|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
واحِدة.. واحِدة إلى خالد.. في بيروت ـــ جَمال عَبود بدءاً أعترف بأن ما سأرويه لكم قد يبدو غير معقول للكثيرين منكم، وأزيد أيضاً أن ثمة بينكم من سيتهمني بالتحامل والاختلاق، وقد يذهب بعضكم إلى حد الزعم باتهامي بالتطرف إلى درجة الطوباوية، وعليكم أنتم أيضاً أن تعترفوا، كما اعترف كثير قبلكم، أن ثمة الكثير مما يجري حولنا ـ هذه الأيام، وقبلها بأيام كثيرة أيضاً ـ هو مما لا يقبله عقل، ولا يقره منطق. على هذا فإن ما سأرويه لكم لا يبدو معقولاً أو صحيحاً، أو وواقعياً، إلا ضمن ظروفه ومعطياته هو، وبالتالي لا تتعبوا أنفسكم في محاولة إسقاطه على بلد ما أو ظرف ما، ولا تذهب بكم الظنون فتعتقدون في لحظة من لحظات التجلي، أو الخداع المغري، إن هذا الحديث يعني فلاناً أو سواه ممن تعرفون وأعرف من الناس المعروفين. نحن الآن في بلد طارت شهرته في بلدان العالم كلها، وأعني بقولي الآن وقت وقوع تلك الحادثة، أو وقت بداية وقوعها، وإذا اكتشفتم معي أن هذا البلد إنما نال شهرته لا لشيء إلا لكثرة ما سال من دماء أبنائه، فإني أحذركم مجدداً من محاولة التفتيش عنه بين البلدان التي تعرفونها، فدماء الأبناء غالية على بلدانهم، ومحاولة الزعم بوجود بلد يسخو بدماء أبنائه، ويهدرها بشكل مجاني هي خيانة وطنية، وأنا لن أرحم الخائن منكم، والذي ستفضحه نظرات عينيه، قبل أن يجرؤ على التفوه باتهام ما، أو التلفظ باسم بلد ما. وها إني أحذركم منذ الآن: خبرتي باكتشاف الخونة تكاد تجعلني واحداً منهم، وهذا ما تعرضت له بالفعل.. ولأكثر من مرة. والمهم يا أصدقاء، وثقوا بأن حكايتي لا علاقة لها بالخيانة ولا بالخائنين، المهم أنني وجدت نفسي هكذا بالمصادفة وحدها واحداً من أبطال تلك الحكاية، علماً بأنني ـ واسألوا كل من يعرفني ـ ما فكرت قط بأن أكون بطلاً.. ولو لحكاية وهمية. بدأ ذلك بالمصادفة وحدها ـ هكذا كما أسلفت لكم ـ فحين كنا نمضي يوماً من النزهة الجماعية، وحين تطوعت ـ بحكم ولائي لكل جهد جماعي مفيد، شرط ألا يكون مجهداً.. ولا عنيفاً ـ في تقليب اللحم على نار الفحم، وحين احترق بعض ذلك اللحم، وأسكت نهمي الخاص ببعض اللحم غير المحترق، وحين جاءني دون دعوة صاحب الدعوة الذي لم شملنا ونقلنا بسيارته وتبرع لنا بأدوات الشي ولوازمه، وحين عرض علي المساعدة وأبديت له إلحاحي على الاستمرار بأداء واجبي، عند ذاك فقط بدأت وقائع حكايتي.. فيما أعتقد. فالرجل هو الذي سألني وقتها عن صديقنا خالد، "لماذا لم يأت..؟!" وهل صحيح أنني دعوته..؟. وهل صحيح أنني ألححت عليه..؟! غير معقول...؟! فخالد لا يرفض دعوة.. خصوصاً إذا كانت مع الشلة"، وبصراحة لم يدع لي مجالاً إلا أن أسكته بتلك الصفعة التي ظننتها كافية لأن يفقد وعيه. فقد قلت له وأنا أتصنع الانشغال بما بين يدي: ـ صاحبك خالد يا سيدي مغروم، وليس على العاشق حرج. ـ مين..؟ سمارة. ـ؟. ـ نعم سيدي سمارة. ـ والله قلبي حاسس. ثم بعد صمت قصير أضاف: ـ على كل حال الموضوع عندك.. ـ عندي أنا..؟!. وطبعاً فاجأني قوله هذا فتركت ما بين يدي وأقبلت عليه مدفوعاً بفضول جارف: ـ عندي أنا..؟! ـ نعم سيدي. سمارة بنت ضيعة، وأهلها على الأصول، وحتى تصير حرم خالد بك لا بد من تدخل جنابك. لا تستغرب، أهلها تعجبهم آراؤك، ويعجبهم سلوكك. وأعتقد كلمة منك تنهي الموضوع. وأظن أن الموضوع انتهى على هذا النحو: فبعد أن أنهينا إعداد الطعام، وبعد أن تناول منه الموجودون ما لهم فيه من نصيب.. وبعد أن دب الملل في الأجساد المتراخية، وحين بدأنا رحلة العودة.. هنا بالذات بدأت الطبخة تعد على نار هادئة. فقد اتفقنا على كل شيء، على وقت زيارة أهل سمارة، على وقت إبلاغ خالد، على كيفية التمهيد للموضوع، على تدبير أمور خالد بحيث تمشي أموره مع سمارة وأهلها. وهكذا كان. وهنا لكم أن تحكموا بأنفسكم فقط عليكم أن تتذكروا أن ظروف الحادثة ووقت وقوعها لا يسمحان بمحاولات التشبيه والإسقاط. فحين استقبلنا أهل سمارة في منزلهم الريفي، في تلك القرية الجبلية المحاطة بغدائر الخضرة وأسيجة الأشجار وغاباتتها، وفي وقت نسينا فيه كلنا ما يتهدد البلاد من كوارث الحروب القادمة، وكوارث الحروب التي لم تنته بعد، وفي وقت تفقد فيه الكلمات مدلولها المباشر، ويصبح الحديث نفسه نوعاً من الاسترخاء اللذيذ.. في مثل هذه الحالة التي قلما شهدنا مثلها في مثل أيامنا المتوترة تلك، بدأت حديثي الصريح والمباشر. قلت لهم: ـ بحكمته جل وعلا.. جعل من كل نوع اثنين. هكذا الطيور والزهور والليل والنهار، وهكذا الإنسان. ومسكين هذا الإنسان، الكل يطارد عافيته ويستلب منه لقمة عيشه... الأمراض، الحروب، الحكومات.. والليل والنهار أيضاً، فحري بهذا الإنسان ألا يهادن، ولا يستسلم، ولا يتردد. ولأنني رأيت سمارة وخالد يتبادلان نظرات الرضا وابتسامات السرور، ورأيت مباركة حقيقية تفر من عيني أم سمارة، وتلقيان ترحيباً وموافقة من حاجبي والدها.. وشاربيه، فقد شعرت أن مهمتي منتهية قبل أن تبدأ. وهكذا سمحت لنفسي بالتجرؤ على القول: ـ .. والآن اسمحوا لي أن أدعو نفسي لحضور عقد قران سمارة وخالد، وأرجو ألا يتأخر ذلك.. فقد أضطر للسفر في غضون الشهرين القادمين. هكذا أفرغت كل ما عندي دفعة واحدة، وشعرت براحة حقيقية، وأنا أعود بظهري إلى مقعدي وأسترخي بدفئه الوثير، وقد فطنت لكأس الشاي الذي لم يبرد بعد، وفطنت كذلك إلى أن صمت الجميع يعني مباركتهم بالتأكيد. وبالتأكيد ما كان الجني نفسه قادراً على زعزعة ثقتي بنجاحي الكامل في أول مهمة تسند إلي في عالم أدخله للمرة الأولى، ولكن من يصدق أن سمارة ذاتها ستكون ألعن من إبليس ذاته، وأنها هي ذاتها التي ستفسد علي متعة نجاحي، فهي التي تساءلت بشيء من الفزع: ـ يعني نتزوج قبل شهرين..؟!. ـ على الأقل عقد قران، والزواج في الوقت الذي تختارونه أنتم. فقط لنطمئن بكتب الكتاب. ـ أيوه، بس أنا وخالد ما نتزوج قبل الثورة. ـ بسيطة يا ستي. الثورة بعد شهر وخمسة أيام. هكذا قلت وأنا أنظر في ساعة يدي كي أتأكد من التاريخ، أما حين هبت فيّ تلك الهبة المسمومة، فقد جعلتني ليس في شك من صوابية مفكرة الساعة، بل في شك من وجود الساعة كلها. فبكل ما أوتيت من طيش الشباب ونزقة صاحت في وفي خالد الذي كان جالساً جواري: ـ الثورة بعد شهر وخمسة أيام. أستاذ خالد سامع بأذنك. يعني لا حس ولا خبر، طيب خبرونا لنعمل استعداداتنا ولا خلاص صرتم قيادات وقراركم من رأسكم. وقد كان ثمة لبس بالتأكيد، فحين أكدت المخلوقة أنها لن تتزوج إلا مع الثورة هل كان غير إبليس يعرف ماذا تعني بالثورة، وهل كان ممكناً أن أفهم غير أنها تعني يوم الاستقلال الوطني، وهو ما قدرت أنه سيأتي بعد شهر وخمسة أيام. إما أن تكون الست أم الحسن تعني اليوم الذي تثور فيه البلد على كل المتواطئين على استقلالها من الداخل والخارج، فإن خالداً نفسه، رفيق نضالها وشريك كفاحها، لم يكن يعلمه: ـ نعم حبيبي.. نعم. زواج مافي لتقوم الثورة. ولا أدري ما الذي كان سيقوم في تلك الجلسة لو لم أنهها بطريقة لم يقدر لي أحد أنني سأكون حازماً فيها وجارحاً في الوقت نفسه. قلت لهم وقد بدأت أندم على كل ما تورطت به: ـ إن كان على الثورة طمنوا بالكم. بلادنا من يوم يومها بلاد ثورات وثوار، بس أنتم قولوا (ثورة شو بدكن) وما يصير إلا كل خير. إلى هنا واعتقدت أن صلتي بالموضوع قد انتهت تماماً. فقد مرت أيام كثيرة لم أر فيها خالداً.. ولم أتابع أخباره. وحين سافر في تلك المهمة التي توقعت أن أوفد إليها، وحين تدبرت أمري بتلك المنحة التي توقعت أن أنالها، وحين سارت بي السنون وأنا أؤجل عودتي، متذرعاً بمزيد من البحث والدراسة، وأنا أزداد خوفاً من العودة إلى بلد عركته المصائب وتقاذفته الحروب، في هذه الأثناء ما كان من الممكن أن تظل في البال حكاية سمارة خانم لولا أن يذكرني بها خالد نفسه. وخالد نفسه كان قد لحق بي في منحة تعلق بها تعلق الفريق بقشة يظن بها النجاة. ـ خالد الطيب بشحمه ولحمه..؟!، خالد أبو سبعة أرواح...؟!. بعدك عايش يا صبي. والله زمان، طيب، كيف البلد.. وأهل البلد.؟! ـ من فضلك من غير مسخرة. يعني ما بتسمع أخبار حضرتك.!. ـ طبعاً أسمع، والدنيا الحمد لله ما خليت من الطيبين وكل يوم في حكي جديد. أنا بس بدي أسمع عنك. ـ يا سيدي مثل ما عم تسمع. البلد مليان زعما، والزعما مليانين حكي ومصاري ومصايب وخليها لربك. ـ والست سمارة ما عملت ثورتها..؟، قصدي ما تزوجتم يعني..؟. ـ يا سيدي يا ريتها ثارت فيّ قنبلة ولا كانت ثورة سمارة خانم. تزوجنا نعم. ومن يومها وحياتك حياتنا في الطالع والنازل. ـ شيء طبيعي، زواج ثوري لازم يكون كله شعارات. وتمرد وعصيان، وعنف مسلح أيضاً. ولا بد من شيء من المطالبة بالحقوق المشروعة.. ـ شعارات ومطالب..؟:. أي ما عند سمارة غير الشعارات، بيضتين ما بتعرف تدبرهن.. وتطبخ شعارات بتكفي قارة. ـ يا أخي النظرية غير التطبيق، بس الممارسة تصحح الطريق. ـ الله يسمع منك، ويجعلها من نصيبك. ـ مين..؟!، سمارة..؟! ـ لأ، الزواج. ـ لأ دخيلك، أنا مسالم بطبعي، تعرف مزاجي. على الخفيف، يعني نظرة، كلمة ابتسامة، أكثر من هيك لأ. يا أخي أنا مناضل بالكلمة وبس. ـ مناضل..؟، مناضل بالكلمة..؟!. آخ لو تعرف الكلمات مين يتاجر فيها، كان هاجرت.. هاجرت لبعيد. ـ يعني متل مانك مهاجر؟. ـ مهاجر...؟. يعني أنا وأنت مهاجرين.؟! على علمي مدة الدراسة بس. ـ يعني ما شبعت من الزواج، قصدي من الثورات.. ـ يا أخي حرام عليك ما دخل الثورة بالثيران، يعني صدقت حضرتك إنو الثورة قامت. ـ لكن كيف تزوجتم من غير الثورة..؟!. ـ صديقي. نحن تزوجنا حتى تقوم الثورة. بخاطرك. "وبشرفي تركني ومضى..". |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |