مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ميخائيل نعيمة والأدب الرّوسي ـــ د.ممدوح أبو الوي

احتفلت الأوساط الأدبية في عام 1989 في البلاد العربية وفي الاتحاد السوفييتي بالذكرى المئوية لميلاد الكاتب العربي الكبير ميخائيل نعيمة إذ أقيمت ندوة دولية في بولتافا في الاتحاد السوفييتي حول أدب ميخائيل نعيمة وذلك بمناسبة مرور مئة عام على ولادته. فنعيمة من مواليد عام 1889، ولا بأس من الإشارة بأن في هذا العام نفسه ولد الدكتور طه حسين وعباس العقاد أي أن هذا العام عام خير بالنسبة للأدب العربي.‏

ودرس ميخائيل نعيمة في مدرسة ابتدائية روسية في قريته. افتتحت آنذاك بهدف نشر الثقافة الروسية في الشرق، على أثر الضعف الذي أصيبت به الدولة العثمانية. فأخذت تتسابق كل من فرنسا وروسيا وبريطانيا على نشر ثقافتها ونفوذها عن طريق افتتاح المدارس وغيرها من المؤسسات. قامت الجمعية الروسية الفلسطينية بإدارة المدارس الروسية في كل من فلسطين وسورية ولبنان. وكانت المدارس الروسية مجانية.‏

درس ميخائيل نعيمة في المدرسة المذكورة ما بين عامي 1899ـ و1902. ولتفوقه في دراسته قبل في دار المعلمين الروسية في مدينة الناصرة بفلسطين في العام ذاته، أي في عام 1902 ودرس في الناصرة حتى عام 1906.‏

وتابع دراسته في العام ذاته في روسيا في بولتافا حتى عام 1911 ولا بد من أن تترك هذه الثقافة التي تلقاها في المدارس الروسية في لبنان وفلسطين وفي روسيا نفسها أثراً كبيراً على أدب ميخائيل نعيمة.‏

1ـ "قصيدة النهر المتجمد":‏

في السنة الدراسية الأولى في روسيا بدأ ميخائيل نعيمة بنظم الشعر باللغة الروسية، وكانت قصيدته "النهر المتجمد" أول إنتاج أدبي لنعيمة، التي نظمها بسهولة متناهية، حتى كأنها كانت تملى عليه وكأن الذي أوحاها إليه منظر نهر "صولا" المتجمد. فكان النهر متجمداً لدرجة أن نعيمة مشى على وجهه. واختتم القصيدة بسؤال يوجهه إلى روسيا فيسألها وقد كبلها الجليد مثلما كبل نهر "صولا". متى يأتي الربيع ويفكها من عقال الجليد؟ وهل يأتي زمن يتذوق فيه العامل والفلاح شيئاً من الفرج والسعادة؟.‏

ولم يكن يدور في خلد نعيمة أن سؤاله سيلقى جواباً بعد سنوات معدودة، وأن الحكم سينتقل من أيدي القيصر والأشراف والإقطاعيين ورجال الدين إلى أيدي العمال والفلاحين.‏

وبعد سنين نقل نعيمة القصيدة إلى اللغة العربية، وجعل خاتمتها خطاباً يوجهه إلى قلبه بدلاً من روسيا. فقد كان يشعر أنه في الواقع، يعيش في دنيا تقلصت فيها الجماليات الإنسانية، فلا رأفة ولا محبة، ولا إخلاص، ولا عدل، ولا حرية، بل إن هذه باتت صفائح من جليد تنساب من تحتها الأحقاد والضغائن والمطامع والمظالم وما تجره على الناس من الأوجاع والمآسي.‏

نالت هذه القصيدة الإعجاب من رفاقه ومن النقد الأدبي.‏

2ـ مسرحية "الآباء والبنون" لميخائيل نعيمة وبعض مؤثرات الأدب الروسي ولا بد من القول بأن لأفكار تولستوي تأثيراً كبيراً على أفكار ميخائيل نعيمة.‏

وهذا واضح في مسرحيته "الآباء والبنون" التي ألفها في عام 1917.‏

بطل هذه المسرحية واسمه داود يعلق في غرفته صورة ليف تولستوي. فهو لا يصلي في الكنيسة، ويؤمن بإِلهٍ واحدٍ للجميع. هذا الإله ليس مسيحياً ولا مسلماً. يؤمن بأن قيمة الإنسان بما يقدمه للآخرين من عمل وخدمة وخير.‏

تأثر ميخائيل نعيمة بتورغينيف لدرجة أنه عنون مسرحيته بعنوان ـ "الآباء والبنون". العنوان نفسه الذي اختاره تورغينيف لإحدى رواياته.‏

وعالج في هذه المسرحية الموضوع نفسه الذي عالجه إيفان تورغينيف في روايته، وهو صراع الأجيال. ينظر الآباء إلى الحياة نظرة تختلف عن نظرة الأبناء، الذين رغم خبرتهم المحدودة في الحياة، أكثر صواباً من الآباء فهم بحسهم السليم، وقلبهم النير يهتدون إلى الصراط المستقيم.‏

في مقالة هامة مكرسة لمسرحية ميخائيل نعيمة "الآباء والبنون"، كتبت المستشرقة السوفييتية آنا دالينينا بأن بين رواية "الآباء والبنون" لتورغينيف ومسرحية نعيمة أموراً كثيرة مشتركة:‏

"كل من المؤلفين يتحدث عن صراع الأجيال في مراحل هامة من تاريخ الشعبين وهي مراحل التحولات. عند تورغينيف جيل الستينات.‏

وعند نعيمة تجري الأحداث في سورية المعاصرة للمؤلف وبما أنه لا يذكر الحرب أبداً، مما يدل على أن الأحداث تجري قبل الحرب العالمية الأولى.."(1)‏

ولاحظت آنا دالينينا بأن تورغينيف ونعيمة لم يصورا النضال الثوري، وأن بطليها يفغيني بازاروف وداود سلامة من أسر متوسطة الحال. وتؤكد المستشرقة الدكتورة دالينينا بأن داود من أنصار ليف تولستوي، ويتصرف حسب مبادئه. فحياته ذات معنى، يعمل داود معلماً، كما عمل ليف تولستوي، الذي قام بتعليم أولاد الفلاحين في مدرسة قريته ياسنايا بوليانا.‏

يتطرق ميخائيل نعيمة في هذه المسرحية إلى موضوع فلسفي آخر حام جداً، أثار اهتمام تولستوي كثيراً، وهو موضوع الحياة والموت.‏

وفي حالة يأسٍ، يقرر الياس وهو صديق داود الانتحار لأنه لا يفهم معنى الحياة، فيرى أن الحياة بلا معنى. ولكن شهيدة، أخت داود، تقنعه بأن الحياة رائعة وكاملة، فيتخلى عن فكرة الانتحار، وحتى المصائب، برأي شهيدة، فهي لصالح الناس. فالحياة جميلة ولكن على الناس فهم قوانينها وأنظمتها التي تطالب بالتضحية والفداء في سبيل الآخرين.‏

إن المسائل التي أقلقت الياس حول معنى الحياة، هي نفسها أقلقت سابقاً ليفن أحد أبطال رواية آنا كارينينا التي ألفها تولستوي ما بين عامي 1873ـ 1877. وكما أقلقت هذه المسائل ليف تولستوي نفسه، الذي تحدث عن هذا الموضوع في مؤلفه، الذي يحمل عنوان "الاعتراف" (1879ـ 1882).‏

إن الشخصيات الإيجابية في مؤلفات تولستوي ودوستويفسكي سلبية، بمعنى أنها لا تقاوم الشر بكل الوسائل المتوافرة لديها، بل تنظر إلى الأشرار نظرة استغراب، وتكاد تكتفي بهذه النظرة وبهذه الإدانة السلبية.‏

في حين أن الشخصيات الإيجابية في مسرحية ميخائيل نعيمة "الآباء والبنون" تقاوم الشر بكافة الوسائل، وتحارب الأعداء الأشرار.‏

3ـ مذكرات نعيمة حول ليف تولستوي (1828ـ 1910).‏

كان لتولستوي أتباع في كل أنحاء العالم. فكتب عنه مكسيم غوركي بإِعجاب.‏

"إن العالم كله، الدنيا كلها تنظر إليه. وتمتد إليه خيوط حية خفاقة من الصين والهند وأمريكا، ومن كل مكان. فإن روحه لكل الناس، وإلى الأبد".‏

في الهند كان من أتباعه المهاتما غاندي، الذي بنفسه كتب لتولستوي حول ذلك. وفي فرنسا كان الكاتب رومان رولان من أنصاره، وألف كتاباً حوله. أما في الأدب العربي فلعل ميخائيل نعيمة أقرب الكتاب العرب إلى أفكار تولستوي وسلوكيته. ولقد قرأ ميخائيل نعيمة مؤلفات تولستوي عندما كان يدرس في المدرسة الداخلية الروسية في مدينة الناصرة بفلسطين. وتابع قراءة مؤلفات ليف تولستوي عندما كان يدرس في روسيا نفسها. ويكتب في يومياته أنه أنهى قراءة "الحرب والسلام" ويوافق تولستوي في رأيه حول نابليون بونابرت، لأنه يكره الحرب وكل من يشعلها. ولكنه لا يوافق تولستوي في كل شيء يختص بنابليون ـ وكورتوزوف. فكان نابليون يتحرك ليس بإرادته ولكن بإرادة الظروف والشعوب في حين أن كوتوزوف الحكيم استطاع أن يحرز النصر على المعتدي نابليون (1769ـ 1821).‏

ويتابع ميخائيل نعيمة قوله حول تولستوي: "إنه ليضحكني أن أراني أناقش مفكراً عظيماً من عيار تولستوي. عفواً يا.. ليف نيكولايفتش فأنا مدين لك بأفكار كثيرة، أنارت ما كان مظلماً في عالمي الروحي. ففي الكثير من منشوراتك الأخيرة، التي طالعتها في العام الماضي، قد وجدت نوراً اهتدى به في كل خطوة من خطواتي.. أجل فأنت من هذا القبيل، قد أصبحت معلمي ومرشدي من حيث لا تدري"(2).‏

بعد ذلك يكتب ميخائيل نعيمة في مذكراته عن ليف تولستوي: "في الجرائد أخذ ورد عنيفان لمناسبة بلوغ تولستوي الثمانين من عمره. فاليسارية تطالب الحكومة بالاحتفاء احتفاء مناسباً رسمياً بيوبيل الكاتب العظيم، واليمينية تأبى على الحكومة والبلاد أن تلقي أي بال إلى يوبيل رجل تفسد تعاليمه العقول. وعلى رأس المعارضين الكنيسة التي رشقت بحرمانها سيد ياسنايا بوليانا.‏

والتي حملت وزارة المعارف على إصدار تعميم لجميع المدارس تحذر فيه من الاحتفاء في أي شكل باليوبيل. يا للعار أن يكون في روسيا من يحاول إطفاء هذا المشعل الذي يتألق نوره اليوم في جميع أقطار الأرض"(3).‏

وفي مكان آخر يكتب "ما أفقرك يا بلادي حتى المشاعل العالمية من طراز تولستوي لم تخترق سواد ليلك بعد..."(4) وبعد ذلك يكتب ميخائيل نعيمة عن ليف تولستوي: "لقد استهواني تولستوي المفتش عن حقيقة نفسه وحقيقة العالم من حواليه"(5). ويكتب عنه "... وكانت يده القوية تسندني من حيث أدري ولا يدري. فقد كان لا يعرف شيئاً عني، وأعرف عنه الشيء الكثير وكنت أتتبع بلهفة فائقة صراعه العنيف مع نفسه، ومع العالم، فإذا ربح معركة، شعرت كأنني ربحتها. وإِذا خسر معركة، شعرت كأنني الذي خسرها. وذلك الصديق لم يكن غير نمرود "ياسنايا بوليانا" ـ ليف نيكولايفتش تولستوي(6).‏

وعندما سمع ميخائيل نعيمة بأن ليف تولستوي غادر بيته في شهر تشرين الثاني من عام 1910 ارتاح لهذا الخبر واعتبره انتصاراً في صراع الكاتب الروسي مع نفسه، ويعني تصرف تولستوي، بنظر ميخائيل نعيمة، رفض العالم ومجده ومغرياته لكي يربح نفسه لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه.‏

