|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
وَدّت لو تجلس على الرصيف ـــ كريم عبد كانت قد وضعت ضماداً لاصقاً على إصبعها المجروح، ووجدت في ذلك فرصة كي لا تعود إلى المطبخ مرة أخرى، وأيضاً، كي لا تبدو هادئة وطبيعية تماماً، رغم أنها تحاول أن تظل على هدوئها قبل أن تجرحها السكين بنهايتها الحادة، لكن الحمى الخفيفة التي تنتابها منذ أيام، لا تمهلها كثيراً لمداراة وضعها. هي حزينة إذن، وحزنها لا يخلو من بهجة، حين تتطلع في المرآة، تجد أن عيونها، أو بالأحرى نظرات عيونها زائغة بعض الشيء، زوغاناً قد يبدو ملحوظاً، وهي لا تريد ذلك إنها لا تريد شيئاً على الإطلاق، تود أن تخرج من البيت فقط، ولكن لا تعرف إلى أين؟.. ذهبت إلى غرفتها وأغلقت عليها الباب، رفعت اللاصق وتطلعت إلى الجرح، كان الجرح صغيراً لكنه عميق إلى حد ما، وضعت عليه قليلاً من السائل الأزرق الشفاف الكاوي وأعادت الضماد، استلقت عل الفراش وهي تشعر بألم لذيذ يشبه الخدر، ثمة وجع خفيف في مفاصلها يدب في جسدها بهدوء، كانت تود أن تفعل شيئاً ما بهذا الوجع، غير أنها لا تعرف ماذا تفعل على وجه التحديد. لم تكن راغبة بالنوم، رغم أنها معتادة على نوم الظهيرة، مدت يدها وتناولت المرآة الصغيرة الملقاة على الطاولة القريبة منها، لكنها أعادتها دون أن تتطلع فيها، كانت تريد أن ترى ـ وجهه وليس وجهها،... احتارت كيف أنها نسيت ملامحه، تتذكر أنه كان يبتسم وهو يحدثها، ثم سرعان ما يحل شيء من الارتباك مكان الابتسامة تتذكر بريق عينيه الحزينتين يقول لها أنه سيصادفها عندما تخرج من المدرسة، وهي تعرف ذلك، ويقول لها أنه سيصادفها وهي ذاهبة إلى المدرسة غداً، وهي تعرف ذلك، ويقول لها بالإمكان أن يراها مساء في المكان الذي ترغبه، وتقول له: إن المدينة صغيرة كما تعرف، وليس ثمة فسحة بعيدة أو قريبة تخفينا بما يكفي. ويقول لها: هذا صحيح. ويضطرب. نهضت عن الفراش، نفضت شعرها ومسكت إصبعها المجروح، شعرت بغصة ورغبة في الغناء. كانت تدندن عندما بدأ المساء ينتهي وهي تفتح النافذة، حيث بدأت عتمة الليل تتسرب في الهواء. سمعت أمها تعطس ثلاث مرات متتالية وهي تنادي عليها، وعندما كانت تنزل الدرج سمعت صوت أخيها يتكلم عبر التلفون، وعرفت أنه يحدث ابن خالتها، يقول لهه أن لا يأتي، هو الذي سيذهب إليه، وابن خالتها اعتاد أن يمسك أصابعها ويفركها بهدوء، ويجعل روحها تخدر رغماً عنها. في المرة الأخيرة قالت له أن لا يفعل ذلك، لكنه بات عندهم، وفي آخر الليل تسلل إلى فراشها، رفع الغطاء واندس معها، استيقظت مضطربة لكنه كان مضطرباً أكثر، شدها قليلاً وارتبك، لم يستطع أن يفعل شيئاً، لم يكلمها ولم يسمح لها بالكلام، لكنه شمها شمة طويلة وهي لا تعرف ماذا تفعل؟! إنها تعرف تماماً ما يجري، وربما كانت راغبة بذلك. ولكنها لا تعرف ماذا تفعل، عندما أحست بالعرق يتصبب من جسدها هدأت وتركته يتلمس بطنها، يضع رأسه بين نهديها، ثم يقبلها عدة مرات على خدها، قبلات صغيرة دون صوت، وقالت له بيديها أن يعود إلى فراشه، عاد ولم يعد لزيارتهم منذ شهرين. بعد العشاء خرجت إلى الحديقة، وظلت تتمشى لبعض الوقت في الممر المؤدي إلى الباب الخارجي، ثم فتحت الباب وبقيت واقفة لعدة دقائق، عندما خرج أخوها أغلقت الباب وعادت إلى الفراش. في اليوم التالي لم تجده في نهاية الشارع، وفي المدرسة بدا لها ضجيج الطالبات أكثر من المعتاد، وحين خرجت لم يكن موجوداً أيضاً. مرت أربعة أيام دون أن تراه، وحين سألتها أمها لماذا هي شاردة؟! قالت لها: لقد نسيت دفتري عند ليلى وعلي أن أذهب لإحضاره. لكنها ذهبت وعادت دون جدوى، في الأيام الماضية لم تفهم من الدروس شيئاً كانت تذاكر دون رغبة. في المساء عندما خرجت ودت لو أنها لا تعود إلى البيت، فقد كان أقل اضطراباً، والفتاة الأخرى التي كانت معه، تضحك بهدوء وبهجة، تضحك دون اكتراث. ودت لو تجلس على الرصيف وتبكي، ودت أن لا تعود إلى البيت، وحين عادت كانت تشعر بعرق جسدها يقرصها بوحشية غريبة. *** في اليوم الثاني، عندما استيقظت كانت تشعر بخلل ما يربك كيانها دون أن تستطيع تحديد مصدره أو مكانه، لم تذهب إلى المدرسة أخبرت أمها بذلك وعادت إلى الفراش، وفي المساء لم تخرج مع أهلها، غيرت اللاصق دون أن تنظر إلى الجرح كانت جالسة على الكرسي وقد استغرقها الذهول. *** عشب الحديقة الطويل، كان يغرق في المياه إلى منتصفه، والعصافير الكثيرة المتقافزة على أغصان الأشجار الكثيفة، يهوي بعضها أحياناً إلى الأعشاب ثم سرعان ما يطير نافضاً أجنحته المبتلة، وقتها كانت هي تخطو في ممر الحديقة المحاذي للنوافذ، ودت لو أن العصافير تنفض الرذاذ على وجهها وأيامها، لكن.... العصافير لا تفهم شيئاً، وتنور الروح المعبأ بالحطب والمتهدم من أطرافه، لا أحد يشعل فيه قدحة نار... عندما أحست بشيء من الوجع في ظهرها، وضعت كفيها على وركيها وتمطت إلى الخلف، ثم عادت ونفضت جسدها كله وكان البيت كله يهتز، كان البيت عارياً، خالياً، لا أحد يسمع آهاتها، رغم ذلك عندما عادت إلى الحمام الذي تركته قبل قليل، أغلقت الباب بتؤدة وكأن أحداً ما نائم لا تود إيقاظه، انغلق الباب وأحكمت إغلاقه من الداخل، تعرت وشعرت بحرارة الطقس الخفيفة تتلمس كيانه كله، حين فتحت الدوش استرخت على الأرض وسرعان ما أجهشت بالبكاء، ظلت تحس بحرارة الدموع تلامس خديها رغم كثافة الماء المنهمر. عندما هدأت كان الماء قد توقف، ودت لو أن الماء يظل ينهمر عليها وهي في ثيابها، حين خرجت من الحمام كانت متعبة، تطلعت من شباك غرفة الاستقبال إلى الحديقة وإلى حركة العصافير الدائبة. رغبت لو أنها استلقت على الأعشاب واستغرقت وهطلت عليها الأمطار وظلت تهطل إلى أن يعود أهلها ويجدونها ميتة. لكنهم وجدوها مستغرقة في النوم، خاوية على فراشها، وقد ألقت عليها منشفة مبتلة هدأت أمها أختها الصغيرة وطلبت من أبيها أن يأخذها إلى غرفة النوم، كان الليل قد حل منذ وقت طويل، الساعة الآن تقارب الثانية عشرة، والبيوت القليلة المتباعدة ما قبل البساتين قد هدأت، ربما لا يسمع العابر من هنا سوى نباح كلاب بعيدة أو صوت غناء قادم من تلفزيون أو راديو بعيد وغير واضح... لقد هدأ الجميع لهدوء النائمة، عاد أخوها من المطبخ إلى فراشه في حين ذهب الرجل وزوجته إلى الحمام، بدأت النائمة تستيقظ على صوت الدوش، ظنت بأنها هي التي يرد عليها الماء، وحين أفاقت قليلاً تصورت بأنها نسيت الدوش مفتوحاً، فهرعت إلى الحمام تفتح بابه، لكنها تراجعت حين سمعت أباها يعطس. انتبهت إلى وجع خفيف في جفونها، لم تعرف ماذا عليها أن تفعل، لقد خالط شعورها المرتبك شيء من الخجل، وحين عادت واستلقت على فراشها كانت تشعر وكأنها خالية، مجرد فراغ حزين مستلق على الفراش، انتبهت إلى ضحكة أمها وهي خارجة من الحمام، أمها أيضاً انتبهت إلى أن باب الغرفة مغلق، وعرفت بأن النائمة أفاقت، نقرت على الباب وفتحته، سألتها ما إذا كان أحد قد جاء في غيابهم قالت: لا. أردفت أمها: لا تغلقي الباب اتركيه مفتوحاً الدنيا لا تبرد إلا في الفجر، كانت تقول ذلك وهي تعتلي الدرج وراء زوجها.... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |