|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
السرّد والشكل الفنّي في ثلاث قصَص قصيرة(1) ـــ محمد أبو خضّور سأتناول وباختصار شديد في هذه الورقة(2)، السرد والشكل الفني في ثلاث قصص قصيرة لقاصين لهما أعمال بارزة في ميدان الأدب العربي. القصة الأولى "الهزيمة" للقاص والشاعر شوقي بغدادي(3) أما القصتان الثانية والثالثة، وهما "العاشق" و"الأعمى والأطرش" فهي للقاص والروائي غسان كنفاني(4). وأود أن أشير بداية إلى أن الموازنة بين مكونات الترميز(5)، ومسألة التضمين(6) تبرز في قصة بغدادي أكثر مما تبرز في قصتي كنفاني. وأرتب القصص الثلاث ضمن مقولة السرد حسب الأفضلية وفق الترتيب الآتي: 1ـ العاشق. 2ـ الهزيمة. 3ـ الأعمى والأطرش. كما أرتبها ضمن مقولة الشكل الفني حسب الأفضلية وفق الترتيب الآتي: 1ـ الهزيمة. 2ـ العاشق. 3ـ الأعمى والأطرش. إضافة إلى ما سبق لا بد لي في هذا المجال من الإشارة إلى عامل الزمن، فقد نشرت قصتا "العاشق" و"الأعمى والأطرش" في عام 972 بينما نشرت قصة "الهزيمة" في عام 1986. وبذا يكون الفارق الزمني بين قصتي كنفاني وقصة بغدادي أربعة عشر عاماً. وأما المعيار أو المحك(7) الذي اتبعته في دراسة الشكل الفني فهو اقتفاء الأوجه البلاغية الثلاثة: 1ـ التكرار(8). 2ـ التوازي(9). 3ـ التدرج(10). أما التكرار فأقصد به التكرار اللفظي طموحاً لاكتساب صفة الإيقاع وذلك من أجل التعبير عن عمق وصدق العاطفة، وتأزم الموقف. أما التوازي فيمكن التمييز بين نمطين أساسيين له: توازي الحبكة، وتوازي الصيغ التعبيرية في مجال السرد. أما التدرج فهو عرض حياة كل شخصية ثم تقديم هذه المجالات مفككة مع بعض الإضافات المتدرجة عبر الشكل الفني للقصة. وسأوضح ذلك عند التعرض لمقولة المقاطع في قصة بغدادي على النقيض من قصة "العاشق" لكنفاني الذي استبدل المقاطع المفردة بالتدرج السردي مما مكنه من تعميق دور الراوي الذي كان يتداخل مع دور السارد الذي يتحدث بتاء الفاعل. وبهذه الوسيلة كان السارد يكشف لنا وعي الشخصية فيعبر عن وجهات النظر التي لا يعرف عنها الراوي شيئاً، وبهذا الأسلوب كسب القارئ متعة تلون الزمان بوجهات نظر السارد. *** رغم ما ينشر من قصص، وهو كثير، إلا أن المرء لا يقف على الجيد، وهو قلة، إلا بعد تعب. وإذا المجموعة القصصية لا تضم إلا قصة أو اثنتين حقاً. بل ولا نجد في كثير من الأحيان القاص ذاته إلا في عمل واحد رغم أنه نشر أكثر من مجموعة قصصية. وأمست القصة في السنوات الأخيرة لدى الكثيرين تلامس حدود الخاطرة الصحفية. وظن بعضهم أن الإغراق في تحليل الذات مع تقطيع الجمل وتكرار الغريب منها يمكنهم من كتابة قصة، وهكذا ازداد الحجم الكمي في القصة، وظل النوع قليلاً بل وأقل من القليل. وإذا كان كتاب القصة في الخمسينيات لم يلتزموا كثيراً بالفواصل العديدة بين فن القصة القصيرة وفن الرواية بسبب الحاجة الاجتماعية لتشخيص مرحلة اجتماعية، وكذا القصيدة واللوحة، إلا أن السمة المميزة للقصة الآن أنها لا تهدف إلى تصوير الحياة كشيء كلي(11). وإذا كان الاستطراد هو إحدى سمات القصة في الستينيات بهدف تصوير الحياة الشعبية، وتصوير إنسان القاع الشعبي، وهو يواجه ضغوطاً يومية ومعارك مع المستغلين والإقطاع والحكام، فإن القصة الراهنة لها ملامحها البارزة والجديدة، كأسلوب التداعي(12) وأسلوب المقاطع(13)، وأسلوب الأصوات(14)، وأسلوب الاسترجاع(15). وهكذا فإن القصة في سورية حملت خلال السنوات العشر الماضية ملمحاً جديداً هو جهدها للموازنة بين فن النثر وفن الشعر. وبدءاً من الثمانينات فقد دخلت المرحلة التجريبية وظهرت النزعة التعبيرية البنائية لدى كتاب القصة في إطار الشكل الفني، أما في المضمون فقد ابتعدت عن الفردية المحضة وحملت الهم العام القومي والإنساني. *** الهزيمة هذا عنوان قصة بغدادي. وجمال هذه القصة يكمن في المزاوجة بين شخصيتين هما بطلا القصة: الأول هو زوج عنين والثاني هو كاتب فاشل. وقد اختار القاص أسلوب المقاطع ليطلعنا على تفاصيل الموقف الدرامي. وفي زمن قصصي متوتر، لحياة هذين البطلين. إذن كما أشرت يكمن جمال هذه القصة في حركتين: الحركة الأولى هي القرن أو المزاوجة بين شخصيتي قصته، والحركة الثانية في اختياره العد العكسي لحجم المقاطع التي خصصها لكل شخصية، أي أن القصة، كلما طرحت أمامنا شخصيتها كلما نقص حجم المقاطع إلى أن تلتحم الشخصيتان في مقطع واحد وتنتهي القصة. وتبرز قدرة القاص الفنية عند تناوله لمقاطع القصة التي تعرض بدورها التطور النفسي لبطلي القصة الرجل العنين، المصاب في رجولته، والكاتب الانتهازي الذي فقد القدرة على الكتابة والتعبير بصدق عن نفسه والآخرين. قصة الهزيمة هي قصة مجاهدة النفس المحبطة وابتلاع سكين الخيبة حتى المقبض. نصل رهيف يحز الأحشاء بلا هوادة، أفق مملوء بالخيبة التي تمزق العظام حتى النخاع، تفجر اللوعة دماً فاسداً. أما الكاتب فيسير بنا عبر رحلة مضنية تتكدس فيها المواقف المتناقضة، وتتفرع لتحكي سيرة ذاتية لنموذج واقعي يتجسد فيه مئات من الانتهازيين والدجالين الذين قد يكسبون كل شيء ولكنهم يخسرون شيئاً واحداً هو احترامهم لذاتهم وهكذا تفشل المعادلة. فالكاتب بدلاً من أن يساعد على تحقيق المعادلة الموضوعية المتوازنة التي يحتاجها الناس وبدلاً من أن يقف مع نضالات الفقراء وعذاباتهم وصبرهم وتضحياتهم من أجل أهداف مشروعة في حياة كريمة بدلاً من ذلك يستغفلهم بقلمه، كما استغفلتهم السلطة عاماً إثر عام عبر وعود براقة سرعان ما تبدت أنها خلبية وكاذبة وخادعة. وبدلاً من أن يتحول الكاتب إلى قوة تجتاز الواقع السيئ ويمسك قلمه لكي يحقق الانقلاب على الذات باعتباره الخطوة الأولى الضرورية للتقدم نراه يتقوقع على ذاته وينسحب مهزوماً ليعيش على نهارات ماضيه (المضيئة) حسب رؤيته. ورغم أن نضالات الفقراء إنما كانت تلتقي بصورة مشروعة مع منجزات الحاضر ومكاسبه إلا أن الكاتب يدير ظهره لهذه النضالات وينكفئ على ذاته مجتراً أيامه الماضية مستعيداً صور انتصاراته الكتابية الزائفة في الماضي بدلاً من أن يقلع ثيابه المهترئة من الكذب والتدليس ويرمي بنفسه في نهر الجماهير المتعطشة لكلمة صدق. وبذا يكون سقوط الكاتب الفاشل في هذه الخاتمة التي اختارها بغدادي لبطل قصته سقوطاً شنيعاً ومخيفاً. والشيء الجميل والجديد الذي حمله بغدادي لقصته هذه هو شكلها(16) الفني الذي ضم مقولتي التوازي والتدرج إذ تبدأ المقاطع الطويلة كل مقطع يتناول برهة زمنية من حياة بطلي القصة الزوج العنين جسدياً، والكاتب الفاشل. تبدأ المقاطع طويلة ثم ما تلبث أن تقصر تدريجياً، ويتناسب هذا القصر في المقاطع مع حدة التأزم النفسي للبطلين وتصبح المقاطع قصيرة ومختلطة.. إلى أن تنتهي المقاطع في مقطع واحد لكل شخصية من سطر واحد ثم وبحركة واحدة تشبه حركة "المايسترو" يوحد القاص بغدادي بطليه في مقطع واحد هو نهاية القصة المتوترة. من الذي يعطي السرد في قصة الهزيمة؟ يقول لنا الشكليون الروس وبروب Prop وليفي شتراوس lévi – Strauss أن السرد إما أن يكون مجرد استرجاع لبعض الأحداث، وفي هذه الحالة لا يمكن الحديث عنه إلا بالرجوع إلى فن الراوي، وإما أن يشترك مع أشكال أخرى في البناء، ومن ثم يكون قابلاً للتحليل. هناك من يرى أن النص في "الهزيمة" ينبع من شخص محدد هو القاص شوقي بغدادي، أي المؤلف الذي أمسك بالقلم بطريقة دورية ليكتب قصته. وفي هذا التحليل لا يكون السرد سوى تعبير عن "أنا" خارجي بالنسبة للنص. وهناك من يجعل من الراوي ضميراً شاملاً، لا شخصاً ظاهراً يروي القصة من وجهة نظر عليا بمعنى أن الراوي في آن واحد داخل الشخصيات ما دام يعرف كل ما يدور بداخلها وخارجها، ما دام لا يتمثل في هذه الشخصية أكثر مما يتمثل في تلك. أما وجهة النظر الثالثة فتحدد وجوب أن يقصر الراوي السرد على ما يمكن أن تلاحظه أو تعرفه الشخصيات. وتسير الأمور كما لو كان السرد ينبع من كل شخصية على حدة. ونحن عندما نقول قصة إنما نعني أن الإنسان يسترجع واقعاً معيناً وأحداثاً يمكن أن تكون قد وقعت وشخصيات تختلط من وجهة النظر بشخصيات الحياة الحقيقية. وهكذا تغدو القصة شيئاً متفقاً عليه ولا وجود لها على مستوى الأحداث ذاته. وهي شيء مجرد لأنها تروى دائماً من قبل شخص ما، ولا وجود لها في حد ذاتها. ولما كانت القصة تضم أحداثاً عدة في وقت واحد، "والهزيمة" كأية قصة تلتزم بهذا الشرط فإن الترابط في عناصرها كانت تحكمه طريقتان: 1ـ التسلسل. 2ـ التداخل. ظهرت سمة التسلسل في "الهزيمة" عبر وضع مجموعة من اللحظات الزمنية المختلفة جنباً إلى جنب. عندما تنتهي لحظة زمنية في حياة الرجل العنين، تبدأ لحظة زمنية في حياة الكاتب الفاشل. ومن سمة التسلسل في حياة كل شخصية على حدة نشأت وحدة السرد. والواقع أن السرد في قصة "الهزيمة" بها شيء كثير من التداخل الذي يدخل كل لحظة زمنية داخل لحظة زمنية للبطل الآخر ضمن تركيب يمكن أن نسميه تناوباً. وهذا التناوب يسمح برواية قصتين في آن واحد متوقفاً تارة عند الزوج العنين وتارة أخرى عند الكاتب الفاشل. إضافة إلى كل ذلك فقد اتبع القاص البغدادي في قصته "الهزيمة" "الرؤية مع" وهذا النمط شائع في الأدب. وخاصة في العصر الراهن. وفي هذه الحالة يعرف الراوي نفس الأشياء التي تعرفها الشخصيات ولا يمكنه أن يقدم لنا تفسيراً للأحداث قبل أن تقدمه الشخصيات. ويمكن أن يستخدم السرد ضمير المتكلم أو ضمير الغائب. إن محاولة تقديم الواقع كشيء باطني، ذي ملامسة شخصية لكل واحد منا، إنما معناه الضياع في الفردية. وأن الارتباك الناتج ما بين الذاتية كمادة للموضوع والذاتية كأسلوب، يخرب النظام الذي هو ضرورة من ضرورات الفن وأن الادعاء بأن ما يبتكره الإنسان ليس واقعاً صادقاً إنما هو ببساطة السقوط في هوة اللاحياة ونبذ إحدى أهم التسليات البشرية الممتعة هي تسلية الكلام، وهكذا تغدو لغة الفن، أو بتعبير أدق طبيعته مرتبطة بلغة المستحيل. إنه لأمر حسن أن نقول بأننا منجذبون أو مأخوذون بما نقرأ، وإن تلك التجربة ممتعة، لأننا نعلم بأننا نستطيع إذا شئنا أن نختار الانفصال عن بطلي قصة الهزيمة. وإن كنا ندرك أن من الممكن وجود مثل هذين الرجلين بين ظهرانينا. والواقع أن قيمة قصص شوقي بغدادي بصفة عامة أنها تقدم لنا التجارب على صورة أفكار تصلنا في المقام الأول عن طريق عقل سبق أن محصها ذهنياً(17). عقل طرح نماذجه الفنية داورها، وتناقش معها، اختلف أو اتفق معها ثم طرحها أمامنا حية، تمشي بيننا، منها الشرير ومنها الطيب، شخصيات لها مشاعر وانفعالات، صادقة في جزء وكاذبة في آخر، سوية في وضع وشاذة في آخر. إن قصة "عبر النافذة"(18). في المجموعة ذاتها تعكس بشفافية كبيرة قضية التواصل الإنساني. مفيدة خانم امرأة مريضة في إحدى المستشفيات، امرأة عجوز وتمارس هوايتها من نافذة غرفتها، مراقبة العمال الذين يقتعدون الرصيف بانتظار من يجيء لاستئجار قوتهم الجسدية في رفع الرمل أو صب الإسمنت. ويستقطب نظر مفيدة خانم عامل في الخمسين من عمره من بين تلك المجموعة الشابة من العمال يدخن بكثرة، وهو بدوره يتطلع بين الحين والآخر إلى نافذة المرأة، وذات يوم يتغيب هذا العامل، يغيب يومين.. ومن خلال المونولوج الداخلي لكل من المريضة والعامل نقف على الخيط الإنساني الذي يشكل العمود الفقري لهذه القصة. ذلك الخيط هو خيط التواصل الإنساني والإحساس بوجود الآخر. وهذا ما أكسب القصة شفافيتها المؤثرة. إننا في الحياة الواقعة ميالون إلى أن نقول بأن الأمور تحدث وإننا نبدأ بعد ذلك التفكير بها ولكن خاصية قصة "عبر النافذة" أنها تمنحنا تجربة منجزة مسبقاً. وعليه فإن طبيعة الاهتمام الإنساني، كما يتسنى لكل واحد أن يلاحظ، هي الموضوع الذي يغري القاص (أو الروائي على مدى أرحب) بأن يسعى لتجاهل كل ما يعلمه عن تحديدات الفن. بيد أن تحديدات الفن لا تتضاءل بازدياد معرفتنا، فالفن ربما يخضع لتحديدات مختلفة وأن له دائماً تحديداته من أي نوع كان، ولهذا يمكننا القول إن القاص "بغدادي" لو اختار لقصتيه هاتين أسلوباً غير أسلوب التداعي والمونولوج الداخلي لفشلت القصتان فشلاً ذريعاً. إن أي طالب في الصف العاشر يعرف أن "وليم جيمس"(19) الذي كتب عن تداعي الفكرة في كتابه "مبادئ علم النفس"، قد فشل عندما حاول أن يضع بعض القواعد المعينة للتداعي. فقد وجد نفسه أمام تغير متواصل زئبقي الطبيعة مليء بحشو متراكم من الأشياء والروابط. وهكذا فإن الشخصية الإنسانية ترفض أن تكون أكثر من مزيج خليط متغير من الذوات الكثيرة، وعليه فمن المحتمل أن يعد الفن نفسه إما شيئاً غير أصيل بالضرورة (وهو كذلك) وإما شيئاً أصيلاً بالضرورة (وهو ما ينبغي أن يكون لحد ما). ومن خصائص الوعي أن يتداعى بأفكار أو صور متداخلة حيناً ومنسابة بحكمة حيناً آخر، فكرة بعد فكرة. أو صور يأخذ بعضها برقاب بعض. لكن محاكاة التداعي بكلمات غالباً ما يعوض سلبية المتأمل. إن القارئ وهو يغوص في قصة الهزيمة سيشعر باستغراق المتأمل. أما عندما يقرأ عبر النافذة فسوف يحس باغتراب المتأمل. ومن السير على هذا الوتر المشدود بين محاكاة تداعي الصور بمحاكاة التداعي بالكلمات يولد القاص بغدادي في فنه القصصي التداعي المترابط الذي يخلف لذة الاكتشاف، اكتشاف الذات واكتشاف الآخر، ومن ثم اكتشاف العالم الخارجي. *** "العاشق": وهذا عنوان قصة "غسان كنفاني". والقصة من ناحية الشكل الفني لا تعمد إلى المقاطع بل تعمد إلى التضمين وهي في هذا الشكل الفني أكمل مثل أراه لما وصلت إليه القصة القصيرة في الأدب العربي وما فتحت بعدها من أجواء(20). نطالع القصة بشخصية الراوي الذي يروي بداية الحدث عبر سطرين لا أكثر. ثم نصادف شخصية المختار الذي يتحدث عن رؤيته للشاب بطل القصة داخل الدار عبر سطر واحد ثم يتسلم دفة الحديث بطل القصة.. وعلى مدى عشر سنوات نعيش معه في فراره من الضابط الإنكليزي ثم وقوعه في قبضة يده ذات يوم وفراره منه.. وبين الكر والفر يتولد خيط من الحقد والكراهية ثم تشوب هذا الخيط خيوط أخرى من الإعجاب والدهشة ثم خيوط من التعاطف الإنساني بين الفار والمطارد لوطنيته وبين الضابط الإنكليزي المستعمر. خيط من التعاطف الإنساني لا نصادفه إلا في "صمت البحر"(21) بين الشابة الفرنسية المحبة للموسيقى وبين الضابط النازي الهاوي للموسيقى. يزيد من عمق هذا التضاد الإنساني الشكل الفني عبر مقولة السرد وتداخل أدوار الحديث ولا يستطيع القارئ أن يعرف شخصية المتكلم إلا من تاء الفاعل. وإذا كان القاص "بغدادي" قد أفرد مقاطع قصته بشكل جلي وواضح فإن القاص "كنفاني" دمج فقرات قصته دمجاً عضوياً لا انفصام فيها. ولكن القاص كنفاني في قصة "الأعمى والأطرش" عاد فأفرد المقاطع الطويلة لأبطال قصته. ولذلك لا أرى حاجة للحديث عنها. *** وكي أكون أكثر وضوحاً في تبيان عناصر الجمال بوساطة التكرار في جسد القصة القصيرة فإنني أحب أن أستعين بالموسيقى. قال شومان(22) "يبدو أن شوبرت كان سيحيل الأدب الألماني تدريجياً إلى الموسيقى". وقد اختار هذا الموسيقار الطحانة الجميلة "وهي عبارة عن عشرين مقطوعة للشاعر ويلهلم مولر(23)، اختار الموسيقار تلك المقطوعة عام 1817 ولكنها ظهرت عام 1923، وتتجسد فيها القدرة على إظهار فن الذاتية. فالعنصر المتغير ليس هو حدة الحدث وإنما الأهمية التي تبرز في الخلق الفني الموسيقي لهذه المقطوعة إنما تتمثل في التكرار الثلاثي في اللازمة بعد كل استعادة. وطبقاً للقواعد الكلاسيكية التقليدية تنقسم المقطوعة إلى ثلاثة أقسام، فالجزء الأول ينتهي بالنغمة الخامسة من المقام الرئيسي وذلك تسهيلاً لبدء الجزء الثاني الذي لا يجيء بعناصر جديدة ولكنه يغذي ويقوي الحدث ذاته. وتكون مهمة النغمة الائتلافية Re – Mib(24) ذات هدفين، التهيئة للتغير الصيغي في الجزء الختامي وللجو المؤثر الحزين الذي يحتاجها. وفي الأغنية الثالثة، في رحلة الشتاء(25) قام الموسيقار شوبرت بتكرار نص للمقطع الأخير مع تغيير النسب للتوازن في الأجزاء. وتتميز الأغنية بتقلبات مقامية يتموج اللون الأساسي فيها بين تحويلات مقامية. وتتوزع المازورات فيها عبر ثلاث نوتات تتآلف بدورها على المقام الأساسي. في الغناء العربي نقف على مثال بارز إزاء مقولة التكرار في أغنية الجندول للموسيقار محمد عبد الوهاب إذ يعمد الموسيقار في هذه الأغنية إلى مقولة التكرار المتدرج في مقطع. "أنا من ضيع في الأوهام عمره". يصل التكرار في أقصى درجاته إلى سبع مرات ويلون الموسيقار التكرار الهابط من ست مرات إلى المرة الواحدة. إن عنصر الجمال الفني في قصتي الهزيمة والعاشق، وفي مقطوعة "الطحانة الجميلة" وفي أغنيتي "الدموع الباردة" و"الجندول" هو ما يكسب هذه الأعمال قيمة عميقة يحس بها الإنسان المتذوق، ويقف على مكامن الجمال والمتعة. دمشق آب 1991 الهوامش أعتمد هذه الهوامش كجزء لا ينفصل عن النص. لذا أرجو قراءتها بتمعن فما يتجاوزه النص تتناوله الهوامش. "الكاتب" (1)ـ القصص الثلاث هي على التوالي: الهزيمة لشوقي بغدادي ونشرت في مجموعة قصصية عنوانها "مهنة اسمها الحلم" ص41ـ ص57. مطبوعات اتحاد الكتاب العرب دمشق 1986 أما القصتان الثانية والثالثة فهما "العاشق" و"الأعمى والأطرش" لغسان كنفاني. وقد نشرتا في مجلة شؤون فلسطينية العدد رقم 16 كانون الأول ص 88ـ ص 127 عام 1972. (2)ـ كتب هذا البحث كورقة لشهادة الدكتوراة بإشراف المستشرقة Suzan Stetcovitch Indiana Univetsity. U. S. A (3)ـ قاص وشاعر سوري. عضو اتحاد الكتاب العرب، جمعية الشعر. ولد عام 1928 ودرس في كلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة دمشق. مارس التدريس إلى أن تقاعد. شارك في معظم المؤتمرات الأدبية العربية والمهرجانات العربية الشعرية. عضو مؤسس في رابطة الكتاب السوريين في أوائل الخمسينات. له حضور أدبي وهو محط احترام وتقدير الساحة الأدبية العربية. له 8 ثمانية دواوين شعرية وثلاث مجموعات من القصص كتابان للأطفال. (4)ـ غسان كنفاني قاص وروائي فلسطيني. استشهد عام 1972 بعد تفجير سيارته بيد عملاء إسرائيليين في بيروت. عاش في دمشق فترة ثم عمل في الكويت ثم عمل في صحافة بيروت في جريدة المحرر ثم الأنوار ثم أنشأ مجلة "الهدف" التابعة لتنظيم فلسطيني يشرف عليه د. حبش له عدد من الروايات البارزة أشهرها: "رجال تحت الشمس". (5)- Symbolisatiou. (6)- Connotation. (7)- Critique. (8)- The repetition. (9)- The Parallelism. (10)- The Graduation. (11)ـ الواقع أن القصة ليست غريبة عن العقل العربي. ذلكم أنها فتحت قبل الإسلام أوسع باب للأدب العربي وأغربه. وقد عزا الباحثون هذه الوفرة في النتاج القصصي إلى طبيعة الإنسان العربي المتميزة بسعة الخيال وانطلاقة الفكر وطواعية لغته الجميلة (انظر تاريخ الأدب العربي) شوقي ضيف. وقد أورد القرآن الكريم قصص الأنبياء والملوك والأمم والأحداث الجسام بلغة عربية فلم يجرؤ أحد على القول بأن هذه القصص إسلامية لكونها بلغة العرب المسلمين، ولا عكست أجواء إسلامية، بل ظلت على جاهليتها. أما بالنسبة للقصص العربية التي تتحدث عن ماض سحيق وزمان غابر فإننا نصطدم بسؤال: من الذي قام بتنسيق هذه القصص وروايتها بأسلوبها الذي استقر به في يد العلماء في القرن الأول الهجري وما بعده؟ لقد خرجت المقارنات والاستنتاجات بأن جميع الآداب القديمة كانت ملكيتها الأدبية الأولى تعزى إلى مؤلف مجهول لكنها أولاً وأخيراً ملك الأمة التي ابتكرتها وابتدعتها وخلقت أحداثها، إلا أن ذلك المؤلف المجهول الذي يعد من أبناء الأمة النابهين استطاع أن يمثل قومه خير تمثل فوضع اللبنات الأولى لها، ثم استجابت الجماهير له فتبنت القصة وراحت تستعيدها في ذاكرتها تحذف أو تضيف. وخير من فعل ذلك هو أبو عبيدة معمر بن المثنى 209 هـ حيث جمع قصص "أيام العرب" بنثرها و شعرها وجعلها في كتاب يضم ألفا ومائتي يوم من أيام العرب. وكذلك ابن إسحق 150هـ الذي قام بعملية جمع كبيرة لقصص الأنبياء والأمم ودونها في السيرة المعروفة باسمه. كما فعل ذلك ابن هشام 219هـ الذي اختصر هذه السيرة. وهناك أيضاً عبيدة بن شربة 70هـ ودغفل النسابة 60هـ وأبو عمرو بن العلاء 154هـ والمفضل الضبي 165هـ ويونس بن حبيب 170هـ. وتزخر كتب المؤرخين كالمسعودي والبلاذري والطبري وابن الأثير بقصص وأحداث كثيرة من قيام دول وإمارات إلى وقوع فتن وحروب وعقد أحلاف ومفاوضات. بل لا بد لي في هذا المجال من إيراد جدول مقارنة بين شخصيتين قصصيتين هما جلجامش وعمليق بن سام الأول بطل ملحمة جلجامش والثاني بطل يوم اليمامة. ملحمة جلجامش: 1ـ جلجامش ملك أوروك الذي كان في البداية يظلم قومه بالاستيلاء على حقوقهم حتى العذارى قبل أن يحملن إلى أزواجهن. 2ـ ثلثاه إله وثلثه الباقي بشر. 3ـ جده أنوبشتم صنع الفلك يوم الطوفان وكوفئ بالخلود. 4ـ أنكيدو، تستثيره بغايا المعبد المقدسات ليقتل جلجامش ويخلص حرائر النساء من العبودية. 5ـ أنكيدو بدأ متوحشاً في الغاب والجبل وانتهى صديق لجلجامش. 