في عشرين من تشرين الثاني عام 1910 سمع صراخ بائع الجرائد الذي كان يصرخ بأن تولستوي توفيز وعرف نعيمة من الجرائد، بأن ليف تولستوي توفي في محطة قطار صغيرة، بسبب مرض التهاب الصدر. وهز موت ليف تولستوي ميخائيل نعيمة، الذي كان يتتبع خطاه ويحبه إلى درجة العبادة ويعظم خطوته الأخيرة في أيامه الأخيرة. ومع أن خطوته هذه جاءت متأخرة ولم تحقق غرضها.‏

4ـ كتاب ميخائيل نعيمة "أبعد من موسكو ومن واشنطن" والأدب الروسي. يعبر ميخائيل نعيمة عن محبته لروسيا في مؤلفاته المختلفة ففي عام 1956 التقى السفير السوفييتي ببيروت. وعندما سأله السفير عن مدى رغبته ـ واستعداده لزيارة الاتحاد السوفييتي، فيما لو وجهت له الدعوة، أجاب الكاتب العربي الكبير، أنه مستعد لزيارة الاتحاد السوفييتي، وسيلبي الدعوة بكل سرور.‏

وبعد مرور مدة قصيرة تلقى الدعوة من قبل اتحاد الكتاب السوفييت، في عام 1956، وزار مدرسته في بولتافا، حيث درس قبل الثورة ورأى صور لينين وستالين معلقة بدل صور السيد المسيح ومريم العذراء، ولم يستغرب.‏

وكان كتابه أبعد من موسكو ومن واشنطن الذي رأى النور في عام 1957، أي بعد مرور عام واحد على زيارته لموسكو، ثمرة لزيارته المذكورة ويعترف الكاتب في عمله الأدبي المذكور أن لحظة وصوله إلى روسيا كانت أسعد لحظات حياته. ويقول في هذا الكتاب بأنه قرأ بوشكين وليرمنتوف وتورغينيف وغوغول ودوستويفسكي، ونيكراسوف وغيرهم.‏

ويكتب عن روايات دوستويفسكي: "وتحسست إيمان دوستويفسكي بالأمة الإسلامية ورسالتها الإنسانية، وبمستقبل أفضل لروسيا، تتقلم فيه أظافر الظلم والاستبداد، وتتكسر أنياب الحاجة والمذلة، فيتنفس الشعب بملء رئتيه، وتكون له الثقة بأنه لن يعرق ليهزل وليسمن غيره، بنتاج عرقه، ولن يسكن الأكواخ ويلبس الأسمال لينعم غيره بالقصور، ويرفل في الديباج"(7).‏

وكان الكاتب يشعر أن ثقافة الروس تغلغلت في دمه، وارتسمت مناظر تلك البلاد وأغانيها ومشكلاتها في ذهنه، فكأنها بعض منه. ولذلك بقي الكاتب على ارتباط وثيق بروسيا ويصف ثورتها الاشتراكية: "إنها المرة الأولى، التي تتفجر فيها المظالم المكبوتة على مدى أجيال وأجيال، في صدور العاملين في الأرض والمعامل والمناجم، وينطلق صوتهم مطالباً بقسطهم العادل من ثمرات أعمالهم، ومن الكرامة الإنسانية"(8).‏

وفي الكتاب نفسه يكتب بأنه عرف من مؤلفات تولستوي كيف ضحى الشعب الروسي بدمه في سبيل الدفاع عن الوطن، وعرف الآلام التي تسببها الحرب، وعرف أن الروح الروسية تتطلع إلى السلام والحب والتسامح وعدم مقاومة الشر بالشر، والبحث عن الحياة في الموت، والنظام في الفوضى، وحتى ياسنايا بوليانا ـ قرية تولستوي، أصبحت منارة لميخائيل نعيمة، تضيء أيامه، وطريقه للوصول إلى الخير والشر والحياة والموت... ووجدت فيه ركيزة، وبرهاناً على إمكانية وصول الإنسان المخلص لنفسه والمتفهم لقوانين الحياة، على التخلص من شباك وأحابيل العالم، ولقد ارتفع فوق هذا العالم بتعاليمه وقلمه وحياته التي يمكن اتخاذها قدوة"(9).‏

وفي عام 1960 ألقى ميخائيل نعيمة كلمة حول ليف تولستوي نشرتها مجلة "الطريق" في عدد شباط لعام 1961 وذلك. بمناسبة مرور خمسين عاماً على وفاة الكاتب الروسي العظيم. يرى نعيمة في كلمته أن تولستوي عملاق روحاً وقلماً، ويدرس نعيمة حياة تولستوي وإبداعه، ويقارن بين بوذا وبين تولستوي. ويرى بأن الكاتب الروسي خالد بسيرة حياته وإبداعه الأدبي وبتعاليمه. وبالوقت ذاته يلوم نعيمة الكاتب الروسي، لأنه ابتدأ تعاليمه فقط منذ عام 1862 أي بعد أن تجاوز عمره الثلاثين عاماً، ويلومه لسلوكيته في شبابه، ويبارك نعيمة خروج تولستوي من بيته، ويلومه لنه لم يترك بيته منذ شبابه، لأن الكاتب الروسي ترك بيته في الأيام الأخيرة من حياته عندما بلغ الثانية والثمانين من عمره.‏

مما تقدم نستطيع القول بأن ميخائيل نعيمة من أنصار أفكار ليف تولستوي. فكلاهما نباتي حرما تناول اللحوم. وكلاهما من أنصار السلم ونددا بالحرب الهجومية والدفاعية، وندد باستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.. وطالباً الأغنياء بتوزيع أملاكهم على الفقراء. وطالبا الناس بالعفة واحترام الأسرة. والأفكار المشتركة بينهما كثيرة ونراها في معظم مؤلفاتها. وكتب نعيمة مثل تولستوي القصة القصيرة والمسرحية والمقالة. إلا أن تولستوي كتب الرواية الطويلة ولكنه لم ينظم الشعر، ولم يكتب نعيمة رواية طويلة.‏

5ـ بعض مؤلفات نعيمة والأدب الروسي.‏

يكتب ميخائيل نعيمة في مقالته "ماهية الأدب ومهمته"، التي نشرها في مجموعة "دروب" عام (1932): ولو أن جيشاً من رجال الدين، وعلماء النفس وأساتذة الاجتماع. وأساطين القانون تجمعوا معاً لما استطاعوا أن يؤلفوا لنا رواية كرواية دوستويفسكي "الأخوة كارامازوف" ففي هذه الرواية نرتفع مع الأب "زوسيما" إلى درجة الإشراق الروحي والانخطاف بنور الألوهة. وننحدر مع ـ "سميرد ياكوف" إلى الحالة البهيمية..."(10).‏

وفي كتابه "النور والديجور" الذي صدر في عام 1948 يكتب ميخائيل نعيمة عن روسيا: "وأنا كلما ذكرتها فكما يذكر الولد البار أباه، أو أمه... لن أنسى بلاداً هي روسيا وشعباً هو الشعب الروسي..."(11).‏

اغتنم ميخائيل نعيمة الفرص كلها ليكتب عن روسيا معبراً عن حبه لها وأثناء الحرب العالمية الثانية، أقلقه مصير روسيا، وحلم بنصرها، وكتب مقالة بعنوان "حلم عن موسوليني" في مجموعة البيادر.‏

وانتهز مناسبة انطلاق رائدة الفضاء فالنتينا تيريشكوفا في مركبتها لتدور حول الأرض عدة أيام، ليكتب عنها مقالة بعنوان "فتاة وفتاة" وذلك في مجموعة "هوامش". ويعبر نعيمة في هذه المقالة عن سروره للحدث العظيم ويطالب المرأة العربية بالحصول على الحرية. ويقارن الكاتب بين المرأة العربية والمرأة الروسية، التي استطاعت أن تخرج إلى الفضاء الخارجي في حين ما زالت المرأة العربية في بعض المناطق تجد صعوبة في الخروج من بيتها.‏

6ـ ميخائيل نعيمة والمستشرق الروسي الأكاديمي إيفناتي كراتشكوفسكي (1883ـ 1951).‏

كتب شيخ المستشرقين السوفييت الأكاديمي إيفناتي كراتشكوفسكي في مؤلفه ـ المخطوطات العربية، ذكريات الكتب والناس.(1945) بأنه أثناء جولته في بلدان المشرق العربي ما بين عامي 1908ـ 1910 قام بزيارة عدد من المدارس الروسية، التي افتتحتها الجمعية الروسية ـ الفلسطينية، ورأى عند الكثير من المعلمين كتب إيفان تورغينيف وأنطون تشيخوف. ويلاحظ الأكاديمي المذكور بأن الكثير من خريجي المدارس الروسية أصبحوا كتاباً مشهورين في كل الأقطار العربية، لأنهم أعطوا الأدب العربي روحاً جديدة ونفساً معاصراً(12).‏

قام الأكاديمي كراتشكوفسكي بزيارة قريبة بسكنتا، حيث ولد وعاش ومات ميخائيل نعيمة في الوقت الذي كان فيه نعيمة في بولتافا، ويذكر كراتشكوفسكي أنه أحب أن يعيش ويعمل في بسكنتا.‏

في عام 1923 أصدر في القاهرة كتاب ميخائيل نعيمة "الغربال" ويتضمن الكتاب المذكور مجموعة مقالات نقدية. وعندما قرأ كراتشوفسكي الكتاب المذكور تراءى له بأن مؤلفه متأثر بآراء الناقد الروسي بيلينسكي النقدية، التي لم تكن معروفة كثيراً في البلاد العربية آنذاك. في ذلك الوقت لم يكن كراتشوفسكي يعرف شيئاً عن مؤلف "الغربال"، وبعد ذلك قامت بين الناقد المستشرق الكبير وبين ميخائيل نعيمة مراسلات.‏

يكتب كراتشكوفسكي في كتابه: الأدب العربي في القرن العشرين بأن ميخائيل نعيمة. "عليم بالأدب الروسي وتأثر بالشخصيات الأدبية في القرن الماضي، وبآراء بيلينسكي الأدبية(15) أما تلميذة الأكاديمي كراتشكوفسكي، أستاذة الأدب العربي في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة لينينغراد آنا دالينينا، التي زارت في نيسان عام 1967 مع وفد يمثل جمعية الصداقة مع البلدان العربية ميخائيل نعيمة في بيروت تكتب: "ودون شك، في هذه الحياة البسيطة في حضن الطبيعة، وفي الابتعاد عن مباهج الحياة، التي يستطيع اليوم أن يصل إليها بعد أن أصبح كاتباً مشهوراً، وفي أحاديثه الفلسفية الأخلاقية، يذكرنا بحياة ليف تولستوي في ياسنايا بوليانا، ويجب أن نعتقد أن التشابه ليس صدفة يكفي أن نتذكر الكلمات التي ذكرها نعيمة حول تولستوي في يومياته عندما كان شاباً"(16).‏

هوامش‏

(1)ـ أ. أ. دالينينا "الآباء والبنون" لميخائيل نعيمة ـ مجلة أخبار جامعة لينينغراد، 1963، العدد (20) الجزء (4). ص. (66).‏

(2)ـ ميخائيل نعيمة، سبعون، المرحلة الأولى الأعمال الكاملة، بيروت (1970) دار العلم للملايين ص. (189).‏

(3)ـ المصدر نفسه. ص. (214).‏

(4)ـ المصدر نفسه. ص. (233).‏

(5) المصدر نفسه. ص. (271).‏

(6)ـ المصدر نفسه. ص. (371).‏

(7)ـ ميخائيل نعيمة. أبعد من موسكو ومن واشنطن. المؤلفات الكاملة. المجلد السادس: بيروت 1972 دار العلم للملايين. ص. (210).‏

(8)ـ المصدر نفسه. ص. (231).‏

(9)ـ المصدر نفسه.ص. (210).‏

(10)ـ ميخائيل نعيمة، دروب، ماهية الأدب ومهمته، المؤلفات الكاملة، المجلد السادس بيروت، دار العلم للملايين، 1972 ص. (34).‏

(11)ـ ميخائيل نعيمة. "النور والديجور". المؤلفات الكاملة، المجلد الخامس، بيروت دار العلم للملايين، (1971) ص. (574).‏

(12)ـ الأكاديمي كراتشكوفسكي، المؤلفات المختارة، موسكو ـ لينينغراد، دار أكاديمية العلوم السوفييتية، (1955)، المجلد الأول، ص. (55).‏

(13)ـ المصدر نفسه، المجلد (2) ص. (57).‏

(14)ـ المصدر نفسه، المجلد (3) ص. (225).‏

(15)ـ المصدر نفسه، المجلد الثالث ص. (94).‏

(16)ـ آنا أكاريفنا دالينينا خاتمة كتاب ميخائيل نعيمة "سبعون"، موسكو، دار العلم، (1980). ص. (234).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244