|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
حجَارة أرضنا الرؤيا ومرآة الواقع ـــ عَامر الدبك ـ1ـ ما زال أدب الانتفاضة في طور التكوين والبحث عن شكل لأبعاده العميقة التي تمتد في جذور المعاناة لتكشف عمقها وتفتح من خلالها نافذة على المستقبل. وعندما ندرس أي عمل كتب عن الانتفاضة شعراً كان أم قصة فلا بد من أن نضع في اعتبارنا عدة أمور منها. 1ـ أدب الانتفاضة أدب نضالي له مقاييسه الخاصة وأهمها القدرة على خلق عالم فني يوازي عالم الواقع، ويحمل في داخله روح النضال والثورة. 2ـ البحث عن قواسم مشتركة لهذا الأدب، وكشف ملامحه المميزة بوصفه تعبيراً عن مرحلة نضالية يمر بها الشعب العربي في فلسطين خاصة وفي سائر أقطار الوطن العربي عامة. 3ـ عدم الانسياق وراء العواطف في تقدير هذا الأدب، ولا بد من الوقوف عنده بوعي لتمييز الرديء من الجيد. إن الانتفاضة كفعل ثقافي تعيد تشكيل العقل العربي لكن العقل العربي يرفض أن يعيد تشكيل ذاته، يرفض أن يعيد البناء في بنيته المتداعية، لا زال يعيش زمن الترهل زمن اللامبالاة الفكرية، يعيش على هامش الأحداث. "وكما أن الكتاب مستويات، فهم مواقف ومواقع فكرية وطبقية وإن كان تحمس بعضهم ناتج عن رغبة في الحصول على براءة ذمة تسهل له الدخول إلى قلوب القراء. فإن الأمر مع الكتاب الجادين والطليعيين كان مختلفاً، فكان ملاقاة لفعل طال انتظاره، الفعل الذي يشكل بالنسبة لهم الرهان على صدق إيمانهم الكامنة في الشعوب(2). وقد حاول بعض الكتاب الوصول إلى عالم يوازي اللحظة الحية التي تقدمها الانتفاضة بأحداثها اليومية إلا أن سخونة الأحداث لا تتيح للكاتب المزيد من التروي في معالجة الأمور فتأتي نتاجاته ساخنة بعض الشيء تحمل لغتها الخطابية السياسية ومباشرتها ووضوحها المفرط وهذا أمر لا مفر منه ولكن يجب التقليل من هذا الإفراط فالأحداث في قمتها ولا يمكن مضاهاتها وهي أشد وضوحاً من الشمس إلا بلغة واضحة بسيطة حماسية لأن الوقت لا يسمح للترميز والتغييب في عوالم بعيدة، لأن هذا الأمر لا يتأتى إلا فيما بعد وهذه الحالة أخرجت بعض الأعمال من حيز الإبداع وأدخلتها حيز الأدب العادي. ـ2ـ وإذا كانت استجابة الشعر للأحداث سريعة فإن القصة القصيرة لا تستجيب سريعاً إلى الحدث الراهن وتتطلب من الكاتب معرفة أكبر بالحدث وبخلفيته الزمانية والمكانية. وتعتبر القصة من أعقد الفنون الأدبية، وما قرأنا من قصص قصيرة عن الانتفاضة كان يقدم أفكاراً وتفسيرات، كان يجيب بدل أن يطرح الأسئلة، وكان أقرب إلى اللقطة السريعة التي يزول أي أثر لها عند الفراغ من قراءتها، والأعمال الأدبية الراقية بحاجة إلى التأني وتحتاج إلى أن تسائل الحدث، أن تفك ألغازه وأن تعقدها من جديد تحتاج لأن تفجر طاقات اللغة واستنفاد كل جمالية ممكنة في المشهد وهذا الأمر لا يتأتى سريعاً للكاتب(3). وكثيرة هي الأعمال الأدبية التي جعلت من الانتفاضة ساحة متاحة لها ومجالاً واسعاً للتعبير عن أفكارها. ومن تلك النتاجات الأدبية مجموعة قصصية للدكتور أحمد زياد محبك عنوانها "حجارة أرضنا" ضمت عشر قصص قصيرة، عالجت موضوع الانتفاضة ولعلها من هذه الزاوية أول مجموعة قصصية تنفرد بمعالجة هذا