|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
علاقة السّينما بالأدب ـــ المخرج: محمد غسان عَبود والمخرج: ريَاض هاني رعد * سئل، مرة، المخرج الأمريكي بيلي وايلدر عن أهم ثلاثة عناصر في العمل السينمائي فقال: "السيناريو، ثم السيناريو، ثم السيناريو". ومرة قال المخرج العالمي هتشكوك: "إن السيناريو الجيد هو أهم شيء، وشعاري المرفوع دائماً أعطيني (سيناريو) جيداً ولا تسألني عن شيء بعد ذلك". وقال المخرج سيسيل دي ميل في أحد مؤتمراته الصحفية عندما سئل عن الوصايا السينمائية العشر لصنع فيلم جيد، "الوصايا التسع الأولى هي أن يكون هنالك (سيناريو) محبوك، أما الوصية العاشرة فهي المخرج والممثل والجمهور". نلاحظ أن هؤلاء السينمائيين العالميين الثلاثة أكدوا بشكل مطلق على أهمية العنصر الأدبي للشريط السينمائي، وهو السيناريو. ويبدو على السطح أن السينما العربية عموماً والسورية خصوصاً تعاني من مشكلة السيناريو، فالسيناريو هو الفكرة التي أوجدت الفيلم وعبر هذه الأهمية نسأل ما هي علاقة السينما بالأدب؟ من خلال المخرج والكاتب. ومن خلال النص والحوار والحبكة الدرامية والأحداث؟ ويعتبر السيناريو من الأركان الأساسية في صناعة السينما، وعلى أساسه يقوم العمل السينمائي كله بحيث تأتي العناصر الأخرى كالديكور والإضاءة والتصوير والإخراج فيما بعد. كما يلعب السيناريو الدور الأساسي في مسألة تقييم الفيلم سلبياً أم إيجابياً سواء لدى النقاد أو لدى المشاهدين. والسيناريو السينمائي هو وليد حالتين لا ثالث لهما، الحالة الأولى أن يكون منقولاً عن عمل أدبي قصصي روائي، مسرحي، شعري، والحالة الثانية. أن يكون خالصاً، أو كما يطلقون عليه شاعرياً، أي أن يكون مكتوباً خصيصاً للسينما دون أن أصل أدبي يعتمد عليه. ولعل بحثنا سيتركز بشكل مطلق على الحالة الأولى التي تجسد بفاعلية علاقة السينما بالأدب. اختلفت الآراء في هذه المسألة كثيراً، فالسينمائي يقول إن الفيلم ينقل الرواية لملايين الناس ويأخذها للعامة من يدي الصفوة أو النخبة ولا خلاف بين الأدب والسينما، وهذا صحيح، في حين أن معظم الأدباء لا يعترفون بعملهم بعد أن يتحول إلى عمل سينمائي، ويدعون أن السينما تزيف أدبهم وتهمش شخصياته إلى حد جعل الكاتب الكبير أرنست همنغواي يصرخ في الظلمة، وهو خارج من الصالة، حين كان يشاهد عرضاً لفيلم مأخوذ عن إحدى رواياته، "أوقفوا هذه المهزلة أيها الأوغاد..."، وهذا صحيح أيضاً، وفي أحد اللقاءات التي أجرتها مع المخرج السينمائي صلاح أبو سيف، رائد الواقعية في السينما العربية، والذي أخرج للسينما أربعين فيلماً، عشرون منها مأخوذة عن رواية، والعشرون الأخرى مأخوذة عن سيناريو مخصص للسينما، سألته إن كانت تستطيع السينما أن ترقى لمستوى الأدب فقال: "إن الأدب نوع والسينما نوع آخر، وكل له دور مختلف في عملية التثقيف، لكن الأدب أقدم من السينما، وتيار الواقعية قرأته في كتابات بلزاك وإِميل زولا وفولتير وتشيكوف وديستوفسكي، ومنه أخذنا الواقعية السينمائية لكن الأدب يحتاج إلى قراء، في حين أن نسبة الأمية في بلدنا تصل إلى 70% ونسبة المثقفين 10%، وهذا يعني أن الأدب لا يصل إلا إلى 10% فقط، فالسينما إذاً هي سلاح عظيم يفهمه الجميع بكل شرائحهم، ودون استثناء، ما دام يملك العقل، وما دام المخرج يعتمد لغة سليمة، فمثلاً رواية الحرب والسلم تقع في (1200) صفحة قرأتها خلال شهر، لكنني شاهدتها في فيلم خلال ثلاث ساعات أو ساعتين ونصف فقط!". وفيما إذا كانت السينما تستطيع أن تزيف وتشوه الأدب قال: "السينما مثل الأدب تماماً وفيها كل تعبيراته وبقدر ما تكون اللغة السينمائية المستخدمة عميقة في التفكير، يكون تفكيرك عميقاً، وإن كانت سطحية ستجعل التفكير سطحياً، فالسينما تحتوي نفس فلسفة وأساليب الأدب". أما المخرج المصري داود عبد السيد صاحب العديد من الجوائز، وصاحب "البحث عن سيد مرزوق" و"الصعاليك" وفيلمه الأخير "الكيت كات" المأخوذ عن رواية لإبراهيم أصلان بعنوان "مالك الحزين"، والتي أثار نقلها الكثير من الجدل، قال موضحاً حول رؤيته الجديدة التي قدمها في الفيلم، والتي تختلف عن رؤية الكاتب "هنالك معالجة جديدة للرواية أكثر منها رؤية جديدة(!) سواء من حيث التسلسل الدرامي في الرواية، أو من حيث شخصياته الكثيرة جداً، والتي تتنافى في هذا مع استطاعة الفيلم السينمائي في استيعاب الشخصيات، فلا يمكن بذلك الالتزام الحرفي بنص الرواية، وهذا ما دعاني لحذف بعض الشخصيات، وبعض الأحداث، كأحداث كانون الثاني 1977، التي كانت موجودة وكذلك تصرفت بالفترة الزمنية، في حين كانت الأحداث في الرواية تختصر في يوم واحد، جعلتها في السيناريو أربعة أيام، أما مسألة تغير العلاقات بين الشخصيات، فهذه تعود لتقديمها سينمائياً بطريقة تجعلها صالحة للنقل السينمائي". لقد نقلت هذين الجزئين من الحديثين مع هذين المخرجين، لأنهما يختصران بسرعة المشكلات العالقة بين السينما والأدب وهي تتلخص بالتالي: 1ـ الاختصار وتكثيف الأحداث إلى درجة الإفقار والتشويه بالأحداث وبالشخصيات. 2ـ تغير علاقات الشخصيات مما يفسد، غالباً، مضمون العمل الأدبي. 3ـ إضفاء وجهة نظر جديدة على العمل الأدبي قد تكون مختلفة عن وجهة نظر المؤلف. إن اختلاف السينما كوسط فني عن الرواية يفرض حدوداً، ولكن إلى أي حد يمكن للسينما أن تعبر عن النص الأدبي؟. وهل يكون في الإمكان تحقيق قدر أكبر من الأمانة في تحويل العمل الأدبي إلى السينما ولماذا، وكيف؟. تقدم القصة للسينما شخصيات أكثر تعقيداً إذ تقدم العلاقة بين الشكل والمضمون بشدة ودقة لم تتعود عليهما الشاشة، كالمادة التي يجري إعدادها تكون، غالباً، ذات نوع فكري أعلى بكثير من الوسيط السينمائي، وهذه العوامل تعمل على رفع مستوى الفيلم إذا حاول الحفاظ عليها، كذلك فإن السيناريو يحذف الوصف الروائي كله بسبب جولة الكاميرا، أو "بانوراميتها"، ولكنه، أي السيناريو، يطيل من السرد، وهذا يعني أنه حين يتم إعداد فيلم عن رواية سيتطلب الأمر الكثير من الحذف، ويترتب على ذلك تقليل عدد الشخصيات والمشاهد والحوار والقصص الفرعية عما في الرواية، فالفيلم لا يمكن أن يحاكي الرواية محاكاة تامة في مسألة الأسلوب، ولكنه يستطيع أن يظل أميناً على الرواية من وجوه أخرى متعددة لعل أهمها الفكرة والهدف، فالمشكلة تتعلق في مسألة تكثيف الأحداث والحذف، لأن حجم الرواية كبير، والتفكير لدى كاتب السيناريو ينصب على الطريقة التي سيتم فيها استيعاب أحداث الرواية في الحدود الزمنية المطلوبة للفيلم، فأول ما يخطر على ذهن كاتب السيناريو هو البحث عن الفصول والأحداث التي يمكن التخلي عنها في الرواية، وهنا يمكن أن يصيب الكاتب أو يخيب، فإما أن ينقل هدف وفكرة ومضمون الرواية، أو يشوهها ويزيفها. وبعد هذا الحذف يحاول الكاتب أن يعيد صياغة الرواية بالطريقة التي يراها مناسبة، فيجري تعديلاً على هذه الشخصية أو تلك وعلى هذا الحدث أو ذاك، ليتناسب مع ما تم الإبقاء عليه، ومع كل حذف وتعديل سيقحم الكاتب نفسه، ووجهة نظره في السيناريو الجديد، لذلك يخرج السيناريو، غالباً، بعيداً بهذه الطريقة أو تلك عن روح الرواية الأصلية. ويؤكد المخرج صلاح أبو سيف رائد ومعلم كتاب السيناريو في مصر فيقول: "أذكر أنني عندما عملت فيلم "المجرم في إجازة" عن قصة إنكليزية بعنوان Sleeping Tiger "النمر النائم"، لم تعجبني فكرة الرواية، لأنها تقول إِن الإجرام يولد مع الإنسان، فاختلفت معه في هذه الرواية واعتبرته رأياً خاطئاً. لأن الظروف الاجتماعية هي التي تصنع الإجرام عند المجرم، فصغت الفيلم حول الأحداث نفسها، لكني غيرت الهدف كلياً وحملت الفيلم الرأي الاجتماعي الصحيح". هذا يعني، بكل بساطة، أنه ككاتب غير هدف القصة أيضاً وليس الأحداث والشخصيات فقط، بغض النظر عن صواب رأيه أم لا!. كذلك يلجأ كاتب السيناريو عادة إلى الحذف بسبب عوامل سياسية واجتماعية، تخضع لها ظروف الفيلم الذي قد يختلف زمنياً وسياسياً واجتماعياً عن الظرف الذي كتبت فيه الرواية، وخير مثال على ذلك ما فعله صلاح أبو سيف في فيلم "القاهرة 30" الذي نقله عن رواية "القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ، والذي حذف منها شخصية أساسية وهي شخصية مأمون، فيقول أبو سيف عن سبب ذلك: ".. في الحقيقة تحوي الرواية أربع شخصيات فعلاً، ولأن الشخصية الرابعة كانت شخصية إسلامية تمثل الإخوان المسلمين، حذفتها لأنني عندما كنت أضع الفيلم ضرب عبد الناصر الإخوان المسلمين، ضربة قوية جداً، وأنا لم أضع هذه الشخصية المدانة في الرواية، لكي لا يقولوا أنني تابع للحكم الناصري، بشكل مطلق، وأنتهز فرصة ضرب عبد الناصر لهم، ولو لم يكن عبد الناصر ضربهم أثناء العمل، لعملت هذه الشخصية، وقد تحدثت مع نجيب محفوظ، وأوضحت له رأيي هذا، وأنا، في العادة، أناقشه بكل كبيرة وصغيرة، عندما أريد نقل رواية له إلى السينما، لأنه، غالباً، ما يكتب أشياء كثيرة بين السطور، فأناقشه حتى أتأكد من فهم هذه المسائل، لذلك أؤكد على التفاهم بين كاتب السيناريو والمخرج من جهة، وبين مؤلف القصة من جهة ثانية". وهنالك خطاً آخر يقع فيه كاتب السيناريو ذكره الأستاذ أبو سيف، في السطر الأخير من الفقرة السابقة، وهو عدم فهم كاتب السيناريو أحياناً للمغزى الخفي، الذي يقدمه الكاتب بين السطور، وقد وقع في هذا الخطأ الكثيرون من كتاب السيناريو، فمثلاً في فيلم "الطريق" للمخرج السينمائي حسام الدين مصطفى، والمأخوذ عن قصة بنفس العنوان للكاتب الكبير نجيب محفوظ وقع في ذات الخطأ، إذ نجد في الرواية شخصاً يبحث عن أبيه، ولكن التفكير السطحي للمخرج، جعله ينسى أن نجيب محفوظ يريد بذلك أن يقول أن الرجل ببحثه عن أبيه إنما يبحث عن الحقيقة، عن الله عن المبادئ واقتصر المخرج في البحث عن الأب فقط فصنع فيلم "أكشن" يتضح من خلاله أن المخرج لم يفهم أحداث الرواية وسياقها ولم يفهم رسم الشخصيات التي قدمها نجيب محفوظ في الرواية. الشخصية الدرامية في وسائل الإعلام الجماهيرية المرئية: لقد أفردنا للشخصية بحثاً خاصاً بها، لأنها هي أهم الإشكالات التي يقع فيها كتاب السيناريو، والشخصية هي التي تمنح العمل الروائي مذاقه الخاص، فإذا كانت الحبكة تكشف عن منطقة الروائي وأفكاره، فالشخصية هي الجسم الحي لمنطق المؤلف وأفكاره. عادة تكون الشخصية في الرواية مسبقة بأحداث ممهدة تكشف الجوانب النفسية والاجتماعية للشخصية، بحيث تفسر سبب قيامها بهذا العمل أو ذاك، والشخصية الإنسانية شخصية تتراوح بين الأبيض والأسود لتتدرج في كل الألوان، يعني أنها قد تكون سيئة في هذا الاتجاه وخيرة في ذاك، معتدلة إلى درجة ما في آخر وهكذا تكون شخصية حية تنبض بالدماء. والأدب هو الوحيد، حتى الآن، في معظم إنتاجه استطاع أن ينقل هذه الشخصية الإنسانية الحية ويجسدها ويبرر تصرفاتها بأسباب مقنعة، ولكن ما الذي يحدث عندما تنقل هذه الشخصية إلى السينما أو التلفزيون؟. إن السينما والتلفزيون، وسائل إعلامية، من أهم خصائصها التبسيط لذلك يلجأ الكتاب، عادة، حين يحذف بعض الأحداث، إلى حذف الأحداث التي تمهد وتعلل أسباب قيام هذه الشخصية بهذا الموقف أو ذاك، ويعطونها طابعاً فكرياً خفيفاً، فتأتي تصرفاتها، غالباً، يشوبها الغموض وعدم التفسير. لذلك تعتبر الشخصية الدرامية في السينما والتلفزيون هي أهم من يعاني من مشكلة الثقافة الجماهيرية، لأنها تصاب بعدة علل، أولها التبسيط الذي يخفف من أحمالها الفكرية، وبالتالي، يهمشها، وثانياً النمطية التي تقع فيها، بحيث تخرج إما سوداء أو بيضاء، إما خيرة أو شريرة بشكل مطلق، فتنقلب من شخصية حية إلى قطار حديدي يسير على خط واحد فقط. وهذه هي أهم العلل، فالشخصية الدرامية تنقلب إلى مجرد آلة تعمل في الخير المطلق أو الشر المطلق ولا يؤثر على سيرها أي مؤثر نفسي أو اجتماعي أو سياسي، لأن التلفزيون والسينما، تقدم شخصية خيرة في كل شيء مع الزوج، مع الولد، مع سكان الحي. مع الأب مع الأصدقاء، ولا يقلل من خيرها أي مؤثر، كظلم شخص ما، أو قهر سياسي ما، أو ضغط اجتماعي أو اقتصادي... إلخ، كشخصية "حكمت" في مسلسل "ضمير أبلة حكمت"، أو شخصية سلبية شريرة في كل شيء أيضاً. وتحت كل الظروف، وهنا يكمن الفرق بين شخصية الرواية وشخصية السينما والتلفزيون. فالنموذج والنمط و"الكليشة" هي الغالبة والمسيطرة على شخصيات السينما والتلفزيون، فشخصية الصحفي أو الطبيب، مثلاً، التي كتبها إحسان عبد القدوس، تقدمها السينما والتلفزيون بنفس الشكل الذي يقدمها نجيب محفوظ أو أي كاتب آخر، دون الخضوع للاعتبارات والخلافات في المنهج والتفكير الذي يتبعه كل منهم. إن تغير أبعاد الشخصيات في النقل بين السينما والأدب، يجب أن يرافقه حرص على استيعاب المنطق الداخلي لبناء الرواية، من تقابل وتوازي بين الأحداث، وهذا ما يفتقر له، غالباً، نقل الرواية إلى سيناريو، ولكن هل يمكن للسينما أن تبتعد عن الأدب، لأنه