6ـ الرحلة على سفينة عبر بحار الموت وهي سفينة أسطورية ولا يخفى ما بين سفينة الصحراء وسفينة البحر من علاقة مشابهة. يوم اليمامة: 1ـ عمليق بن سام ـ ملك اليمامة الذي كان يمارس نفس الظلم مستولياً على كل فتاة تزف إلى بعلها. 2ـ كان فيه تقديس، وكان جده نوح وكان نبياً قديماً عاش أكثر من ألف عام. 3ـ جده نوح صنع الفلك يوم الطوفان وأعطي عمراً مديداً. 4ـ الأسود بن غفار تستثيره أخته بأن تخرج له في صورة بغي ومعها النسوة ليخلص الحرائر من الاغتصاب. 5ـ الأسود بدأ صديقاً لعمليق وانتهى قاتلاً له واحتمى بالصحراء والجبل متوحشاً فقتله الطائيون. 6ـ الرحلة غامضة لكن الطائيين وصلوا الجبل يقودهم جمل أسطوري وهو يقابل سفينة ملحمة جلجامش.1 وحفلت قصص العربية النثرية والشعرية على حد سواء بأصالة التعبير اللغوي وبالشواهد العلمية والمشاهد العربية بكل قيمها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها. أما أهم المظان التي احتوت على موجزات وافية للأيام فهي نقائض جرير والفرزدق المنسوب لأبي عبيدة والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والعقد الفريد لابن عبد ربه والفاخر للفضل بن سلمة بن عاصم، وشرح المفضليات لابن الأنباري وشرح الحماسة للتبريزي والأمثال للميداني والكامل في التاريخ لابن الأثير ونهاية الأرب للنويري وخزانة الأدب للبغدادي. ويرى الناقد شكري محمد عياد(1) أن الأدب العربي عرف ألواناً من فن القصة كفن الخبر والمقامة، ويشير إلى رسالة الغفران لأبي العلاء المعري. وهناك الكثير من موروث القصة الشعرية(2). كل ذلك يدل بلا أدنى ريب إلى أن فكرة القصة في النثر العربي ليست حديثة. غير أن التطور الذي حصل عليها تم في إطار الشكل في المراحل الأولى ومن ثم في تقنية السرد في المراحل اللاحقة. ولكن السرد وحده لا يشكل قصة، فما يشكل قصة هو مجموعة من عناصر(3): التخيل ـ السرد ـ الشخصية ـ القصد أو المعنى ـ وجهة النظر أو المنظور السردي ـ التصميم أو المعمار الفني.2 (1) القصة القصيرة في مصر ـ دراسة في تأصيل فن أدبي ـ دار المعرفة القاهرة ط2ـ 1979 شكري محمد عياد. (2) تكوين القصيدة في شعر أبي تمام مجلة آفاق عربية عدد 1 أيلول 1979 ـ سوزان ستينكيفتش. (3) عناصر القصة ـ دار طلاس دمشق 1988 روبرت شولز. (12)- Free Essociation Style. (13)- Episodestyle. (14)- Voice Style. (15)- Flash back Style. (16)ـ تندرج في هذا الإطار قصة "الثلاثيات" للقاص "جمعة اللامي". وعبر الثلاثيات نلتقي وجهاً لوجه وبصورة مباشرة مع شخصية واحدة تكررت من خلال البطل الرئيس. فالبطل في كل ثلاثية هو نفسه دائماً. وتتركز الثلاثيات حول محور واحد يتصاعد متطوراً خلال الأحداث والصراعات لتنبثق بعد ذلك شخصية مستعدة للارتماء في نهر الثورة والاغتسال فيه. وكذلك قصة "احتضار الرسام" التي كتبها القاص "محمد خضير". (راجع مجلة الأقلام العراقية عدد 12 أيلول 1979) ولا بد في هذا المجال من الإشارة إلى قصة "المتعري" التي ترجمها الناقد يوسف اليوسف ونشرت في مجلة الآداب الأجنبية الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق العدد 2 السنة الثانية 1975 غير أن الشكل الفني في قصة المتعري يقسم الصفحة إلى قسمين أعلى وأسفل وفي كل قسم يقرأ القارئ أحداثاً ووقائع متزامنة. (17)ـ إن قصة "فرنك أسود" التي نشرها القاص بغدادي في مجموعة "درب إلى القمة" هي تكثيف شديد لقساوة الحياة التي تثقل كاهل طفل صغير. صديقان يسيران في الشارع يتبادلان الحديث، ينط أمامهما طفل صغير. ويحاول بيعهما علبة ثقاب بطريقة هي اقرب إلى الاستجداء. يسأله أحدهما ويحاوره ويعرف أن ثمن علبة الثقاب هو فرنك واحد. فيمد يد إلى جيبه ويلتقط فرنكاً.. وبدلاً من أن يعطيه الفرنك يرمي له الفرنك على أسفلت الشارع. فيتدحرج الفرنك، يركض الطفل وراء الفرنك لالتقاطه فتصدمه سيارة عابرة مسرعة وتنهي حياته. لقطة مكثفة شديدة التأثير من خلال صورة يد طفل تقبض على فرنك غدا لونه أسود مثل لون الأسفلت لون أسود هو لون حياة كل طفل مثل طفل القصة وبالتالي حياتنا نحن سوداء. لقطة مكثفة لا توازيها في القصة العربية إلا قصة يوسف إدريس عندما صور الطفلة حاملة طبق الحلوى. طفلة تكلفها سيدتها بحمل صينية حلوى لإيصالها إلى الفرن القريب، وفي الطريق تقف الطفلة تتفرج على أطفال الحارة الذين في مثل سنها وهم يلعبون بالطابة دون أن تستطيع مشاركتهم اللعب ولكنها سرعان ما تعود إلى واقعها المؤلم وتتابع سيرها.. وحلم اللعب الطفولي يحتل ذهنها الصغير، طفلة محرومة من طفولتها. (18)ـ قصة من مجموعة "مهنة اسمها الحلم" ص105. (19)- The Principles of Psychology P. 263 – William James Collier – Macmilln London 1962. (20)ـ أبرز مثال على التأثر بقصة العاشق نجده لدى القاص "نواف أبو الهيجا" في قصة "أنت خط الاستواء" مجلة الأقلام عدد 2 تشرين الثاني 1979. كما أن الأجواء الجميلة التي عشناها في قصص "جمال الغيطاني" و"عبد الحكيم قاسم" وآخرين تدين في رأيي الشخصي إلى الشكل الفني الذي اتبعه القاص كنفاني في قصته العاشق هذه. ولا شك أن الغيطاني وقاسم يطولان في مقاطع التداخل ويسهبان وذلك ما يستدعيه فن الرواية. وهذا السرد القصصي والشكل الفني اللذان تزاملا في قصة "العاشق" يردان لأول مرة في حدود ما أسفر بحثنا عنه في هذا النطاق. وتقول زوجة الروائي كنفاني: "كان غسان كنفاني يعمل ويكتب جزءاً من روايته التي لم تكتمل حول فلسطين وهي "العاشق" والتي أراد فيها أن يكتب عن كل النضال الفلسطيني منذ إرهاصاته الأولى ضد السلطات البريطانية والقوى الصهيونية حتى النضال الثوري من أجل تحرير فلسطين. ولقد ظلت تلك الفترة تعيش في ذهنه لسنوات عديدة، ولأجلها التقى بأشخاص من مختلف بقاع فلسطين، في المخيمات وأماكن أخرى بمن فيهم الرجال الذين قاتلوا إبان الثورة من 1936ـ 1939 وما زالوا يقاتلون. كان يخطط لإنهاء رواية "العاشق" خلال صيف 1972. نشر جزءاً منها في الوقت الحاضر وهي بالنسبة لمن يقرأها عمل رائع ممتع". "آني كنفاني" مجلة الأفلام عدد 3 كانون الأول 1978 (21)ـ رواية لفنان تشكيلي فرنسي ساهم في مقاومة المحتل النازي وكتب باسم مستعار "فيركور". (22)ـ موسيقي ألماني (1810ـ 1856). (23)ـ شاعر جوال ألماني. (24)ـ علامة الدييز كما نعرف هي علامة رافعة، وهي ترفع الدرجة الموسيقية نصف درجة أو بعد. (25)ـ يطلق على هذه المقطوعة أيضاً اسم "الدموع الباردة". 1 يحاول الباحث والأديب علي عقلة عرسان في معظم كتاباته البرهنة على وجود مسرح عربي أصيل. 2 يرى القاص عبد الله أبو هيف "أن تاريخ القصة العربية الحديثة لدى أغلب نقادها وباحثيها هو استقامتها على النمط الغربي (تمثل فكرة الغرب) عن القصة كما ظهرت في تاريخه الأدبي، ولكن الفنان العربي اكتشف في سياق وعيه لذاته، أن لديه مخزونه الهائل من النثر القصصي والأشكال القصصية وأنه يستعمله، وإن لم يعترف به". مجلة الوحدة العدد 58ـ 59 يوليو أغسطس 1989. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |