مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الدّخان ـــ مفيد خنسَة

[وصلت قوافلُ ومضهِ عبر الرمال طريدةً وتحولت عيناه في شرفات مرتعه القديم مع الأحبة أصبحت مثل الدمى أحجاره الصفراء.‏

يسأل.. كيف قبائلي طللا/ وأسمائي ظلالا/ وصلت قوافل عرشه/ وقبائل الأحباب غادرت الرمال إلى بلاد الشام].‏

ـ سلاماً‏

ـ توهمت لما يعد في المكان زمانٌ/ فكيف ارتمى في دجاك المساء/‏

ـ سلاماً‏

ـ خرجت من الممكن المتوارث نحو الدمار وخلفت كوكبك المتراكض يحلم فيك فتى يركب الريح/ يقفز من غامض العلم صوبي/ وترتع في ظل أشجاري العاليات/ وترقص مستمتعاً مثلما كنت قبل رحيل صديقتك النار‏

ـ أين ظلالي؟‏

ـ لما يعد في تبدد أشلائك الممكنات ظلال‏

ـ وأين معللتي؟ ما الذي تركته يدوي وراء الجدار؟‏

ـ لقد تركت جمرة في الغبار‏

ـ أعرافة الركب هذي نخيل تعاويذك المفزعات/‏

فكفي أمامك.. أين نصير الديار؟!!‏

ـ ستأكل تفاحة من بساتينها.. ويجيء الدمار/ وتسكن دهراً بعيداً عن الحب/‏

تقتل نفسك/ ثم تصير شعاعاً يبدد صمت الغبار/‏

ـ يباب ديارك أوهمني أنني في ضياع السنين سراب/‏

وقيدني في زمان التذكر غصناً توارث زيتونة‏

زيتها يوقد الآن من غير نار/‏

بدأ النور من نورها واستطار/‏

إذن كيف تمضي القوافل خلفي راضية/‏

وطريقي نهايته للدمار‏

فأين معللتي؟!/ حلمي غابة من ضباب‏

أعيد سؤالي/‏

في أي أرض أراها؟‏

ـ هناك إلى سدرة المنتهى‏

ـ فكيف سأمضي إذن؟!‏

ـ مشغفاً سوف ترحل من حانة الخمر حتى ضجيج الدوار/‏

ـ أعيد سؤالي للمرة الألف.. ما عاد غيرك يشفي غليلي/‏

ـ سأبنيك بعد الدمار/‏

ـ إليك توسلت قرب الجدار/‏

***‏

خرجت من الواجب المستفيض إلى ممكني وتفننت في رسم مملكتي/ سراج منير إلى النحل كي تتبوأ كوني، وتمتص نسغ الشعاع ليرسله في شرايين زيتونتي وهجاً يستفيض إلى سلسبيل الكواكب/‏

لوح تمثلت أغصانه في الكتاب/‏

تبوأت أسمائي الشاهدات، وعلمتها/‏

جاء غيث حضوري وفيضي على فاتحات المدى‏

ثم قلت الجهات/ وأنهيت فعلي، وسلمته جدولاً من مشيئة أكواني الممكنات/ تدفق فيها مياهي ومسلسل ومضي/ وهو الآن يبدأ فتحاً جديداً، تبارك من وجهي المستفيض وبسمل/ حجبني/ وانبرى في البناء الجليل وأجمل باباً‏

وسمى مفاتيحه، ثم أقفاله والخزائن‏

بوّب../ ثم تبوب في جمرات الحروف/ يتيم بدأ ألغى شهقة الفجر/ صمت غريب تملّك مملكتي.‏

هي الأرض تبدأ أطوارها...‏

كانت الشمس عند الغروب، وفي الفجر قوساً تخطت/ فكان خفياً، وعند الظهيرة أينع نهد معللتي في أنحاء المسار.‏

وللفجر شوطان كان تبقى لكي يستدير محيطي/ ويقرأ أيتامه.. مثلما الأرض في سر تجوالها.‏

كان قابيل في مشرق الأرض، هابيل في مغرب الأرض يرسم شكل النجوم.. تهيأ للام أن لآدم شكل المحيطات، فاستوطنت في الجزيرة تحلم كيف ستكمل دورتها.‏

صنعت قارباً من لذائذ أحلامها..‏

وانبرت تستطيل لتأخذ شكل الشطوط‏

فكيف سيودع قابيل سوءة هابيل وهو وحيد ولا يعرف الجب.. أو بضع سيارة تسعف لالتقاطه.‏

وها نحن أسرة قابيل، ينضج فينا/‏

وتكبر فينا الجريمة والهتك والقتل/ كيف تأجج فينا؟!‏

وأودعنا في القفار/‏

لقد صار فرعون في كل نفس. وليس لموسى وميض.‏

وعصر من السحر يمضي مضيئاً..‏

وموسى مضى يرتدي معطفي..‏

فتراءت له شجرة تتلألأ بالنار ثم جرى ما جرى.‏

كيف أحكي لفرعون أن ملاعينه سحروني.‏

وأخجل أن أتحدث للناس.. كيف تراءت لوجهي في غيمة من دخان؟!!‏

أهي عفريتة؟/ لست أردي/‏

فقد حضنتني وقالت‏

"ههاها.. ههوهو.. ههيهي"‏

ولكنني حين قالت فهمت‏

أميرة عصر بدت/ ثم ذبت بها قطعة من ثلوج الشمال.‏

دخان كثيف يغادر كهف الدوار/ يكللني بالأريج/ يسائلني كل أسئلة الاصطفاء.‏

ومن أي أرض أتيت، وعرفت أسمائي الذاهلات، وتنفرد النار في مقبض الكف.‏

يخرج إبليس في هيكل النار/ يقرأ تاريخي المتوارث/ قابيل جدي/ وفرعون مملكتي/‏

فجأة أتبدد من ثوبي الآدمي دخاناً لمصباح عرش الشهادة/ مشكاته لؤلؤ النور/ هوناً تبوأت زيتونة عند بدء الجهات/‏

فألقى بإصبع غصني موسى/ وأخفيت كل الثعابين في الحوجلة فكل العفاريت رصد بحوجلتي‏

تقابلني النار في هيكل النار، أقصد في هيكل النور/ يخفي نواياه يحضرني دائماً/ أتكثف/ أخرج من حوجلات انتشاري/‏

وأسأل‏

ـ كيف خرقت السفينة؟‏

كيف قتلت الغلام البريء؟‏

وكيف تقيم الجدار ونحن جياع وقد بخل الأهل أن يطعمونا ولو قطعة من فتات‏

وعاهدته الصبر دون التساؤل‏

علمني ما يشاء.. وغاب..‏

فحرق قلبي طول الشتات‏

تبوأت عبر الممرات/ أجتر قهر النبات الذي أودعتني سجيناً على الموج أوراقه باحثاً في خريف الينابيع عن هجرة القلب مرتعشاً في اختيار الجهات.‏

[من يرى الناس مثلي موروبة للوراء رؤوسهم الفارغات وهم ينسجون ملاحم أسلافهم؟!‏

أو يباعون في السوق أرخص مما تباع الشياه من يرى في المقابر أشباح أمواتنا ينقشون تواريخ أمجادنا؟!].‏

قاب قوسين أشهد تنورنا أضرمت ناره‏

فار تنورنا من فم الناس، والناس نافورة‏

تتدفق آثامهم نهراً ينتهي للسماء التي تستطيل بجدران تنورنا‏

تبلع الشمس جاراتها، تتبدد خمساً‏

ويبدأ دور جديد وينفخ في الصور،‏

تظلم كل المجرات في الكون‏

ترتجف الأرض.. تخشع..‏

تسأل ما للشموس التي ولدتني تقمطني بغطاء كثيف فكيف سأمضي إلى الشمس‏

ينفخ في الصور، تظلم كل المجرات، كل الشموس ويبدأ دور جديد‏

ويبتدئ الكون رقصته في الدخان‏

أبا جعفر، ما الذي كان يبدع في أفقك المتداخل شكل المدينة.‏

سور منيع/ وكيف خيالك يختار شكل الدوائر/ باب إلى الفرس/‏

تدخل منه السموم إلى عرشك المتألق‏

كيف مضى العمر منك ولم تحسم اللعبة القاتله‏

تصوب نحو جلالك، واحسرة الحلم‏

هم ينقذون إلى مركز الدائرة/‏

وسفرك مرآة شعري/‏

أعيد السؤال/‏

إلى أي بدء مضيت؟!‏

وفي أي قاموس رؤيا اهتديت إلى الدائرة؟!‏

وكيف تسيجت بالنار ثم سمحت لهم بالنفوذ‏

إلى مركز العرشي/‏

إني أخاف عليك إذا قلت للناس:‏

إنك تبغي الطواف بهم حول سور المدينة‏

واحسرتاه/‏

نسيت بأنك أول من طاف حول صنيعك‏

تحسب أنك كنت الخليفة في الأرض‏

باب خراسان،‏

تعصفه الريح/‏

إن أبا مسلم يمتطي هودج الرفض/ لكن/‏

دخان الحريق إلى "هبة الله" أظلم في مقلتيه.‏

وأعطى خراسان شالاً من الرعد‏

باب إلى الشام‏

أبكيك يا شام‏

بدل صوتي حب الخلافة/‏

تمسين من غير ناي ولا جمرة في خريف الوداع‏

إلى دائرات الوحول‏

أفتش عنك/‏

أسائل مروان كيف تجاسرت للحرب في "الزاب"‏

وانطفأ النور‏

عمت صباحاً ديار الأحبة‏

كيف هجرت الرمال إلى غير علمي‏

وباب إلى الكوفة الحانية‏

أبا جعفر‏

كيف ينتشر الناس نحوك،‏

خارج أسوار عرشك بعد طواف فئات الدمار على هامش الدائره‏

وتختار سرة بابل‏

تمرح فيها وتسرح‏

يغويك هيف من الخصر‏

تلتف حول مفاتنه المترعات‏

"يجاذب نهدها خصر تهيّف وهي تنوء كأنها مثنى بكفل ثقيل وفخذين"‏

ما فتنتك سوى العروة الشعب‏

كنت تفيأت في ظله،‏

وتفننت بالعشق حتى خريف صباك‏

فماذا سأحكي لغسان‏

غرناطة سقطت‏

يا أبا جعفر إنني أقصد الآن/‏

بغداد تسقط بعد الضجيج‏

سلاماً أبا جعفر قد أطلت‏

لأني أراك على أول الخائنين‏

كذا قال لي مرة قاسيون‏

صامتاً، صامتاً خلته قد تلاشى‏

جلست بقرب كهولته‏

بردى كان يبكي/ ويهرب في الغوطتين/ نظرت إلى الأفق/‏

كان الدخان كثيفاً‏

شربت من الخمر خابية وجلست على قاسيون أتيتك يا شام/ يا جنة العرش/‏

إني أسيرك/ أسير تلالك/‏

أشهد في الغوطتين بشيلي/ وفي بردى اللاذقية‏

في مقلتيك حلب‏

توافدت الشام نحوي في الكأس انهار عشق قديم‏

توسدني قاسيون وألقى عمامته‏

قال لي: من تكون؟!!‏

فقلت: أنا شاعر عربي توسدت زندك/‏

أطمع بالنوم قربك‏

قال: وما اسمك؟‏

قلت: نسيت‏

فقال: وفي أي أرض ولدت؟‏

فقلت: بمهدك‏

قال: وكم عمرك الآن؟‏

قلت: القصيدة‏

قال: فخذ بعض أوراقك المهملات‏

قرأت الخيانات من أبجديات بابل‏

حتى سقوط المدينة‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244