ركن أساسي فيها، لكن سرعة نقل الرواية وتحويلها إلى سيناريو، هو الذي جعل المشكلة قائمة، ويجب أن لا ننسى أن هنالك عدداً من كتاب السيناريو وفقوا، إلى درجة كبيرة، في نقل الروايات إلى السينما، لعل أشهرهم عربياً "نجيب محفوظ"، وصلاح أبو سيف، لماذا؟! لأنهم أبقوا أنفسهم خارج الرواية، ولم يعبثوا في أهدافها ومضامينها ولم يحذفوا ما يمكن أن يعكر سير أحداثها، وحاوروا واستوضحوا الروائيين عن معظم الأفكار فاستطاعوا توصيل هذه الروايات إلى السينما بأمانة فائقة. هل تحل السينما الخالصة المشكلة؟ يقول صلاح أبو سيف "إن اقتباس رواية للسينما أصعب كثيراً من الكتابة الخالصة للسينما لأن المشاهد عندما يقرأ رواية ستكون لديه فكرة خاصة، فإذا لم يجد أن الفيلم المنقول عنها يطابق رأيه، ف سوف يكون ذلك خطأ بالنسبة إِليه". أما المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد فيقول "عندما تأخذ رواية مشهورة لكاتب مشهور، يكون قد قرأها القارئ فتشكل عنده صوراً وأشكالاً تخصه، فعندما يأتي المخرج ليصنع من هذه الرواية عملاً سينمائياً، يكون لديه أيضاً صور وأشكال قد تختلف عن رؤية مؤلف الرواية، فيأخذ منها، أحياناً، روحها. ولا يأخذ حرفيتها، فيأتي المشاهد لمشاهدة الفيلم عن الرواية التي يعرفها، فيصاب بالصدمة لأنها خالفت عذرية التخيل عنده، والتي اقتحمها المخرج، أو هكذا يتهيأ للمشاهد، فهذا الموضوع له حساسيته الخاصة، فأنا شخصياً مع العمل المكتوب خصيصاً للسينما، وهو رأي خاص لا يمنع أحداً من أن يقوم بعمل سينمائي عن رواية". نلاحظ أن الجميع يؤكدون على صعوبة نقل الرواية إلى السينما، ومسألة الدقة في هذا النقل لإرضاء القارئ، ولكني أعود فأؤكد أن هذا القارئ الذي هو 10% فقط من الجمهور لكن هنالك الـ (90%) من الذي سيعرفهم بأحداث الرواية؟، أليس التلفزيون والسينما أليس من حقهم أن يعرفوا أيضاً!. إن السينما الخالصة هي سينما تميزت كثيراً وخصوصاً في الوطن العربي وحققت جوائز كثيرة، وإعجاباً كثيراً، لكن سينما الأدب لم تكن في وقت من الأوقات أقل تميزاً منها، إن كل ما تحتاجه سينما الأدب هو النقل بطريقة أكثر أمانة ودقة، ومحاولة فهم المؤلف والاتفاق معه حول معظم التفاصيل. فسينما الأدب لها خصوصيتها المتميزة، بقدرتها على المعالجة في حين أن السينما الخالصة، إلى الآن، لا تزال تعتمد على كثير من التفاصيل الذاتية، ربما في سورية أكثر من غيرها من الدول العربية الأخرى. والسينما ستبقى بحاجة لقلم الأديب لأنه سيظل الأجدر على الكتابة من الواقع وسيظل الأخص في القدرة على الوصول إلى الجمهور سواء أكان على صفحات الرواية أم على بُعدي الشاشة. محمد غسان عبود *** * إن العلاقة بين الأدب والسينما علاقة توحد إنساني إلى بناء عالم جديد غير معقد، غير مشحون. والأدب أداة تعبير ووسيلة تبليغ هامة جداً وكذلك السينما (الفن السابع) فهي سلاح هام وخطير وهناك أشياء كثيرة مشتركة بينهما "أنا كمشاهد أسمع الرواية ببصري". وعلى الرغم من النقاط المشتركة بينهما فهناك جماليات يتمتع بها كل ضرب على حدة (كل عالم قائم بذاته) والشكل في السينما ينطلق من الكلمة ليصبح صورة حية وصوتاً مسموعاً… والكلمة أيضاً في السينما تولد منذ اللحظة الأولى من خلال إطلاقها على لسان الممثل. والكلمة المؤلفة عندما تتحول إلى ألوان مرئية تصبح أكثر إشراقاً.. إنها تنبض بالحياة. من خلال تحويلها على أيدي السينمائيين إلى ألوان وجماليات ومعاني من خلال التقنيات ووسائل السينمائي التعبيرية وبذلك تصل بشكل أو بآخر إلى كل أمي وكل مثقف على حد سواء.. وبناءً على ذلك فالكلمة المكتوبة في عالم الأدب يضعها شخص ويقرأها شخص (فرد) أما الكلمة في عالم السينما. ـ الكلمة السينمائية ـ فتؤلفها وتضعها مجموعة ويقرؤها الجميع. هذه المعادلة تقودنا إلى فكرة وهي أن السينما هي الأكثر انتشاراً والسلاح الأحد… والنص السينمائي (السيناريو) أساساً يعتمد النص الأدبي قصة ـ رواية ـ مسرحية ـ قصيدة ـ يتحول من خلال الديكوباج إلى نص إخراجي ثم إلى فيلم سينمائي بالصوت والصورة التي تجسد الزمان والمكان والحركة والسكون والضوء والظل واللباس والديكور، و يبقى الفيلم السينمائي الوسيلة البصرية التي تجسد بشكل درامي الخط الأساسي للقصة التي انطلق منها… وأسوق قولاً لبودوفكين ـ السينمائي السوفييتي الشهير ـ حيث يقول: "إن الموضوع هو أقصى ما يمكن أن تأخذه من العمل الأدبي حين تحويله إلى سيناريو. إن كشف الأحداث ومعالجتها في الأدب الروائي (وخاصة لدى الكاتب المتميز) يتم عن طريق أساليب أدبية تماماً وإن نقل هذه الأساليب إلى الشاشة شيء غير ممكن". وفي الواقع إن ما يمكن قوله في الأدب وبشكل رائع بكلمة أو كلمتين يحتاج في السينما إلى مجموعة معقدة من الأشكال الفنية المرئية ومن جهة أخرى فإن ما يمكن أن يتقبله المشاهد في السينما في لحظة واحدة. مثال/ المظاهر الخارجية لحالة الإنسان الداخلية فإنه يتطلب وصفاً مطولاً في عالم الأدب. والرواية المتميزة أو النص الأدبي المتميز يمنح السينمائي روح الإبداع والخيال.. كما حصل في رواية الأم لغوركي والتي نقلها بودوفكين وقد عبر بذلك عن مدى العلاقة بين الأدب والسينما/ فهم عميق وسينمائي حقيقي للأصل الأدبي ومدخل إبداعي في خلق عمل فني ذي نوعية جديدة مستقلة.. فالفيلم بحد ذاته قصيدة مرئية تنبض بالحياة وقد غذانا الفيلم بصور أدبية وعاشت كلماته حتى الآن في أوردتنا ودمائنا... وهناك في الواقع اتجاهان أساسيان في العلاقة بين الأدب والسينما/ الأول نقل حرفي إلى (نقل أمين)، والثاني مأخوذ من أعمال أدبية وإضافة البعد الفني الجديد لها، ومن ثم خلال ذلك خلق نوع ثالث مبني على فهم مختلف لجوهر الأدب من جهة وجوهر الفن السينمائي من جهة أخرى.. أمثلة: فيلم "تشابايف" عن رواية فورمانوف من إخراج الأخوين فاسيليف وبطرس الأول عن تولستوي للمخرج بيتروف والدون الهادئ عن شولوخوف للمخرج غراسيموف. لحن غير منته للبيانو الميكانيكي لتشيخوف إخراج ميخالكوف. ميخالكوف.. لقد أخرج السوفييتي الشهير "كوزنيتسوف" فيلم هاملت للإنجليزي شكسبير وقد عبر عن روح العصر فيه وكذلك الملك هنري الخامس لشكسبير من إخراج لورنس أوليفييه. فقد كان حدثاً غير عادي في عالم السينما والأدب وكانت أهم المشاهد التي تساعد على التعبير عن الفكرة الرئيسة هي مشاهد المعارك ومقتل الخدم في المعسكرات الإنجليزية ومبارزات هنري مع الفرسان ثم لوحات التخريب في فرنسا التي سببتها الحرب.. في هذه المشاهد يجد المتفرج تشابهاً إلى حد كبير مع عصره أنها تعطي المخرج إمكانية منح الفيلم نبض الحياة المعاصرة وتقريب شكسبير من خلال المثال إلى (عالمنا) ومن خلال التقنية السينمائية طبعاً. ونجاحها ثم التوصل لهذه النتائج الإيجابية.. ومثال آخر للفرنسي الشهير آندريه بازان. "في هنري الخامس وحدة سينما أكثر بكثير من أعظم من 90% من الأفلام التي صورت على أساس السيناريو الأصلي".. تاركومشكي السينمائي الأشهر أنجز ثلاثية طفولة إيفان عن باغومولوف وسولاريس عن البولوني ستانيسلاف ليم وستالكر عن الأخوين ستروغاتسكي لم ينقل الأدب بشكل حرفي لأن ذلك في رأيه قاتل ـ وكما يؤكد في حديث له عن سولاريس/ بالنسبة لي ما هو هام بشكل خاص هو أن الإنسان "سولاريس" إنسان عادي يعاني من ألم روحي وخوف كما الحيوان وهو في مقاومته للقسوة واللاإنسانية يحاول باللاشعور أن يبقى إنساناً بغريزته وسعيه الروحي... إن تحويل الأدب إلى الشاشة ينبعث دوماً على أنقاض العمل الأدبي، وفي أعمال شوكشين إبداعات عديدة/ أتيت لأمنحكم الإرادة/ البيلسان الأحمر/ الريفيون/ كلها اقتبست عن قصص حقيقية له وقد دخل من خلال هذه الأعمال قلب المشاهد.. والقارئ بنفس القدر. وقد استطاع أن يجد الأسلوب السينمائي المعادل للأسلوب الأدبي واللغة الأدبية المعادلة للسينما وفي هذا استطاع أن يكون بحق ظاهرة فريدة في السينما والأدب معاً.. إحسان عبد القدوس هو أشهر من أخذت رواياته وأقاصيصه للسينما (النظارة السوداء/ لا أنام/ الوسادة الخالية/ بئر الحرمان) لا تتغير كثيراً عند نقلها للسينما.. نجيب محفوظ الروائي المعروف، يتسم أدبه بالجودة والتقنية وهو يصرح في أكثر من مناسبة "لست مسؤولاً عن عملي إلا من خلال وجوده في كتاب" إن المسؤولية تخرج من يدي إلى يد المخرج ـ المسؤول الرئيسي عن العمل السينمائي. "بداية ونهاية ـ القاهرة 30 ـ ثرثرة فوق النيل". الفيلم الألماني العالمي الشهير "الملاك الأزرق" إخراج فون ستيرنبرج 1929 مارلين ديتريش عن قصة الألماني هنريش مان شقيق توماس مان/ عن قصة بعنوان بروفيسور أوفرات وهي قصة حزينة يخفق لها القلب لا تزال في الأذهان كعمل سينمائي عن نص أدبي رائع.. يقول إدوار آلبي: "الكلمة عدوة السينما بالرغم من أنك ترى المسرحية تتلقى معظمها من خلال السمع والحوار فإنك تحضر مسرحية، تعيش تجربة خطيرة ذات زمن حاضر إنها شيء ما يموت الآن، لكن عندما تذهب إلى السينما فإنك تتحقق وتلاحظ أن ما تراه شيء لم يحدث أبداً، إنها تجربة غير حقيقية وهي التي تعطي الفرصة لخلق تطابق وتجاوب عاطفي آمن وحيث تكون المسرحية خطيرة يكون الفيلم آمناً دوماً". السينما اليابانية والأدب/ في السينما اليابانية لا توجد مواضيع أصلية، لهذا لو وجد فيلليني هناك لأصبح عاطلاً عن العمل.. ومن جهة أخرى فإن الصورة الشاعرية الرائعة والمثيرة التي ظهرت في الأفلام اليابانية التاريخية لم تكن تجديداً واختراعاً حديثاً فحسب بل ومعاصراً.. ولم يكن أي فيلم من الأفلام مقتبساً عن الأساطير القديمة وقلما لاحظنا تأثير مسرح "نو" ومسرح "كابوكي" أو أدب القرن الخامس عشر في الإنتاج السينمائي الياباني. أما الآن فلا يدهش أحد لدى معرفته أن "راشومون" أو "بوابة راشو" مستوحاة من قصتين للكاتب ريونوسكي آكوتا غافا (في الغابة وراشومون) كتبها عام 1915 رغم أن أحداث القصتين عدلت بحيث أصبحت عبارة عن سلسلة من الأحداث جرت في عصر "هيان" في القرن 9 و12 وعلى ذلك فقد قام الكاتب آكوتاغافا باختراع وابتداع الحوادث جميعها.. لا شك أن السينما اليابانية كانت في البداية فقيرة فالفيلم يجب أن يصنع بتكاليف قليلة ويحسب كل متر من الشريط بدقة متناهية لأن اليابان ليس كفرنسا أو أمريكا فهي لا تملك سوقاً عالمية جاهزة للعرض (عرض الأفلام). المشاهد في اليابان يذهب لمشاهدة فيلم معين لأنه يعرفه مسبقاً. يعرف الفكرة والموضوع وحتى الأحداث لأنه قرأ الرواية التي أعد عنها الفيلم ـ أما الموضوع الأصلي فيتطلب من المشاهد نفسه جهداً كبيراً لتحليله وإبراز خفايا الأفكار. المهم أن يعرف الجمهور موضوع الفيلم ولو بخطوط عريضة... كتاب إيجي يوشييكافا "موساشي ميايموتو" صدر عام 1940 أعد للسينما مباشرة من قبل ثلاث دور للإنتاج السينمائي في اليابان وحتى الآن أعد هذا الكتاب للسينما أكثر من ست مرات فما أن تصدر رواية أو كتاب حتى تعد للسينما. والسبب الأول لعملية الإعداد الأدبي للسينما "الاقتباس" هو قلة التكاليف. ففي اليابان يحتاج الكاتب إلى أسبوعين فقط لكتابة الديكوباج "السيناريو الإخراجي" للفيلم... ومن المصادر الهامة للأفلام اليابانية نذكر الأدب الروسي ـ فالشخصية الرومانسية للأبطال في القصص والروايات الروسية تنال إعجاب المخرجين والمشاهدين في اليابان على حد "سواء". فيلم "هاكوكي" لكوروساوا عام 1951 ليس إلا "الأبله" لدوستويفسكي لكن بطريقة يابانية بحتة من حيث الشخصية والمحيط العام والتفاصيل الحياتية الأخرى.. وكذلك "الانبعاث" عن دوستويفسكي ـ اسم البطلة كاتيوشا بقي نفسه مع بعض التعديل "تاكوشا" وقد صدرت المحاولة الأولى عن الانبعاث عام 1914. من قبل كيوماتسوهو سوياما ـ ياماموشو حقق فيلماً عام 1947 عن الحرب والسلام. تاستوياسو أوسوني حقق فيلماً عام 1955 عن رواية اللصوص للألماني "شيللر". ميزوغوتشي أخرج فيلم "عذراء من أويوكي" للفرنسي موباسان عن رواية "كتلة الدهن" 1933. ياماموتو عام 1933 أخرج "السيمفونية الريفية" لأندريه جيد ـ كما تحولت رواية "توتردام دوباري" هوغو ـ إلى فيلم سينمائي والعرس الدموي عن "مكبث" لشكسبير.. وأخيراً فالسينما نبع للحكايات بالنسبة لفيلليني ودراسة وجودية أليمة لدى انجمار بيرغمان وتعبيراً غنائياً في رأي بيرتولوتشي ومجموعة أخبار تاريخية في نظر فرانشيسكو روزي وسلاحاً سياسياً عند كوستا جافراس وتنقيباً في الذاكرة وإمكانيات اللغة لدى آلان روزنيه..إنما هي أداة علمية تعليمية تحتل المكانة الأهم في فنون هذا العصر وهي بارتباطها مع الأدب كمصدر تعبير وإنما تشكل لغة اتصال هامة في يومنا هذا ويعتبر الضرب الأدبي والبناء السردي للقصة المعاصرة (البدعة الروائية) مصدراً هاماً للتجديد الدائم في السينما المعاصرة... وهناك توازن بين جانب من الأدب الحديث والسينما المعاصرة... فهذا وذاك يتكاملان عبر مجموعة من التجارب والأبحاث... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |