. (38)ـ أبو هيف، د. عبد الله: فكرة القصة ـ نقد القصة القصيرة في سورية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 1981 ـ المقدمة. انظر أيضاً: ركيبي، عبد الله: القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر ـ دار الكاتب العربي ـ القاهرة 1969. القلماوي، د. سهير: مجلة "الهلال" ـ كانون الأول 1966. ـ سلام، د. محمد زغلول: القصة في الأدب السوداني الحديث. ـ شاجال، فلاديمير: القصة العربية المعاصرة ـ في "الموقف الأدبي" دمشق ـ العدد شباط 1989. (39)ـ القصة القصيرة في مصر ـ دراسة في تأصيل فن أدبي ـ ص 146 ـ 148. (40)ـ انظر: ـ شرابي، د. هشام: المثقفون العرب والغرب ـ دار النهار ـ بيروت 1971 ـ ص 24 وما بعدها. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |