مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قراءَة في كتاب البدَايات ـــ عَلاء الدّين عَبد المولى

لغةً كوني، أكن أسماءَ‏

ننحني أقواسَ جمرٍ، الجمرُ صديق الأزهار‏

في الحربِ،‏

صديقُ فرحٍ تلده حلمةٌ عاشقةٍ.‏

نسافر هكذا، يطيبُ الاختباءُ في أغنيةٍ تتكئُ‏

على أغنيةٍ،‏

نسافرُ هكذا، نحملُ في أيدينا الحقول.‏

***‏

وأنت تعدين خراف السماء، هل ثقبَ سهمٌ نافورةً من جمجمتكِ؟‏

هو سهمٌ يشكلني بمشيئتهِ: دماً فقيراً، يصلُ بين السماءِ والقلبِ،‏

يدايَ: قصبٌ، ساقايَ: عشبتانِ هشتان، وجسدي صخرةٌ مهملةٌ.‏

***‏

تعاليْ! هرولي عاريةً على جسدي،‏

تسللي من ثغور ذاكرتي،‏

من رآكِ اختبأ فيه الشجر، أو أصبح حديقة تمشي.‏

من سماكِ العاصفة كان امتلأ بكِ،‏

لغة كوني، امتلئ بأسمائكِ.‏

***‏

أقرأ فيكِ:‏

[تأتين بخفينِ من الذهبِ،‏

تستديرُ خلفكِ حديقتانِ حول كهفٍ،‏

هي صاعقةٌ فوق رأسك تضيءُ،‏

أنتِ يا حشد الغيومِ تعدين كل شيءٍ،‏

ثم تعلقين حجاباً للفضاءِ يحرسُ الآلهة.]‏

اقرئي فيَّ:‏

[أنا/ عيونٌ تفقأ بإِبرة الزمنِ،‏

شفاهٌ تعض على الحجارةِ،‏

صدرٌ يرعى فيه الرمادُ قطيعاً،‏

قبرٌ تقتتلُ عليهِ جثتانِ.‏

... ... ... إلخ‏

أنا/ المتناثرُ، عكازي يكلٌ عظميٌ،‏

وطريق جيفٌ تسندها جيفٌ،‏

أنا/ نهرٌ أضاع صوته في المستنقعاتِ.‏

كوني وادياً.]‏

أبصري هوائي...‏

[هوائي: ذئابٌ يبيعون قيثاراتٍ،‏

غناءٌ من حناجر يلتهمها العنكبوتُ،‏

هوائي: شوقُ إِلهٍ لملائكتهِ.‏

عويلُ آدمَ في جنازة سلالاته.]‏

أضيعي مسافة الغياب واقبضي على فراغي.‏

إِني أتخذُ معكِ سبيلا،‏

أيتها الصوتُ، ونونُ النشوةِ أنتِ،‏

عنكِ تحكي البساتينُ لأشجارها والأشجار لجذورها الجذورُ لمائها،‏

قولي كنْ، ألملم عظامي أكسوها ماءً‏

وأقشر جمجمتي من لحائها النتنِ‏

أرش على أعضائي تفاحاً‏

على أعدائي تراباً فلا يبصرون،‏

بكِ، تعقد حلقاتُ القمح في قلبي، ورئتاي نافذتان تهربان الجياعَ‏

قلبكِ: بندقيتي غصنٌ مهشمٌ، كيف أواجه اندلاع الخرائبِ في الذاكرة؟‏

قبلكِ: الغيمة البيضاء تهرب من قلبي وتظللُ النبيَّ،‏

والفرحُ ينشرُ أضلاعي على سفوح المعتقلات‏

***‏

أشباحٌ في الليلِ.‏

وأنتِ تطلين من بين غيمتينِ،‏

ألقي حدسي في زمنٍ يغلي.‏

أتلمسُ الأشياء:‏

(ذكرٌ يولد من عجزٍ، وأنثى تشتري رغيفاً بفخذيها‏

ذكرٌ يبيعُ القرى، وأنثى تحاكمُ خليفةً بشأن عينيها)‏

أتلمسُ الأشياءَ:‏

(أطرافي المتدليةُ من جلدها‏

بأية زهرةٍ أغريها؟‏

روحي الذي لمس عرش الله فرآه،‏

في أي سجنٍ يجد فكرتهُ؟).‏

أتلمسُ الأشياءَ:‏

(للبحر لسانٌ أخرسُ،‏

البحرُ يخفي بلاداً تتظاهرُ ضد عشاقها‏

وتحسبُ الزنزانة حديقة،‏

والجثة عشاً للطيورِ.).‏

تتلمسني الأشياءُ‏

(حيثُ جذوري تضربُ في تيهٍ‏

ويرتدي النهرُ قناعاً من الحجرِ،‏

حيثُ يحترقُ قصر أعضائي،‏

وتربط حجارته بصخرة العدمِ.)‏

تتلمسني الأشياءُ‏

حيثُ لا شيء في أشيائي.‏

***‏

خلقتني يد الفاجعةِ، توجت ظلمتي بدمٍ.‏

هل الدمُ شجرُ البرية تأكلُ منه زرافات الخلقِ؟‏

هل تورث الأرحام إِثم عاشقٍ باحت له الشجرة بأسرارها؟‏

هكذا أولدُ، على كتفي ختمُ الخطيئةِ‏

خذي هباب شرياني، قوافل قلبي المتدفقة كطوفانٍ يغرقُ نفسهُ‏

خذي أعراسي وكل أجناسي.‏

واتركيني على هيئةِ من قال "نعملك على صورتنا"‏

أثمر في الخواءِ وأنشر بقولاً للزواحف، وأعمدة للسماءِ.‏

اتركي كل ذي عظيم نخر، أفجر فيهِ عيناً، وتسقى غزلان جسده.‏

أرتب منازل هاويتي، أقول لها "أثمري وأكثري"‏

خذي جحيمي، سأحيطُ جسدك بفردوسي، أوصيكِ:‏

"من جميعِ الشجر تأكلين،‏

من جميعِ الشجر...".‏

وليتوطأ الكونُ مع الفرحِ،‏

ولتتمدد البسيطةُ على ماءٍ بلا عرشٍ.‏

أنا الكائنُ الأولُ. أقصدُ الغاب، فيه من شجرِ الزيتونِ فيضٌ.‏

تدثرتُ بأوراقِ الشجرِ،‏

وكما ترفقتُ بناري وطمرتها بالرمادِ،‏

هكذا ترفقتُ بنفسي وطمرتها بالأوراق.‏

أيتها الآلهةُ:‏

أرسلي على أجفاني نوماً ونسياناً و... حلماً.‏

(عروسٌ فضائيةٌ رنت خلاخيلها شهوةً.‏

وفرجها احتقن بالبذور.‏

قالت: أهيءُ خبزاً.‏

وأملأ زقاً بنبيذ، وجرةً بزيتٍ".‏

ولما بلغتِ النهر، سرقها الماء لتدهن‏

ثدييها بالطيبِ.)‏

هو حلمٌ يتصدع، صراخ فتياتٍ أيقظني.‏

ما أعلى هذا الجمال، ينزل لي أثداء وبطناً أطفو على رغوتهِ.‏

يشبهني برقٌ شق ضلعه وانهمر على التراب،‏

ثديٌ لشفتي، لأعشابي الناشفة ثديٌ.‏

ثديٌ لنسلي، لنايِ خرافي ثديٌ.‏

أيتها الملكة! خذيني إلى (ميمكِ) إلى (تائكِ)‏

أسبح بينهما وأكونُ (لكِ)، لماذا هربت‏

وصيفاتك من جسدي؟‏

إِنَّ ذاكرة تولد الآن، أزركشها.‏

خذيني جرةً لدهنكِ، عشبةً لعورتكِ.‏

إِليكِ يثب كوني وهشيمي، وتنفتحُ أعماقي لتسقطي فيها.‏

أحملُ فراغي، وأضعُ فجري بين يديكِ،‏

أنشرُ على صدرك شفاهَ أزهاري.‏

خذيني! أتخذكِ متاهة أتباهى بها.‏

أشتبكُ بأغصانها وتحبل بي وديانها.‏

أنا اللفظةُ المشردةُ‏

الصخرةُ المفردةُ.‏

جمعيني وهبي ذريتي أسماءها،‏

بأحلامك تشعب روحي واخضرت كلماتي‏

كيف تتركينني في الغابِ أكتبُ:‏

"أنا الوحشُ الكامنُ في حجرةٍ، تعبرني الخلائقُ،‏

والوقتُ جبلٌ أجردُ أستلقي على أشواكهِ"‏

خذيني إلى المدينةِ أيتها الملكة.‏

قلتُ: "تمنحين ضعفي بذرة الآلهةِ،‏

تخلعين عني أردية الجلدِ،‏

وآكلُ خبزاً"‏

وها أنا: بين جنبي أسرارُ الليلِ والنهارِ،‏

وتأويلُ غموضِ الرعدِ والملكوتِ.‏

أحتضنُ هداياكِ بجناحيَّ،‏

فأشيري إلى "ثورِ السماءِ" يوقف هذا الخراب‏

أكن هلاكاً لكل حيةٍ تستوطنُ جذورَ الشجرِ،‏

نسافرُ هكذا، يطيبُ الاختباءُ في لفظةٍ تمشي بمواسمنا‏

نسافرُ هكذا، نعيدُ بناءَ العالمْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244