مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

زهُور بريّة ـــ نيروز مَالك

حين يفتح الإنسان ذراعيه يستقبل الدنيا، يرسم ظله علامة الصليب.‏

أراغون‏

سألوا الأستاذ زهير عن أسباب عدم حضوره درس اللغة الأجنبية، وكان يتمشى مع أحد ضيوفه في ممرات المعهد المعشوشبة، يحدثه بلغة تحمل بين طياتها مشاعر الاعتداد والرجولة فتسمر في مكانه وهو مندهش من سؤالهم، ثم سأل بقلق: "من أنا؟". ثم تساءل: "ولكن ما هو اليوم؟".‏

أجابوه بصوت واحد: "إنه الخميس..".‏

هتف بشيء من الرعب: "ماذا؟ خميس!".‏

أجابوه: "نعم..".‏

سألهم: "وهل حضرتم الدرس؟".‏

أجابوه: "طبعاً، وكان درساً ممتعاً.."‏

ثم داعبه أحدهم بقوله: "هذا وقد سألت عنك المدرسة، وعن أسباب عدم حضورك؟". وعلق آخر: "وقد أعربت عن خوفها، من أن تكون زعلان منها؟".‏

أجابهم: "أنا!". ولم يصدق ما سمعه منهم، فاندفع في تساؤله: "أحقاً سألت عني؟".‏

ضحكوا معاً وأجابوه: "ماذا؟ هل تريد أن نقسم لك؟".‏

دار حول نفسه وقال: "أنا أصدقكم لأنني.. اللعنة! كيف نسيت.. أبوك على أمك يابنت الكلب!".‏

طبعاً، استغربوا شتائم الأستاذ وهو يدور حول نفسه، يبتعد عنهم خطوة أو اثنتين، ثم ما يلبث أن يعود إليهم، وفي عينيه حزن وحيرة وقلق، ومزيج آخر من المشاعر.. تابع الأستاذ زهير شكواه: "لقد دوختني.. منذ ليلة أمس وهي تنق وتثرثر. لقد يئست منها.. لولا الأولاد، أقسم بربي لطلقتها.. اللعنة!".‏

توضحت لهم الصورة وعرفوا بذلك من يشتم. تابع "لقد دوخت رأسي.. صباح اليوم بطلباتها.. هي التي كانت السبب في نسياني درس اللغة، هذا اليوم.. اللعنة على..".‏

كانوا واقفين لا ينبسون بحرف. يستمعون إليه. ولكنهم لم يعرفوا إن كان يحدثهم أم يحدث نفسه، أم يتحدث مع زوجه. لذا تراجعوا قليلاً إلى الوراء. أو بالأحرى أخذوا يسترجعون بعض الذكريات عن...‏

***‏

حضر الأستاذ زهير درس اللغة الأجنبية ابتداء من الدرس الثالث. كانوا قد تعلموا الحروف بأشكالها الكتابية والمطبعية كافة. استغربوا أول الأمر! لماذا سيحضر هذا الرجل الخمسيني دروس اللغة؟ فأخذ كل واحد منهم يجيب عن التساؤل. إنه موظف في المعهد.. أضاف آخر قد يكون للرجل طموح في تعلم اللغات؟ أردف ثالث، القضية وما فيها، إن رجلاً يريد تعلم لغة جديدة. ماذا فيها؟ ثم قالوا لأنفسهم، مالنا وما للرجل؟ ليحضر.. فهو لا ينافسنا على حصتنا من اللغة. ثم ما لبثوا أن أقاموا معه جسراً من الصداقة... صحيح هم في سن أبنائه، ولكنهم استلطفوه..‏

كان الأستاذ زهير يعرف شيئاً من اللغة الإنكليزية فيحاول أن يتشاطر كطفل صغير في تقديم معلوماته أمام المدرسة الأجنبية. كانت تقول له: "حاول أن تنسى اللغة الإنكليزية في أثناء تعلمك اللغة الجديدة...".‏

حاول ذلك عن جد، ولكنه لم يستطع التخلص من روح المظاهر والتظاهر بأنه يعرف لغة أجنبية.. ففي الدرس الأول لحضوره ابتسمت له المدرسة وقالت: "حاول أن تأخذ دفتر أحد زملائك وتنقل منه المعلومات التي فاتتك خلال الدروس السابقة..".‏

هو لم يسألهم في ذلك، إنما أخذ يتقرب من المدرسة، من أجل أن تقدم له المعلومات التي فاتته، فلم تمانع في ذلك..‏

كانت المدرسة بضة اللحم، شقراء كخيوط الشمس، جميلة.. يسيل اللعاب لجمالها. أخذت تهتم به لكي يعوض عن الدروس التي فاتته..‏

أخذوا يضحكون وهم يلاحظون حالات تأنقه الجديدة، ورائحة العطر المنبعثة منه، والقمصان البيضاء، وربطات العنق الحريرية. فقد تغير الأستاذ زهير تماماً!‏

كان الأستاذ الذي عرفوه سابقاً، مثال الموظف الروتيني ليس في عمله فقط. إنما في لباسه أيضاً، وفي اكفهرار وجهه منذ الصباح حتى لحظة انصرافه. التفت بعضهم إلى بعض وتساءلوا، ماذا في الأمر؟ ماذا حدث؟ فهم يرون انقلاباً في حياة الرجل. وعندما أخذ يخفف دمه كما يقولون، أمام المدرسة، عرفوا الأسباب فالتفت أحدهم إلى الآخرين وقال: "على ما يبدو عرفتم الآن أسباب الانقلاب؟".‏

تابع آخر: "إنه ببساطة واقع في الحب..".‏

كانت المدرسة تحاول أن تساعده في تعويض الدروس التي فاتته. أما الأستاذ زهير ففهم الأمر، على ما يبدو، بطريقة أخرى، فهم أنها تحبه..‏

وتساءل، وهو واقف أمام المرآة في البيت، لماذا لا تحبه؟ طول وعرض وأكتاف وشاربان، وموظف في المعهد من الدرجة الأولى؟‏

كان يبلع ريقه كلما نظر إلى المدرسة، فيرى لحم بطتي ساقيها، أما شعرها الأشقر اللامع فيثير في نفسه أحلاماً قديمة، عمرها أكثر من ثلاثين سنة.. ثم.. هكذا كان يظن، إن المرأة الأجنبية، إن أحبت رجلاً فهي لا تبخل.. ويسيل لعابه.‏

راح يؤكد على أنها تحبه، لو لم تحبه لما اهتمت به كل هذا الاهتمام، لقالت له: "اذهب وادرس لوحدك، أو حاول أن تعوض ما فاتك من المعلومات من زملائك..".‏

ويضحك ساخراً في نفسه، وأي زملاء هؤلاء، إنهم بمثابة أبناء له. ثم هز رأسه بأسى وهو يتذكر زوجه ومطالبها، وثرثرتها. اللعنة!‏

دار حول نفسه وهو يقول لزوجه، أو هكذا بدا من كلامه، أرجوك.. ابتعدي عني.. افهميني.. دعيني يوماً واحداً من دون طلبات، أنسي أن لك زوجاً ليوم واحد فقط.. فلم تعد لدي القدرة على تلبية طلباتك وطلبات أبنائك..‏

تصرخ زوجه في وجهه، طبعاً. هم أولادي فقط. كأنهم ليسوا أبناءك..‏

ويقاطعها، يا امرأة لا تفهميني خطأ. أنا لا أقصد ما ذهبت إليه. ولكن ما قصدته أن تدعيني، أن تتركيني لحالي ولو يوماً واحداً!‏

***‏

وفي لحظة محددة وهم يرون شروده التام عنهم، أحسوا بالتعاطف الكبير نحوه. رأوه حزيناً، مخضوضل العينين.. ففي تلك اللحظة التي أطرقوا فيها رؤوسهم متعاطفين معه، كان الأستاذ زهير يتساءل، ماذا حدث للدنيا؟ كيف تغيرت؟ متى تغيرت هذا التغيير؟ ويجيب، لا بد أنها تغيرت في لحظة غفل هو عنها، فأصبح غريباً عنها! ليس هذا فقط، إنما غريباً عن زوجه وأولاده، غريباً عن الأصدقاء، وعن كل شيء يمت بصلة إلى الحياة! هو الذي، قبل أن يلاقي المدرسة الأجنبية، كان يظن بأن أموره تجري بشكل طبيعي لا شذوذ فيه.. وفجأة تنقلب الدنيا لديه رأساً على عقب. يشعر بغربته، يشعر بغربة فظيعة لا تطاق..‏

ويرجع الأستاذ زهير قليلاً إلى الوراء ويتساءل، ماذا حدث؟ وكيف تم ما تم؟ فيتذكر حبه لزوجه قبل الزواج، تذكر فرحته الكبيرة عندما جاء ابنه الأول إلى الدنيا. شعر مع مجيئه بأن قدميه تثبتتا على الأرض وأصبحت أكثر صلابة تحتهما... ولكن، ماذا حدث بعد ذلك؟ جاء الولد الثاني والثالث.. إلخ. كان يمارس الجنس في كل ليلة، ثم أصبح يمارسه كل ليلتين، ثم كل أربع ليالي، ثم كل أسبوع.. ثم... يحاول أن يتذكر متى مارس فيها الجنس آخر مرة؟؟؟‏

يعود ويتساءل، ماذا حدث؟ لماذا أخذت زوجه ترهقه بمطالبها في الشراء؟ يتذكر، كيف كان يعمل قبل الظهر، وبعد الظهر، وفي البيت من أجل أن يلبي حاجات الأسرة... ويغرق في الديون وتسود الدنيا أمام عينيه، وتموت الحياة بداخله، تموت الرغبات لديه، تموت لديه حتى رغبة الجنس.. هذه الرغبة الخالدة لدى الإنسان.‏

كان، في بعض الأحيان، يفسر الأمر، بأنه أصبح كهلاً، إنه يقارب الخمسين من العمر.. ولكنه كان يستغرب، كيف يحس بالدفء والحرارة عندما يتحدث مع امرأة أو فتاة.. ممتلئة بالأنوثة! ويتذكر إحدى الليالي التي قضاها مع بعض أصدقائه مع امرأة، يتذكر كيف عادت إليه حيوية الشباب، وكيف؟؟؟‏

أما مع زوجه فكان يجبر نفسه على ذلك، لأن واجباً زوجياً ثقيلاً عليه القيام به، فينفذه من دون رغبة، وبآلية... هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كيف كانت زوجه تطالبه بكذا، وكذا... ثم تردف، هاهي أم عدنان.. زوجها يجلب لها لبن العصفور! ماذا، هل هي أجمل مني؟‏

ويجن الأستاذ زهير، يدير لها ظهره ويبكي وهو يقول، أبوس إيدك أن تكفي عن ذكر الأسماء. دعيني من الناس. ثم ما يلبث أن يتلعثم أمام شراستها فيهرب من البيت، يضرب في الشوارع ولا يعود إلا في آخر الليل..‏

يعود ويتساءل، كيف حدث ما حدث؟ كيف مات ما مات؟ كان يظن أن حبه لزوجه خالد إلى الأبد! هاقد خاب ظنه، هاهو حلم ينبثق من بين طيات سني عمره من جديد، ذلك الحلم الذي يراوده منذ سنين، حلم عن عالم مؤلف من الحب والدفء، عالم من ألوان والأحلام... فذهب يبحث عنه، كان يظن أن مثل هذا العالم غير موجود، وبحثه عنه هو عبث بعبث، كان يقول لنفسه بأسى، لقد مضت حياتك إلى الأبد. لقد ماتت! ثم أخذ يحس بدبيب اليباس في حياته، دبيب الخراب.. ولكن هاهي الحياة تطل، فجأة، من وراء الخراب واليباس والموات. تطل المدرسة الأجنبية كطائر العنقاء.‏

هاهي المدرسة تحمل إليه الزهور والشمس والقمر والأشجار! هاهي تقترب منه، ترمي بهذا العالم الخلاب بين يديه!‏

أما هو فينفض الغبار عن نفسه، يبعد الموت عن طريقه، يحس بالعشق يزهر على راحتيه وأطراف أصابعه..‏

يلتفت حوله حائراً، يتساءل، ماذا يفعل؟ فالذنب ليس ذنبه. إنه ذنب قلبه الذي عاد إلى نبضه من جديد، عاد إلى غنائه ثانية..‏

أيعقل؟‏

لماذا لا يعقل؟ قال ذلك عندما أحس بأن المدرسة الأجنبية توده، وفي اللحظة الثانية شعر أنها معجبة به، وفي اللحظة الثالثة أحس بأنها تحبه.. لا بل تعبده!‏

أيعقل؟‏

لماذا لا يعقل؟‏

وأنت هل تحبها؟‏

كان يعرف أن الجواب عن سؤاله بسيط وفي الوقت نفسه صعب. نعم أنا أحبها..‏

***‏

ومن هنا بدأت مغامرته الكبيرة. بدأ يهتم بنفسه، بدأ بحلاقة ذقنه كل يوم..‏

فأثار هذا انتباه زوجه، فسألته: "لماذا؟".‏

أجاب: "إنه المدير الجديد. فهو عسكري متقاعد، لذا يتصرف معنا كأننا جنود. فيطالبنا بما كان يطالب به جنوده.. لهذا علينا، نحن موظفيه أن نلحق ذقوننا في كل يوم. ونرتدي ثيابنا بإتقان، ونصبغ أحذيتنا ونلمعها..". ولم يسأل إن كانت زوجه قد صدقته أم لا؟ التمست الصمت فقط. فراح ينظر إلى المدرسة الأجنبية في أثناء الدرس فيعود ويتساءل بعد أن يأخذه الشك، أيمكن لهذه المرأة أن تحبه؟ ويجيب بتردد. ولِمَ لا.. ولكن؟‏

يصمت...‏

يخرج من ذاته على أثر سؤالهم: "ماذا يا أستاذ زهير ألا تريد الذهاب والاعتذار منها، لعدك حضورك درس اليوم؟".‏

يجيب بحماسة: "نعم.. علي أن أذهب علي أن أعتذر منها، يجب أن أطلب منها درساً خاصاً لأعوض عما فاتني اليوم.. ثم..". ويريد التحرك إليها. ولكنه يتذكر، إن الأجانب يحبون الزهور.. إذن؟ ويلتفت حوله، يبحث عن الأزهار. يجب مع تقديم الأزهار، اعتذاره، أن يقدم لها باقة صغيرة من الزهور، أو زهرة على الأقل.. ولكن أين الزهور في هذا الصباح؟ يلتفت ويدور حول نفسه، فيرى أمامه زهوراً برية صغيرة، نضرة منتصبة فوق رابية تواجه باب المعهد. انتعش، أحس بالفرح وهو يقول لهم: "نعم.. يجب أن أذهب إليها لأعتذر منها..".‏

مشى فوق ممر حصوي بين المرج الذي يحيط بالرابية، وأمر واحد في رأسه، يجب أن يقدم للمدرسة زهرة. هل ستقبل منه الزهرة؟ لا يمكن أن تعتذر منه.. ومشى إلى الأمام، تركهم وراءه حتى أن الضيف الذي كان معه منذ حين نظر إليه باستغراب وتعجب، وتساءل: كيف ذهب دون أن يودعه.‏

كان الأستاذ زهير يحس بدق عنيف في صدره، وهو يتقدم باتجاه أبواب المعهد، وأعصابه تشتد، يدور بين الممرات وهو ضائع، يقصد غرفتها وهوي بني أحلاماً كبيرة بحياة جديدة، ودم جديد، ومشاعر أخرى جديدة.‏

ظلوا ينظرون إليه حتى اختفى داخل المبنى، ثم لمحوه من وراء الزجاج يقصد غرفة المدرسة الأجنبية، يدخل إليها، يقف أمامها..‏

رفعت نظرها إليه، فدهشت للزهرة التي وضعها تحت أنفها.. انكمش على نفسه عندما رأى الاستغراب والدهشة في عمق عينيها، ولمعت في ذاكرته، تلك اللحظة التي قدم فيها زهرة إلى زوجه قبل ثلاثين سنة. لم يجد في عينيها هذا الاستغراب والدهشة.. زوجه أطرقت خجلاً بعد أن احمر وجهها. أما المدرسة فلم تطرق، إنما نظرت إليه، وقالت بصوت حيادي تماماً: "أشكرك.." ثم تابعت ما كانت تقوم به من عمل..‏

ظل واقفاً، يريد من المدرسة أن تتابع الحديث معه، ولكنها استمرت في عملها.. ما لبثت أن رفعت رأسها باستغراب عندما لم ينصرف، فابتسمت له وقالت: "أنت طالب كسول.. اذهب إلى زملائك وحاول أن تنقل درس اليوم بكامله..". وعادت من جديد إلى عملها..‏

ظل واقفاً يحاول أن يقتل مشاعر الخيبة التي راحت تطل على حياته من جديد....‏

ليلة 30ـ12ـ1987‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244