مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الشيء الآخر.. ـــ حَاتم عَلي

إنني أذكر ذلك تماماً..‏

كأن "القنيطراوي"1 رجلاً مؤمناً، رغم أنه يشرب "البراندي" ويضاجع النساء، ويشتم كل اسم يحفظه، كان يؤمن أن للكون إلهاً عادلاً، وأن مدينته سوف تعود و أنه ساعتها سيترك عمله هذا غير آسف، ليعود ثانية إلى أرضه وبستانه.‏

أما أنا، فلم أكن أظن أنني سأجتاز شهر كانون حياً، كنت لا أؤمن بشيء، حتى صرت أستغرب، كيف أعيش؟ ولم؟ ولأجل أي شيء أتعذب؟‏

غير أن شيئاً عجيباً قد حدث، هل جعلني ذلك الشيء أستشعر بطعم الإيمان؟ لست أدري وبما كانت لحظة اكتشاف لشيء يولد معك، ثم يشاركك النمو، دون أن تدري، وفجأة تراه، تصطدم به، وجهاً لوجه كما يقال ولحظة كتلك، لا تمر بسهولة، وهذا ما حدث.‏

عندما عملت في هذه المهنة، قاسيت الأمرين، وفهمت أن العدالة مجرد كلمة لا تجسيد لها، وبدت لي كثيرة هي الأشياء التي لا تعني شيئاً.‏

في منتصف ليل اليوم التاسع، من ذلك الشهر، في تلك السنة، واجهني المزار بأكثف صور المادة وأكثرها جلاء، الرذاذ يتساقط خفيفاً فوق البيوت، وتكاد المياه الموحلة تصل الركبتين... وقفت أرنو إليه، عساني أسمع تلك الأصوات التي كانت تبعث الرعب في نفوس المارة. وسكارى آخر الليل، جدرانه الصلبة التي تنز ماء، تقف على بعد أمتار، بينما البرق يضيء المشهد، فتكتسب الحجارة وجوداً مخيفاً، أشبه بإنسان حي يتنفس، كان "القنيطراوي" يقف إلى جانبي مشدوهاً، وحين أراد اقتلاع نفسه، قررت أن أنهي كل شيء!!.‏

هجمت على "البغلة"، قبضت على الرسن، قدت العربة نحو المزار، اعترض "القنيطراوي" طريقي، شد "البغلة" ناحيته، التفت العربة على نفسها، كادت أن تنقلب، لكنه سيطر عليها ببراعة رجل خبر عمله، وحين اطمأن إلى زوال الخطر، وقف لاهثاً متحفزاً، مباعداً ما بين قدميه... طال صمته، كأنه يبحث عن شتيمة تليق بي فلا يجدها، أي مشاعر يكنها هذا الرجل نحوي؟ وأي ذكريات يحفظها عني كانت أياماً غريبة، وكنا قساة، حاقدين، نجوس شوارع خربة، ملأى بالزبالة ولم يكن يجرؤ على شتمي مباشرة، ولا أظن أنه ناداني يوماً بغير احترام!!‏

ـ هات السطل يا أستاذ!‏

وكمن يمسك زجاجاً مطحوناً بيديه العاريتين، كنت أرفع السطل لأفرغ محتوياته في العربة، دون اعتراض، فيعقب:‏

ـ شكراً لك يا ملك!!‏

كنت أستاذاً حقاً، ملكاً مخلوعاً، متوجاً بسطل قمامة، وكان "القنيطراوي" لا يفوت فرصة كهذه ليدس سخريته اللعينة، وعندما لا أجيبه، يزداد عدائية، يشتم، يبصق ويسقي سعدية البراندي، حتى تصدر صوتاً مكتوماً، وتصير تطلق أنفاسها الحارة في الهواء، عندها فقط، يكف عن كل ذلك، ثم ينسى، كنا عدوين وحليفين، في ليل بارد.‏

صوب "القنيطراوي" نظره نحوي، كنت هادئاً وراغباً بالحديث على غير العادة، لم تكن هناك ثمة نوافذ مضاءة، ظلام يغشى حي "التضامن" ويحيل البيوت إلى جثث متناثرة في قذارة المياه التي تشخب عبر المزاريب.‏

ـ هل تؤمن فعلاً أن روحاً طاهرة مقدسة تسكن هذا المكان؟؟‏

أسرع الخطا، قدرت أنه يخشى الحديث حانت منه التفاتة نحو الخلف، سكب محتويات الزجاجة في فمه، هز رأسه، عاجلته باستنتاج عابث: ـ لا يمكن أن تكون الأصوات والحركات الغريبة صادرة عن تلك الروح إذ كيف يمكن لمثل هذه القداسة أن تحمي نفسها وسط كل هذه القذارة؟.‏

وإذ نطقت العبارة تفجرت رغبتي بتحطيم شيء ما، إحساس بالظلم بدا يتنامى، تحول إلى مارد فوضوي لا ضابط له، كنت أريد أن ألمس الموت لأتحقق من سر هذه الحياة، أن أستثير الرب كي يكشف عن وجهه، أن أخترق القانون، لأتحقق من العدل.‏

أمسكت برسن الحيوان ثانية، رفع قوائمه الأمامية وقد باغتته الحركة، عاد "القنيطراوي" إلي، أمسك بي من الخلف، طرحني أرضاً، المياه التي تشبه زجاجاً وخزت جسدي، وقفت، تعلقت بعنقه، حاول تخليص نفسه، هوينا أرضاً تقلبنا في الطين، كان أكثر مني قوة، غير أن البراندي قد بطحهن ارتخت يداه، انسدلتا إلى جانبه، نخر، ثم استسلم.‏

ـ فلينصرك علي... إذا كان موجوداً حقاً!!.‏

لقد قسوت علي... إذا كان موجوداً حقاً!!.‏

لقد قسوت عليك، أيها العزيز، يومها لم أكن أفهم، وحين صمت، ظننت أنني قد غلبتك، وأنني قد هدمت ذلك الصنم، حطمته بضربة واحدة، قاضية.‏

ـ إنه موجود... موجود، غير أنني لا أستحق مساعدته.. لا أستحق، وهذا هو السبب في أنه لم يحرك ساكناً... إنني رجل زنديق.. أشرب، وأعمل على إغواء "سعدية" أنثانا الوحيدة... أنا، البغل.‏

أصارحك القول، لم أكن أستطيع الضحك، فاجأني ذلك التبرير، كنت أنا الآخر مهزوماً، ولكنني حانق على كل شيء، ازددت حنقاً حين كدت ألمس كل ذلك السلام الذي يسكن روحك.‏

أي كذبة كبيرة قد تشبثت في صدر هذا الرجل، وسكنت قلبه؟‏

وفجأة سمعنا ما يشبه الصوت البشري، كان أشبه بالهمس، يأتي من جهة المزار شب "القنيطراوي" على قدميه، وقد أيقظ الانفعال نظرة عينيه، وبدا وهو ينقل بصره بين المزار وبيني، كأنما سكرته قد طارت.‏

كان مؤمناً أن ثمة معجزة في طريقها إلى الحدوث، أما أنا، ذلك الرجل الذي اقتلع نفسه من الدائرة، وألقى بها على الحدود، فقد كنت أنظر نحو كل شيء، وعدم الرضا يملأ نفسي.‏

كانت حياة قاسية لا ترحم، وكانت أعماقي ثائرة على كل شيء.‏

إنني أذكر ذلك تماماً.‏

لقد كرهت أن تغلبني، أن تنصرك نسمة ريح علي، أو قطعة حجر تساقطت من الجدار. وأصدرت ذلك الصوت، فتقدمت من الباب، تلمست دربي نحو الداخل... ممر ضيق يلتف حول غرفة صغيرة، دخلتها من باب منخفض، وفجأة، سرت القشعريرة في جسدي، وجبنت فعدت أدراجي.‏

كان "القنيطراوي" يقف عند الباب، يفكر بالعودة، قبضت على يده، وعاودنا الدخول.. هل كنت خائفاً؟ لست أدري.. غير أن ثمة إحساساً بالرهبة بدأ يتسرب إلى أعماقي، ليل بهيم يجثو فوقنا، قطعة من الظلام الأصم، حيث يغدو كل شيء موجوداً حينها، لكن لا يرى أيها العزيز، هل تدرك الآن معنى هذا؟ لقد تساءلت يومها: ماذا أريد من وراء هذا كله، تساءلت عندما أحسست برجفة اليد الميتة التي تقبض عليها أصابعي بقسوة، كنت أنا الآخر، خائفاً، هل هو مجرد خوف إنساني، كذلك الذي نشعره ونتحسسه طوال حياتنا، أم كان شيئاً آخر؟‏

أنفاس "القنيطراوي" تتردد في جنبات الغرفة المربعة، وفي الوسط ينهض ضريح صغير مغطى بقماش له ملمس ثخين، كنت تعرفه تماماً وكثيراً ما كنت تقبله، وتتمسح به، وتدعو في حضرته وتتمنى، خلف القبر، التمع فجأة، ضوء خافت، باغتنا المنظر، فندت عن "القنيطراوي" صرخة مكتومة، ثم ارتسمت على الجدار المقابل ظلال غريبة، فبهتنا، وقبل أن نجرؤ على فعل شيء، تبعثر الضوء، وتطايرت شظايا محترقة لم تلبث أن انطفأت مخلفة وراءها ظلالاً وصمتاً لا يقطعه سوى الأنفاس... مرت علينا ثوان، كأنها عمر كامل، غير أنني تمالكت نفسي بعدها، وفكرت، حينها فقط أدركت أن المكان ـ ربما ـ كان يضم أناساً من لحمنا ودمنا... فحملت بعض الحجارة، وأخذت أرميها في كل اتجاه، ويالدهشتك، حين سمعنا أصواتاً خائفة تتضرع:‏

ـ لا تضربوا، لا تضربوا.‏

وعلى ضوء عود الثقاب الذي التمع فجأة، شاهدنا رجلاً وامرأة ينزويان أمامنا في ركن المكان.‏

هدأت ثائرتي، وأفعم قلبي بالراحة، وفهمت لحظتها، كان ذلك شيئاً مدهشاً، أن ينجلي سر الأصوات، أن ينفضح السر الجليل، وبدا لي أن حيا بكل هذا الشقاء يمكن أن تكون جديرة بالعيش.‏

وعندما غادرا المكان، دون أن يقولا شيئاً، وقد نكست المرأة رأسها، أحسست بالقهر والانكسار، لم يستطع دفء المكان منع جسدي من الارتعاش، أصابتنا الحمى يومها كانت ثيابنا مبللة، وقد أنهكنا التعب، غير أن ما حدث لنا، هناك داخل القلب، قد أقعدنا كل تلك المدة.‏

وحين شفيت أولاً، زرت "القنيطراوي" في بيته، فاجأة منظري، بالقميص النظيف والبنطال المكوي، وعندما قال: أهلاً بالأستاذ، كانت رنة السخرية قد فارقت نبرته إلى الأبد.‏

شعرت بالحزن يغزو روحي، وعرفت أن "القنيطراوي" لن يقوم من فراشه سريعاً، كان عليه أن يؤمن بشفائه، أن يؤمن، هل كنت تعي أي شيء قد حطمته يداي، هل كنت تعي ذلك أيها العزيز..... إنني مدين لك بالشيء الكثير. ولا أدري إذا كنت أستطيع تعويضك ما فقدته حينها، غير أنني لم أجرب... لقد هربت أيها العزيز، لقد هربت، كان المساء قد أزف، وكانون قد انقضى، أما المزار، فقد كان موحشاً، فارغاً ميتاً، وفكرت: ماذا حل بهما؟ وأين يوجد بيت كل منهما؟ وكيف أحدهما؟... لقد فكرت بجنون أيها العزيز، كنت أريد أن أردهما إليه، لقد كنت مديناً لكم جميعاً بالاعتذار، بما في ذلك "سعدية"، وهذه غاية قصتي، أنت تعرف أنني تركت العمل وصرت كاتب قصص ـ وأظن أنك ما زلت تجوس تلك الشوارع، وتمر من أمام المزار نفسه، لعلك قد نسيت ليلة التاسع من كانون أتمنى ذلك فلقد أدركت أخيراً، كم كان ذلك الإيمان ضرورياً لك كي نبقى على قيد الحياة فالقديسون وحدهم من يستطيعون الاستمرار في زرع تلك الطرقات ذهاباً وإياباً كل ذلك الليل البارد. دون أمل بأن يتغير شيء ودون إيمان بعودة قريبة.‏

أرجو أن لا تستنكر دعوتي هذه، وقد عرفت "الحقيقة": مر من جانب المزار أيها العزيز، ولا تتذكر أبداً، أنه ربما اكتشف شابان صغيران إمكانية أن يقضيا فيه، بعض الوقت، بمنأى عن الناس، إنني لا أتحدث عن الإيمان أو الشك ولا أقصد الحقيقة أو الوهم، إنني أعني شيئاً آخر، أظنك تفهمني، وهذا يكفيني...‏

أيها العزيز!‏

1 من القنيطرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244