الموضوع. وهي المجموعة الثانية للمؤلف بعد مجموعته القصصية الأولى "يوم لرجل واحد" الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1986 وفيها يعبر المؤلف عن حياة بعض الشرائح الاجتماعية مثل المعلمين والموظفين والكتاب والعمال ويحاول عبرها أن يرصد كفاح الفقراء وعموم البسطاء الطيبين من كادحين وموظفين ومعلمين ويلتزم الدفاع عن الإنسان المقهور من قوى الاستغلال والجهل والقدر. ولذلك ليس غريباً حين نجد المجموعة الثانية للمؤلف خاصة بالانتفاضة ويمكن أن نعد قصص المجموعة الثانية "حجارة أرضنا" سلسلة متصلة الحلقات تصلح لتكوين عمل روائي قصير يرصد الانتفاضة وإن كانت كل قصة تسلط العدسة على جهة أو زاوية من زوايا الانتفاضة لتقدم لنا مواقف من صميم التجربة اليومية في فلسطين. ـ3ـ "إن كل قصة تمثل علاقة ما بين كاتبها والحياة، وإن هذه العلاقة تعكس رؤيا خاصة وإن هذه الرؤيا قد تصور موقفاً أو حكماً خاصاً"(4). فالرؤيا هي التي تختصر تجربة الكاتب وأبعاده الفكرية وتكويناته الذاتية ومن خلالها يتكشف وعيه ومدى عمق هذا الوعي وارتباطه بالحياة والأحداث المحيطة. ولكل عمل إبداعي رؤيا خاصة ومنظور خاص به يقدمه من خلال الأدوات الإبداعية المتاحة لهذا العمل. وإلى جانب اختلاف الرؤيا في الإبداعات التي تنتمي إلى أجناس مختلفة فإننا نجد اختلافاً في الرؤيا بين الأعمال الإبداعية التي تنتمي إلى الجنس الأدبي نفسه كما سنلاحظ في قصص المجموعة. فالرؤيا تختلف من قصة إلى أخرى وربما نجد قصتين تكملان بعضهما البعض. وعلى الرغم من تعدد زوايا الرؤيا في القصص واختلافها من قصة إلى أخرى إنما تصب كلها في مسار واحد، هو تأكيد الزمن الفلسطيني والشخصية الفلسطينية بشكل عام، وتستطيع أن تتجاوز الواقع إلى رؤية المستقبل واستشرافه من خلال مرآة الواقع المليء بالبؤس واليأس الذي تحول بفعل الانتفاضة إلى عالم من الثورة والتفاؤل بالنصر القريب والنضال المستمر، ففي قصة حجارة أرضنا، يقدم لقطات واقعية وجواً احتفالياً يلتقطه الكاتب من الحياة اليومية للانتفاضة مؤكداً بذلك واقعية القصص إلى جانب الصمود الفلسطيني ضد الوجود الصهيوني، يحاول أن يشكل بين الوجود الصهيوني وبين النضال الفلسطيني معادلة من خلالها يقدم رؤاه العميقة التي ترصد النضال الفلسطيني في هذه المرحلة. هذا إلى جانب أن صور الإجرام والقسوة والعنف قليلة في المجموعة وهي لا تصنع إلا القليل من الحزن والألم ويطغى على ذلك كله كما في صورة الشجاعة والقوة والعزم والتصميم لدى الفلسطيني. كما تظهر معاني العزة والتفاؤل والثقة والأمل بصورة أكبر من كل ما عداها فأم الشهيد في القصة الأولى "لنا باقي الأيام" تسير في مقدمة الرجال المشيعين لولدها وقد عاهدتهم على ألا تذرف الدمع، ومن ثم تستشهد. وكذلك في قصة "الأطفال أخيراً" من خلال شخصية الضابط الصهيوني "أهارون" الذي يحس بالقلق والتعب من استمرار الانتفاضة ويظهر في نهاية القصة عقيماً مثلما تظهر زوجه عاقراً مما يصلح لأن يكون رمزاً لعقم الكيان الصهيوني المصطنع في مقابل استمرار انتفاضة الحجارة. ومثل ذلك الرمز الشفاف الجميل يظهر في قصة "آخر الليل" إذ يحاصر الجند الصهاينة القرية ويفتشون بيوتها ليلاً ويفاجئ المخاض أماً فلسطينية ومع الفجر ينسحب الجنود الصهاينة وتضع الأم مولودها، بعد ليلة من العناء والعذاب وتلتفت ابنتها الصغرى إلى خرق كثيرة مبللة بالدم لتسأل: هل هذا الدم كله ضروري للولادة على حين ترفع أم العز الملاءة عن النافذة ليدخل إلى الغرفة نور فجر جديد. إن قصة آخر الليل من أجمل قصص المجموعة ويمكن أن تكثف كل القصص التسع بصفحاتها القليلة، فقد قدم لنا فيها معادلاً موضوعياً للواقع من خلال الموازنة بين الولادة الطبيعية وولادة الانتفاضة من غير أن تقع القصة في شيء من المباشرة أو الخطابية كما في قصة "فتاة من واشنطن" بل اكتفى بإشارات سريعة وخاطفة لخص بها تاريخ النضال الفلسطيني عام 1948 ولدت الأم وتزوجت عام 1967 وأجهضت بعد ذلك مرات عدة ثم أنجبت مع الانتفاضة. وثمة زوايا إنسانية رصدتها المجموعة من خلال الأحداث ومنها الزاوية الاجتماعية فتظهر في قصتين "قوس من ضياء" "أعلام صغيرة". ففي القصة الأولى يظهر لنا المؤلف حزن فتاة صبية على استشهاد زوجها وأخيها في الانتفاضة وخوفها على ابنتها الصغيرة من خلال مشاعر مؤلمة متناقضة فهي ترفض أن تموت من أجل رمية حجر لكنها فجأة تجد نفسها أمام ابنتها الصغيرة منى، ترمي الجنود الصهاينة بالحجر وإلى جانبها هشام فتنضم إليهما لترمي العدو بالحجر. إن هذا القلق الداخلي يدل على حقيقة النفس الإنسانية، كما يدل على إدراك الكاتب لواقعية العمل البطولي وحقيقته ولكن المؤلف ينسى ذلك أحياناً فيجعل البطل يندفع في بطولة خارقة لا تخلو من مبالغة ومن ذلك تصويره لبطولة أبي خالد الذي يرفض أن يستلم ابنه إلا جثة في قصة "أبو خالد لا يستلم ابنه إلا جثة". أما قصة "الأعلام الصغيرة" ففيها تفضل "رجاء" الشاب عماداً زوجها لها على الرغم من فقره، وترفض الزواج من علاء الغني، لأن الأول فدائي مناضل مثل أبيها وتظهر في ختام القصة إلى جانب عماد ترمي الجنود الصهاينة بالحجارة. إن هذا البعد الاجتماعي أضفى على قصص المجموعة حيوية وطبعها بطابع الواقع العفوي البسيط وجعلها تعبر عن التغير الحقيقي الذي أحدثته الانتفاضة في العادات والتقاليد الاجتماعية فلم تعد الاحتفالات ضرورية للخطبة والزواج كما أصبحت بالية مفاهيم الغنى والفقر إذ أصبح الانتماء إلى الوطن والارتباط بالعمل الثوري هو المعيار الحقيقي لكل شيء. ومن زاوية أخرى صور لنا الكاتب قلق الجندي الصهيوني واضطرابه واهتزاز كيانه وأظهره مثالاً للعنف والتزييف والخداع. ويقابل الجندي الصهيوني بما يحمله من صفات، الشاب الفلسطيني في وضوح فكره وثباته وجرأته وقوته على الرغم من أنه لا يملك من السلاح غير إيمانه والحجر. وتظهر هذه الصورة واضحة في قصة "في داخل سيارة عسكرية" إذ يستدعي الكيان الصهيوني خبيراً من أمريكا في قمع الشغب ولكن هذا الخبير يدهش أمام انتفاضة الشعب العربي في فلسطين وينكر على المؤسسة العسكرية مواقفها الإجرامية من رمي الأطفال بالرصاص الحي وتكسير الأذرع عمداً وصدم الأبرياء بالسيارات ونسف البيوت واقتلاع أشجار الزيتون وتبادر المؤسسة الصهيونية على الفور إلى إخضاع الخبير لدورة تثقيفية وتلقنه ما تريد من تزييف وسرعان ما ينقلب إلى مؤيد لها ويقدم مزيداً من الاقتراحات لقمع الانتفاضة. إلا أن المقدمات لم تكن كافية لنمو هذه الشخصية وانقلابها بهذا الشكل الكلي فهذه الآلية في تطور الشخصية تجعل من الشخصية لا تملك ذاتها وإنما عندما أرادها الكاتب أن تكون إيجابية كانت وعندما أراد أن يطورها جعل ذلك يتم عن طريق دورة تثقيفية لا عن نمو طبيعي، فنمو الشخصية غير مقنع كما لاحظنا ذلك في شخصية الدكتور في مسرحية "الاغتصاب"(5) لسعد الله ونوس. وفي شخصية إسحق أيضاً التي نمت نمواً طبيعياً ومقنعاً وصولاً إلى النتيجة المحتومة. ويحاول الكاتب أن يظهر الارتباط بين الكيان الصهيوني وأمريكا في قصة "فتاة من واشنطن" إلا أنه لم يقدم هذه العلاقة من خلال رؤيا عميقة بل اكتفى بالسطحية والرسم المفتعل لتقديم موقف فكري مباشر. صحيح أن مصطفى رفض كل مغريات الفتاة واكتفى بأن ينظر إلى ثدييها الناعمين إلا أن هذه العلاقة بحد ذاتها مفتعلة في تركيب الحدث وفي بنائية الشخصيات وفي وضوح الموقف الفكري وعمقه. ومثلما تنوعت زوايا الرؤيا في القصص، كذلك تنوعت أشكال البناء الفني ولكنها كانت كلها تصب في مسار قصصي واحد يعتمد على العفوية والبساطة والوضوح ولا سيما في انتقاء الحدث إلا أن هذه العفوية لم تكن موفقة في جميع القصص حيث كانت تتفاوت من قصة إلى أخرى. وقد اعتمد الكاتب على الجمل القصيرة لتواكب السرعة في الحدث والقوة في التعبير إلى جانب الفواصل التي تضيف إلى العمل القصصي ميزة خاصة وتدخل القارئ في ديناميكية الحدث فتشحنه بشحنات مكثفة تبلغ قمتها عندما يبلغ الحدث ذروة ما. واستطاع أن ينوع في عملية البناء القصصي منطلقاً من السرد إلى الحوار بشكل سليم متناسب مع حرارة اللحظة المعيشة وغالباً ما يكون السرد الفني المعتمد على الوصف الدقيق موفقاً في تصويره أكثر من الحوار. فالبنية القصصية عند الكاتب في حالة تنامي وتكامل، وتختلف من قصة إلى أخرى. وقد يتباين السرد الفني في القصة الواحدة، مثل قصة "لنا باقي الأيام". ففي البداية نجد تكرار كلمة "أيدي" بشكل يلفت الانتباه: "الأيدي كلها مرفوعة إلى فوق، أيد تحمل أعلام فلسطين، أيد تحمل أغصان زيتون، أيد تحمل صور الشهيد، أيد ترسم بإصبعين اثنين إشارة النصر". وكان يمكن اختصار كلمة أيد إلى مرة أو مرتين. ونجد الفارق واضحاً بين هذا المقطع وبين مقطع آخر ونلاحظ الفارق في البنية الفنية وفي تنامي الإدارة القصصية. "الأرجل تسير بهدوء، الخطوات تتقارب الغبار يعلو قليلاً وهو غير كثيف، الحناجر تغص يجف فيها الصوت، يختنق، ولا تنبس شفة بكلمة، الصدور تتيبس، تتمزق، تحتقن ولا تذرف دمعة". "هكذا قرر الرجال أن تكون مسيرة الدفن هادئة بطيئة". أما بالنسبة للحوار فكان يتراوح بين الحرارة والعفوية والبرودة في التركيب وبين احتفال الحدث وطغيان الصبغة الفكرية الجامدة على بعض المواقف. وبشكل عام القصص ذات بنية فنية موفقة في السرد والحوار وإن كنا نلاحظ في بعضها طولاً غير ضروري وكان يمكن الاختصار أكثر خاصة وأن القصص جميعها حول حدث واحد وغالباً ما كنا نشاهد مشاهد كثيرة متكررة في أغلب القصص، وذلك من اعتماده الكبير على اللقطات واللحظات الحية وتلك اللقطات لا تختلف فيما بينها إلا باختلاف الشخصيات فقط واختلاف القصة، فلحظة حمل الجنازة تشبه حالة اصطدام الصهاينة بالفلسطينيين وتشبه ثورة الناس في الشارع. نساء.. ورجال.. وشيوخ.. وأطفال.. هذه هي المواد الخام لكل القصص فالحدث الواحد عندما يصاغ حوله أكثر من قصة من كاتب واحد وبفترات متقاربة لا بد من أن يقع الكاتب في تكرار الأحداث بصيغ مختلفة وقد يكرر الشخصيات في لباس آخر ومكان وزمان آخرين إلا أنه لا يقدم رأياً إضافياً ولا يقدم رؤيا جديدة للحدث أو الفكرة. وكما قلنا هذا عائد إلى طبيعة الحدث وطبيعة القصص، وكثرتها. ويمكن أن نجمل الملاحظات فيما يلي: 1ـ غلبة اللغة المباشرة والواضحة والبسيطة وتقديم الحدث بطريقة احتفالية وكأننا نشاهد حدثاً على شاشة "التلفاز" يقوم الكاتب بوصفه وصفاً دقيقاً. 2ـ التطويل والتكرار في المواقف في أكثر من قصة وكان يمكن ضغط القصص بعمل إبداعي واحد يكون ناضجاً على نار هادئة من ناحية الفكرة والصياغة الفنية. 3ـ تراوح السرد في القصص بين الجمل القصيرة الموفقة والفواصل وبين الكلام العادي وكذلك الحوار، والشواهد كثيرة في القصص. 4ـ لم يستطع الكاتب أن يغوص إلى أعماق الحدث برؤاه وإنما اقتصر الأمر على الرؤية المباشرة للأحداث دون تحليل وتركيب بوعي يمنح القصة بعداً آخر. 5ـ رغم كل ذلك يمكن أن تعد المجموعة وثيقة نضال وشاهداً على مرحلة مؤكدة التزام الأديب العربي بقضايا أمته في الكفاح من أجل التحرر وإن كان هذا الأمر قليلاً ما تآلف مع الشكل الفني للقصص. وعلى كل حال فإن أي عمل مفرد لا يمكن أن يرقى وحده إلى مستوى الانتفاضة أو أن يكون وحده قادراً على التعبير عنها وإنما مجموع الأعمال الأدبية التي ستكتبها الأجيال هي التي ستشكل في مجموعها ملحمة الانتفاضة مثلما أن الانتفاضة نفسها ليست نسيج حجر واحد يرميه بطل فرد وإنما هي نسيج حجارة يرميها الأطفال والشباب والشيوخ والنساء في كل مكان من الأرض المحتلة مشكلين في عملهم الملحمي الانتفاضة. وبمثل هذا الفهم نستطيع القول أن قصص المجموعة يمكن أن تؤدي دورها الفني على نحو يهيئها لتشارك مع غيرها من الأعمال الأدبية في صنع ملحمة الانتفاضة. *** أغنيات للشام(6) سئل أعرابي: ما هو الشعر عندكم؟ فقال: شيء تجيش به نفوسنا فتتلقفه ألسنتنا. إذا كان الأعرابي يدرك إدراكاً تاماً ما هو الشعر وما قوامه وأن الشعر يلزمه الصدق الفني والصدق مع الذات والإحساس المرهف أما دون ذلك فيسقط الشعر ويسقط الشعراء في هاوية الكلام المكرور والكلام المقفى الموزون لا غير. لا بد أنك ستصاب بخيبة أمل كبيرة عندما تفرغ من قراءة ـ 207 ـ صفحات دون أن تجد الشاعر ودون أن تقف على صورة جميلة تتحفك فتلطم وجهك بعدد الصفحات على ما ضيعت من الوقت هباء منثورا. فالشاعر ضائع بين أصوات الآخرين يمتهن صوته ويجري خلف اللفظة المنتقاة والقافية والوزن الإيقاعي لا غير أما الشعر فلا وجود له ولا علاقة لهذا الرجل معه وكأن صاحبنا حلف ألف يمين بالطلاق على الشعر وراح ينظم ما يريد. وأرجو أن لا يفهم القارئ أنني ضد الشعر القديم، بالعكس أنا مع الشعر الجميل ومع الإبداع أياً كان شكله نثراً كان أم شعراً على أن يحقق الشرط الأساسي في الإبداع، ولكن أنا ضد المتسلقين على جدران الشعر على حين غفلة من الزمان ظانين أن الشعر يمتطى ظهره بمجرد معرفة الأوزان والجوازات والزحافات.. ونسوا أن الشعر إحساس ووجدان وإبداع وفن وصور وإدهاش ومشاعر متأججة تمنح الإنسان إلى جانب المتعة الجمالية إحساساً أعمق في الحياة وتجدده وترفع من قيمته في الحياة. ويمكن أن أجمل عدة ملاحظات حول هذه المجموعة الشعرية: 1ـ غلبة المباشرة والخطابية المستهجنة الفجة إن كان بألفاظها أو بطبيعة صورها أو بنائها الفني ص11 الديوان. 2ـ المعاني مكرورة لا جديد فيها وإنما تكرار لأصوات الآخرين بأسلوب أقل فنية يعني يمكن أن نسمع صوت المتنبي أو أبي تمام أو البحتري. طبعاً بصورة أو صورتين ولكن أن نرى "الغادري" في هذا الديوان فذلك محض صدفة وإن وجدته فبسوء الصياغة وضعف التعبير وفي بعض الأحيان تجد الكلمات الرنانة والطنانة ولكن كل ذلك فارغ من المضمون تماماً وكانا به ينطبق عليه المثل القائل "أسمع قرقعة ولا أرى طحناً". 3ـ غياب الصورة الفنية المبدعة وطغيان التراكيب المستهلكة والصيغ الجاهزة والمعاني السطحية ذات البعد الواحد الديون ص15ـ 40. 4ـ التكلف واضح في القصائد وغياب اللغة الشعرية الانسيابية. 5ـ التجربة في أغلب القصائد مفتعلة والأحاسيس لا تتعدى العين مصفرة كالحة لا حياة فيها كما في قصيدة جبل الأربعين الديوان ص51. يقول في مطلعها: هامت بك الأشجار والأقمار/ واستروحت في ليلك الأطيار. أين الشعر في هذا الكلام بل أين هذا القول من قول ابن خفاجة الأندلسي في قصيدة الجبل: وأرعن طماح الذؤابة باذخ/ يطاول أعنان السماء بغارب. حتى في غزله يجهد النفس في البحث عن القافية فيسقط معها في هاوية الركاكة يقول: اذكريني فأنا في العمر آمال سجينة أنا ليل يلهم الراعي تراتيل رزينة 1ـ الراعي يستلهم من الفجر وليس من الليل. 2ـ تراتيل رزينة هذا التركيب غير متناسب مع طبيعة القصيدة فالتراتيل عادة تكون رقيقة سهلة منسابة حزينة تتناسب مع صفاء الروح. وفي قصيدة سلوى. وقوف على الأطلال دون أي إضافة عصرية الديوان ص125. ويمكن للمطلع أن يطلع على الديوان من أوله حتى آخره ويوازن بين كلامي وبين ما هو موجود ليتأكد من عدم قسوتي على الشاعر وإنني كنت منصفاً له وموضوعياً. هذا لا يعني أن الديوان يخلو من لفتات جميلة في قصيدة سكرة. الديوان ص79. وقد اخترتها ليس لموضوعها وإنما لانسيابيتها وحسن خاتمتها في البيت الرابع. ضمدي الجرح وصبي فيه من نهديك خمرة سنة المجروح أن يشرب من كأسه قطرة وإذا أسعفته واعتاد أن يشكو أمره غسليه بالخوابي أنها في العمر سكره *** هوامش (1)ـ مجموعة قصص للدكتور أحمد زياد محبك ـ أستاذ الأدب الحديث في جامعة حلب ـ صادرة عن مطبعة عكرمة في دمشق ـ 1989ـ تقع في ـ107ـ صفحات من القطع الصغير. (2)ـ مجلة الهدف العدد 940. (3)ـ مجلة الهدف العدد 940. (4)ـ مقدمة كتاب العربي الخاص بالقصة القصيرة العربية رقمه (24) د. إحسان عباس. (5)ـ الاغتصاب: مسرحية جديدة لسعد الله ونوس نشرت في مجلة الحرية العددان (341ـ 342) 1989. (6) أغنيات للشام ـ مجموعة شعرية للشاعر فيض الله الغادري ـ من القطع الصغير ـ صادرة عن دار المجد دمشق ـ 1988. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |