مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حمى الوَطن ـــ عَلي المزعل

لقد جن عبد الرحمن.. هل عرفت؟.‏

كيف حدث ذلك؟!.‏

كيف حدث لا أدري... لكن ما أعرفه أنه فقد إحساسه بالزمان والمكان، لم يعد يعرف شيئاً عن الزمن الذي نعيشه الآن... لم يعد شيء في ذاكرته مما نحياه الآن..‏

لكن الغريب في الأمر أن أحداثاً قديمة يرويها بتفاصيلها كما حدثت له ولغيره.‏

.. الأسماء التي يرددها لم تعد موجودة، مات أصحابها منذ زمن، الأمكنة التي تحيط بنا غادرت ذاكرته تماماً..!‏

العمارات الشاهقة يحسبها جبالاً، والشوارع الإسفلتية الواسعة طرقاً ترابية تؤدي إلى الحقول.. نعم لقد صار مجنوناً، ولم تفلح كل محاولات العلاج في رده إلى طبيعته!.‏

يا إلهي!... عبد الرحمن هذا أعرفه تماماً منذ نعومة أظفاري، رجلاً مربوع القامة، راجح العقل، قوي الشكيمة، فلاحاً نشيطاً يصل الليل بالنهار من أجل أن يكون حقله أجمل الحقول، وهو ذاته كان على رأس الفاتحين الذين خاضوا المعارك الضارية من أجل الأرض وتوزيعها على الفلاحين، كان خبيراً بكل ما يتعلق بالأرض.. متى تجذب، ومتى تخصب، يعرف حدودها تماماً.. وكم يملك كل فلاح في القرية.. كان رأيه حاسماً في أي خلاف يقع بين الفلاحين حول حدود الأرض بداياتها ونهاياتها.. نعم هو نفسه من تولى متابعة قضايا الفلاحين لدى المحاكم والدوائر الرسمية.. كان واحداً من أعلام القرية الذين يعرفون كل شيء عنها، وديانها وهضابها، مواشيها، ومراعيها.. لقد فشلت معه كل محاولات ملاك الأراضي لاسترضائه من أجل إتمام صفقاتهم المشبوهة ضد الفلاحين، وحين دخل جنود الاحتلال القرية إثر عدوان حزيران كان آخر المغادرين، نزح الجميع تحت ضغط السلاح عبد الرحمن فقط كان واحداً من الذين رفضوا المغادرة، إلى أن ألقي به عنوة خارج الحدود.‏

ظل هذا الخبر يمتلك جوارحي وأنا أسير شارداً في شوارع المدينة، حيث كانت شمس الظهيرة تلهب بسياطها رؤوس المارة وأجسادهم، أقف أمام الواجهات أنظر إلى وجهي المرتسم عبر الزجاج.. ملامحي لم تزل كما هي، ليس لها معنى، وتارة أتقي حرارة الشمس بالمظلات القماشية الواقية لأبواب المحال التجارية.‏

عبد الرحمن في ذاكرتي... وجوه كثيرة مرت أمامي تحمل بعض ملامحه، أو هكذا خيل إلي.‏

على الرصيف المقابل وقعت عيناي فجأة على شيخ يستر رأسه بكوفية قديمة، ويشد وسطه بزنار جلدي قديم، ويجر بأقدامه حذاء ضاعت ألوانه بمرور الزمن، وبين الفينة والأخرى يظلل عينيه براحته وينظر ملياً في الأفق، ثم يغذ السير مسرعاً.. انطلقت نحوه، تابعته بنظراتي مشدوهاً، كتفاه يرتطمان بأجساد المارة، ورغم عبارات التأنيث التي يطلقونها، لم يتوقف لحظة، وكأن شيئاً لم يكن!، توقف برهة، أجال النظر في أرجاء المكان، نظر إلى الخلف ثم استدار ليتابع السير، عندئذ بدت ملامحه واضحة تماماً لقد عرفته، عبد الرحمن بدمه ولحمه.‏

انطلقت خلفه مسرعاً صرخت... يا شيخ عبد الرحمن.. يا شيخ... "أبو يوسف"... إلا أنه لم يستجب، تابعت السير، أمسكت به من كتفه، توقف، حملق في وجهي مشدوهاً.‏

من أنت؟ وماذا تريد؟.. اتركني، إني في عجلة من أمري، والنهار شارف على الانتهاء.‏

قلت له: أنا عبد الله‏

من عبد الله؟.. أنا لا أعرف أحداً بهذا الاسم.‏

ألا تذكرني، أنا من أبناء قريتك؟!... من كفر حارب يا شيخ عبد الرحمن.‏

عاد مرة أخرى ينظر في وجهي متفحصاً.‏

أنا لا أعرف، أنت لست من القرية، أنت لست من كفر حارب،.. اتركني أرجوك.‏

تهدج صوتي حزناً، حاول الإفلات مني، دفعني إلى الخلف.‏

اذهب، دعني وشأني، لا تؤخرني.‏

إلى أين أنت ذاهب الآن يا شيخ عبد الرحم؟‏

أنا ذاهب إلى الرعاة في الوادي، وسأعود معهم إلى القرية، ربما احتاجوا لمساعدتي في جمع الأغنام ورعايتها، وبعد ذلك سأذهب إلى البيدر، هناك ينتظرني فياض، وصلاح ومحمد عبد القادر، وشمدين.‏

هؤلاء يا شيخ ماتوا منذ زمن، وما زالت قبورهم هناك!.‏

ماتوا!.. لا، هذا ليس صحيحاً، البارحة تماماً أمضينا النهار معاً، تجولنا في وادي مسعود وتفقدنا السهول، ثم عدنا إلى القرية مع غياب الشمس دخلناها من جهة الشرق، مررنا ببيادرها ووقفنا جانب خزان المياه الواقع قرب المدرسة، ثم تابعنا السير حتى منتصف القرية. وهناك استرحنا قليلاً في دكان الحاج محمد النهار، تناولنا القهوة المرة، ثم ذهبنا إلى مضافة فياض السالم أمضينا ليلتنا هناك، ونحن نتبادل الأحاديث ونستمتع بمصابيح مدينة طبريا التي كانت تبدو لنا شعلة من نور يشق ظلام الغرب، وكانت مصابيح صفد تبدو أمامنا نجوماً مشعة في قلب الليل.‏

الحزن يلفني من جديد، وأهدابي تحاول عنوة مغالبة الدمع الذي كاد يفر من عيني، لقد صرت رفيقاً له في رحلته، دخلت معه كل الأماكن التي مر بها، وتحدثت لكل هؤلاء الذين جالسهم.‏

انتقلت إِلي عدوى الجنون، تابعت مسيري داخل القرية، فمن منتصفها يتفرع شارع ضيق تخاصرت على أطرافه البيوت القديمة، مررت بكل البيوت، طرقت أبوابها، تحدثت لساكنيها، ثم وقفت أمام بيت طوقان عز الدين... نظرت جهة الغرب لقد صار بيتنا قريباً، أعدت ترتيب البيوت مرة أخرى في ذاكرتي، ربما نسيت بعضها لكن ذلك لم يحدث.. تقدمت قليلاً.. ها أنا الآن أمام بيت قاسم أبو سويد قبالة بيتنا تماماً.‏

دخلت البيت، شجرة التوت التي عشت في ظلها زمناً ما زالت كما هي، والإسطبل ما زال يغص بحيواناته، والدجاج ما زال يتقافز في أرض الدار بحثاً عن طعامه في روث الحيوانات،.. الأبواب ما زالت موصدة كما تركناها تماماً.‏

خرجت، مررت بمقبرة القرية، قبر والدي تغطيه الأعشاب البرية، وشجرة البطم الكبيرة التي تظلل أعداداً كبيرة من الموتى كما هي،.. جلست في ظلها تخللت نظراتي أغصانها، العصافير الهاجعة بدأت بالمغادرة من غصن إلى غصن.. غلبني البكاء صار نشيجاً مخنوقاً في صدري، استفقت من شرودي، نظرت في وجهه ما زال يتحدث:‏

في الصباح خرجت أنا وشمدين إلى الحقل الجنوبي، وظل الباقون في مضافة فياض السالم قاطعته... يا شيخ عبد الرحمن، أنت الآن في دمشق فعد إلى رشدك يا رجل، كل الذين ذكرتهم ماتوا هناك.. انظر حولك.. هذه العمارات الشاهقة، وهذه السيارات تتسابق إلى أرجاء المدينة المختلفة، وهذه الآلاف من خلق الله..!‏

قال:‏

اتركني أرجوك، لم يبق لدي وقت كاف. على الفور طوقته بذراعي، أشرت إلى سيارة عابرة، دفعته أمامي.‏

قلت للسائق: إلى المخيم أرجوك، بأسرع ما يمكن.‏

انطلقت السيارة تنهب الطريق وتبدد أحلام الشيخ عبر نوافذها المشرعة للهواء الساخن وغبار الحفر المنتشرة على طول الطريق، صرخ.‏

إلى أين أنا ذاهب الآن؟‏

قلت له بصوت متهدج: إلى القرية.‏

هدأ قليلاً وراح ينظر خلال النافذة نظرات ملؤها الوجل والريبة.‏

وحين وصلنا كان أفراد أسرته في حيرة من أمرهم، حيث خرج منذ أيام ولم يعد. على الفور تم إحضار الطبيب الذي سارع بحقنه بالأدوية اللازمة فتلاشى وهو يهذي بالأمكنة ذاتها، والأسماء ذاتها.. أصابته حمى الوطن.‏

تركته وعدت أدراجي إلى منزلي،.. فقدت إحساسي بالمكان، ظلت القرية تلف ذاكرتي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244