مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حوليّة الفجر الخامس ـــ حسَن النعمي

مَجَال:‏

في زمن يشرب ثمالة الأحلام، تولد التحديات تغدو وجعاً يركض في الأحداق، وقيظ الأجواء يفرخ رغبات بائسة. وهو ظل يستحم ببقايا رجاء. يفترش أمنية بعرض الضياء، وتلك الغيمة الهاربة، أضحت هماً يعاشره. من أجلها ظل يمارس عادة غريبة.. يصعد أعلى جبل في القرية، حتى كان صعوده أمراً واجب التنفيذ. في قمة الجبل، يغدو محيط الأرض في قبضته، والغيمة تعاود الرقص ما بين عينيه وقبة السماء كل طموحاته، أن يجهض حيويتها. أن يغرس أظافره في أحشائها. أن يشاطرها نزقها الطفلي كان في كل مرة يصعد. يرضعها من صدره لحناً معجوناً بتراب الأرض..‏

المدى الأنثوي يحرن. يشرد بين قطبين من الضجر.. تتشكل في المخبوء عوالم أخرى.. كان في طفولته يشكل من تراب الأرض بيوتاً، وفي شبابه كان يميز عبير الأرض، وفي آنه صار يشرب عشق الأرض.‏

هو الآن يتربع على بوابة الأرض في فضائها الخصيب تشكل عمره، ووارى في ثراها بويضة العشق. يريد منها أن تبادله البوح والحياة، لكنه لا ينسى أن له مع الغيمة أسفاراً وابتهالات طويلة. تتلون كالمواسم، أرقاً، هاجس فناء. وهذا الموسم تقوس في رحم الجفاف. أرعبه صراخ الحصى، وثورة الطين... وغسله هذيان اللحظة.‏

بعد فترة، غدا صعوده قليلاً، ومناجاته للغيمة تخبو، وبداخله تنبت عينان لليأس. كبر اليأس. صار للعينين رأس يحويهما. فكر أن يلغي اهتمامه. تذكر الأفواه والعهد والعشق السرمدي. لا. المسألة لم تعد تعنيه بمفرده. ثم إن هنالك عهداً وهوى تمازجا في مضغة الحياة.‏

اندحر ذل اليأس. عاد مبتهجاً كقائد، والصبر ينثني بعينيه، يعطيه طريقاً من الضوء والإصرار.‏

قالت له زوجته لحظة تعامد الشمس:‏

ـ تعبت؟‏

ـ من أي شيء؟!‏

ـ من الأرض!‏

ـ قولي من الغيمة.‏

ـ أرقب أجلها..!‏

قوّس مجال الرؤية من حوله. استكان في حنجرة اللوعة. حدث نفسه كنائم. هو الآن يدخل خارطة من نعيم..‏

ركض بلا قدمين. سقط في حوض مليء بالضجيج. تأوه.. بين الأسف والاندهاش، انتعل صرخة من العالم الخارجي. أعطى لعينيه حرية التحديق. لامس وجه الفرح. تعرى تحت انثيال الغيمة. رقص لامتزاج السماء بالأرض. رقص الأطفال والنساء والشيوخ، كان يرسم فوق نهر القلب عناق الأرض والغيمة.‏

سيل البدء:‏

ها أنت يا "نابت"، وامتداد الفرح في عينيك، حبل مجدول من معاناة الأيام. أبوك من قبل كان ضوءاً من الفرح. يذكر أن ولادتك بعد أن أكل الحصا ذاته، وكانت الأرض تحبل بالجوع، وتلد الظمأ، ونبت أنت في آخر الزمان تشرنقت داخل غيمة. لم يصدق أبوك أن وفادتك كانت في يوم مطير، حتى أن الصابرين خافوا من لون الفرح الناري في عيني أبيك. تفاءلوا بك خيراً، واتفقوا على أن تكون "نابتاً".‏

ها أنت تقف بارتياح الظافرين أمام أرضك تركض فوق صدرها. تعانق ثراها.. تسمدها.. تحرثها تمشط ضفائرها. تبذر أحشاءها أملاً، ويرتحل بداخلك شوق، وتأخذك الأحلام إلى منحنى الانتظار.‏

كمون:‏

الفجر الخامس مر على استرخاء البذور في الرحم الطيني. تساءل عن حياة الداخل. لونها، صخبها، عنفها، كفاحها. وكان القلق يعبث بهدوئه. الفجر الخامس؟! البذور هامدة!! حساباته ناقصة الفجر الرابع، ربما.. لا... هل يعقل. حدث كهذا لا يعرف التيه. فليصبر إذاً... فعل تخديري مارسه ككل التحيات الصباحية. لا يعرف على وجه الدقة ماذا يفعل؟ فجر أو فجران ويأتي الفرج. فرش أمنية أخرى بداخله، ووطن نفسه على منادمة الانتظار..‏

الفجر العاشر. لا يمكن!! ارتعش الأسى في عينيه. امتطى مدارات الوجع. ركض حتى تمثل الوسط أنشب أظافره في خاصرة الأرض. حفر. قفز التراب خلف ظهره. جنون الدهشة أكل لبه. لم يصدق حفر في أماكن عديدة. همجية اللوحة تتكرر. دود ينهش باطن الأرض ومن اللحظة كان الدود ينهش قلبه..‏

قال العارفون:‏

إن ما حدث لا عهد لهم به، لكن أكبر معمر في القرية ذكر أنها حالة فريدة، وإن كان للحالة وجه آخر في زمن فائت، غير أن الدود في ذلك الزمن شارك الناس مأكلهم ومشربهم.‏

أوصى العارفون بقلب رداء الأرض. قلب "نابت" رداء الأرض. كان الوقت ظهراً، وجبين الشمس يتفصد عرقاً، وطعم المرارة يسلب منه الفرح. لم يشأ أن يبتهج. عانق ذراعيه، ومضى بانتظار موعد البذور الجديد.‏

في يوم البذر. بسمل، قرأ كل ما حفظ من الآيات والأدعية، ولما كان الفجر الثالث. صرخ اعتلى صوته انخفض.. ازداد غموضاً.. ألجمته غيبوبة، الخنجر حرق صوابه. بكى. كانت دموعه الملحية توازي الملح المنثور على وجه الأرض. تمنى بتر تلك اليد المغلولة في البغضاء حمل قدميه وعاد لأهله. انكسر في داخله قوس الرغبة. في البيت سأله طفله بفرح:‏

ـ نبت الزرع يا أبي؟‏

بكى الصبر في عينيه، وأغمد شهقة حادة في صدره.‏

بعد أن استدار القمر، كان الزرع يشكو من كساح. خشي "نابت" أن يعيد فلاحة أرضه. أيقن أن الموسم قد ارتدى نعلين من ريح ومضى. استعاد من محفوظاته ثنائية الكنز والقناعة. في ظل هذا الاختيار القسري. وجد من يحاصره. من يقول له.. "بعني أرضك" صدره محروث بالمعاناة، ومحيطه يتلذذ باحتساء كأس المساومة.. بالأمس يد أجهضت فرحه، واليوم يد تريد مص دمه.‏

حفظ من سيرة أجداده سيرة جده لأبيه. "يذكر في زمن الحرب وكان الموسم في تمامه. أن الغزاة استبدوا بالناس، وضيقوا على القوم حد الهلاك. وكانت الغايات أحقر من أصحابها، وإذا بجده يشتري قبره بلقمه عيشه..".‏

من وقت لآخر، كان يرصد نمو زرعه. بطيء كما الدابة العرجاء. من زمن نسي شكل الفرح. الساعة أنس بفرح ضئيل. هاهي الغيمة تعاود حنينها، مشت بخفين من ندى على جبين البلاد. أزهر في دربه لعل طفلي. بعين أرهقها رمد الكآبة، راقب تطاول سيقان الذرة. اعتدلت الأمور بشكل نسبي، ولما رأى السنابل تشق بكارة الخجل، لاح له في الأفق مصير قاتم. دنا هذا التضخم العدائي. كان الطير في سمائه يشكل بقعاً سرطانية. جند نفسه وزوجته وأولاده. أوقد النار. نصب أشكالاً آدمية، وعلق في وجه الريح صفائحه، وراح صوتها يجلد الفضاء. لكن شوكة العداء بينهما تطاولت. ضحك الإرهاق من شكل التحدي، ومع كل هذا الخصام الموسمي تسنبلت بداخله الأماني، ووعد نفسه بمحصول لا بأس به.‏

صريم:‏

الفجر الأخير تخنجر في عيون المتعبين. انقلبت المضاجع في الوجوه الحالمة. برق الخوف في الأحداق، واضطربت في الأرض رائحة الخراب وكان "نابت" يمارس التحديق في المدى السمائي بصره ينقلب إليه مذعوراً. الساعة سرق الجراد من الشمس عيونها. طوى الطريق، وفي أثره أهله، وكانت الأقدام تسبق ذاتها. فوق الأبعاد الترابية. كان الجراد يبيض المأساة بأشكال خرافية. يقذف سما. وجعاً هستيرياً ينهش جلد الرغبة في الأعماق، و"نابت" أول الداخلين في دائرة المصير. الأيدي تطوي ما تجد. قبضة بها جراد مطحون بالقهر، وأخرى بها سنابل ذابلة. حاول أن يضيق دائرة الفناء. تحرك بآلية. نحو المجهول قفز. بلون التراب فرشت لونها. يده اليسرى تقترب. هي تفغر فاها. يزيد اقتراباً. يسيل لعابها. كما الكابوس أحس بسخونة مفاجئة. أشعل نظرة حادة. حية تمتص دمه!! في داخله قرر. الوقت غير الوقت لا مجال للمساومة. البحث عن سلام، مشروع رديء. لا بد من فعل قوي. أخرج شفرته. هوى بها على إصبعه. بترها. نزفت دماً بلون التعب. وكانت عينا "نابت" تشربان دمه، والدم يورق. يمتد كنهر أزلي صاحب، يضيء سماء الصدر بضوء من رجاء. وفي القلب من أرضه نبت، تسنبل واقفاً في يده اليسرى إصبع معلقة وفي قبضته حفنة من حبوب ناضجة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244