|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قياديّون بلا عَقائد ـــ مَالك عَزام دعوة للعودة إلى الطبيعة والمحافظة على البيئة "قياديون بلا عقائد" رواية من جزئين، يحوي الجزء الأول سبعة فصول، والجزء الثاني ثمانية فصول، مؤلفة من مائتين وست وثمانين صفحة من القطع المتوسط للأديب العربي السوري وليد مدفعي. وهذا العمل الرابع للكاتب وليد مدفعي بعد رواياته 1ـ مذكرات منحوس أفندي 2ـ غرباء في أوطاننا 3ـ محب للمشاكل. وله أعمال متعددة في مجال القصة القصيرة والمسرح والدراسة. تنقلنا الرواية، إلى أروقة معهد من عشرات المعاهد المبعثرة في الوطن العربي بصورة خاصة. والعالم بصورة عامة، المتمثل بالمعهد التقني للدراسات الإنسانية، الكائن في ضاحية متطرفة. من ضواحي مدينة باريس. والمعهد إشارة لأية مؤسسة رسمية أو خاصة استثمارية كانت، أم تنفيذية أو تشريعية، أو قانونية. تتحكم بزمان الأمور ورقاب البشر حاضراً ومستقبلاً ومصيراً. وقادة هذه المؤسسات، منهم من يمثل الطغاة والمجرمين والانتهازيين، والمتسللين إلى موقع السلطة، ومنهم من يمثل المخلصين للإنسان وللأرض، والملتزمين بالمبادئ الجوهرية والمثل القومية، المحلية والعالمية، وما يحيط بهم، من انتهازيين ومارقين ومساومين ومستغلين، يقابلهم المخلصون والمناضلون في مواقعهم المتفرقة والمؤتمرة. وباريس في أوربا، يمكن أن تكون واشنطن في أمريكا أو سدني في أستراليا، أو كراتشي وبغداد في آسيا، أو جوهانسبرغ ومقاديشو في أفريقيا.. وغيرها. وهذا المعهد المتمثل برئيسه المستر توم المفروض فرضاً من جهات عليا لها مصلحة معينة فيه، تدعمه بالمساعدات المادية، أو المعنوية، أو الإعلامية المشبوهة إلخ.. ومدير المعهد نموذج للقيادي الانتهازي المستغل، الذي يتناسى واجباته، ويبيع أمانة العمل والمسؤولية لقاء نزواته ومنافعه الشخصية فعلاً ويتشدق بالمثالية وثقل المسؤولية قولاً وشكلاً. والدكتور برهام، أمين السر، فهو نموذج للقيادي السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو القانوني، أو الإنساني الذي يسبح مع التيار، البارع الذي يتبع ظله، في سبيل تعزيز مركزه، أو تقوية نفوذه، أو دفعة مالية عالية، فيخرق القوانين والأنظمة، ويسخرها لأغراضه، ويجري خلف الشهرة على أكتاف من يقودهم، من المخلصين المرغمين. أما الدكتور "شاين" فهو نموذج للقيادي المخلص الذي يعيش لمبدأ نبيل معين، في سبيل الإنسان ورفاهيته أو إنقاذ البشرية فكرياً، أو اقتصادياً، أو سياسياً، أو بيولوجياً ومصيرياً أو غير ذلك. وهذه المؤسسة، تتبنى مشروعاً يطرحه البروفسور شاين يسمى مراجعة الحاجات يدعو الإنسان لإعادة النظر في احتياجاته الفعلية، ذلك الإنسان المتحضر اللاهي بالتسلح والإجرام والتبهرج، والتطور التقني الذي يمتص دماء البشرية من خلال احتياجاته وكمالياته، والتلاعب في قوته، ولباسه ووسائط نقله، فيسلبه أمنه وحقوقه ويجذبه إليه ليكون تابعاً لمؤسساته التي من خلالها يستنزف عرقه، ويدفعه إلى مصير قاتم مجهول. ومشروع "الميني شوز" هذا، يلاقي معارضة من قبل الشركات الاحتكارية التي ستتضرر إذا نجح، والأنظمة التي تقوم على التسابق في التسلح واستغلال الإنسان، من خلال كمالياته وحاجاته التي طورها له وأغراه فيها وسلبه أمانيه وصفاءه وحريته، في قوته وفكره وأرضه. ويتطوع عربيان سوريان للدكتور غالي والدكتورة فهيمة، وهما عالمان في التاريخ والعلوم الطبيعية، من أجل إنجاح مشروع البروفسور شاين، لإرسالهما إلى جزيرة مجهولة كي يعيشا فيها ويعيدا سيرة الإنسان مع الطبيعة بخيراتها وأشجارها ومياهها العذبة، وثمارها ونباتاتها وحيواناتها، التي سخرها الخالق للإنسان، وقدرتهما على النجاح والعيش بمحبة وسلام. والمتطوعان غالي وفهيمة زوجان سعيدان أيضاً، إلى جانب تفوقهما في المعرفة والعلم، يتمتعان بالبساطة والبراءة واللين. في سبيل محاربة مجون وعبث العالم، واحتكار الشركات الاستهلاكية للإنسان، وابتلاع شركات السجائر المختلفة للصحف العامة، ووقف احتكار وإثراء هذه المؤسسات، التي تجدد دماءها من دم الإنسان. ويتعرض المتطوعان لمحاولات عديدة لقتلهما، من قبل عملاء الشركات الكبرى، التي ستتضرر من جراء نجاح هذا المشروع، المتمثلة بشركة المستر (روبير رودان) وتحاول تلك الشركة دفع الملايين للعالم "شاين" من أجل إهمال مشروعه، وجعله دعاية للشركة. ورد شاين بعنف: ـ لا أريد ملايينه، ولا أريده في مشروع الميني شوز، أفضل مشروعاً متوسط الحال نزيهاً، على مشاريع ثرية فاسدة، افهمني يا دكتور برهام إن فساد هذا العصر أخطبوط ضخم يسيطر على كل المنظمات في العالم، يستدرج الإنسان إلى نكران مثله العليا، لوجود بيوض ذلك الأخطبوط في جسد كل إنسان. ـ منذ بدأت أعمل معك، وأنا أشعر بلعبتك الخطرة في مواجهة أعنف وأفسد عصر شهدته الإنسانية حتى صرت أسأل نفسي مراراً بم يأمل البروفسور شاين بعد تنفيذ مشروعه؟ صفحة 84ـ 85. وتمضي الرواية في تعرية القياديين، أصحاب الامتيازات والاحتكارات، في كيفية تعاملهم القذر للوصول إلى قطع دابر من يقف في طريقهم، أو يعمل على توعية النفس إلى سلوك هؤلاء، وكيف يستطيع الإنسان المهان، أن يسلك الاتجاه الصحيح. روبير: ـ رأيك صحيح سنعرف من مدير المعهد مكان الجزيرة، ثم نلحق بهما ونقتلهما. اسمع يا وطواط أريد منك أن تستأجر طائرات حربية وزوارق مسلحة، تعاون مع المنظمات الإرهابية في العالم، تعاون مع الموساد إذا لزم الأمر، الموساد منظمة إرهابية جيدة. نفذت عمليات قتل جماعية ولها تاريخ عريق في الإجرام، إنها ربيبة أربع عصابات، الأرغون وشتيرن، والهاغاناه وزفاي ليومي، هيا تصرف بسرعة واتصل بي. ص125. ولكن من يسير على جوهر معين، في سبيل خير ورخاء الإنسان، من الصعب جداً زحزحة هذا القائد خطوة تنحرف به عن غايته. ولو بذل حياته ثمناً للمبدأ والعقيدة الصافية، التي نذر نفسه لها، والأمثلة كثيرة على ذلك. أجاب توم مؤكداً: ـ لا تتعب نفسك مع البروفسور شاين لأنه عالم صعب المراس لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، ولا يتصرف إلا بوحي من عقيدته. ـ ما رأيك بالدكتور برهام بصفتك رئيسه؟ الدكتور برهام ماكر قوي الشخصية، تحدثه فتثق به، كأنه صارحك بالتفاصيل، ثم يتبين لك أنه لا يسلم سره لأحد، ويتقن إدارة اللعب حتى النهاية. ـ أتظنه يقبل الرشوة كمعظم الناس وخاصة إذا كانت بالملايين.؟ ـ يرفض برهام الرشوة، لأنه يسيطر ببساطة على قرارات الصرف في كل مشروع يقوم به المعهد ص129ـ 130. لم ينس الكاتب وليد مدفعي الهم القومي العربي وقضية فلسطين والأراضي العربية المحتلة، فرغم ضغط الرواية واتجاهها العالمي، الذي تجاوز المحلية، أبرز الدور الدامي للموساد الإسرائيلي، في تشريد عرب فلسطين، وأهالي الأراضي العربية المحتلة. ونرى من خلال السرد والحوار كيف أن بعض القادة المهزوزين يفرضون على قيادة المنشآت والمؤسسات لسبب ما، من الأسباب الشرسة. ويذكرنا الكاتب مدفعي في الجزء الثاني ـ الفصل الخامس بالمحبة والمودة والرحمة، التي أنبتها الخالق عز وجل، في فؤاد ونفس الإنسان وعليه أن يعود إلى تلك الخصال الحميدة الأساسية التي تقوده إلى حياة أفضل لا يوجد فيها زيف ولا غش ولا خداع، ولا جرائم ولا ابتزاز أو تعد أو ظلم، أو اغتصاب إلخ.. وذلك من خلال إبراز عواطف الرائدين الزوجين فوق أرض الجزيرة. ويسلط الكاتب وليد الضوء على الأفكار الخضراء، التي كونت هذه الرواية، على لسان الشخصية الرئيسة المتمثلة بالبروفسور "شاين" صاحب الالتزام والمبدأ الأبيض الثابت. حيث يقول: ـ أنا أستنكر ولا أريد أن أفسر، أريد أن نتخلص من الزيف والدجل وأن نعمل بإخلاص وعقيدة صادقة من أجل إنقاذ البشرية. ـ تأكد يا صديقي أنني سررت حين التبست حقيقة المشروع على الصحف وأجهزة الإعلام فصار في إمكاننا أن نزيد عدد المتطوعين وننقل عمالاً لبناء الجزيرة كما نتخيلها. ص212. ونرى الجزيرة التي اختارها وليد مدفعي، كأي أرض غناء أوجدها الخالق جل جلاله، وأوجد فوقها الينابيع والأشجار من كل الثمرات والحيوانات النافعة والمختلفة. فنادي بصورة غير مباشرة للعودة إلى الحياة البكر، مع الاحتفاظ بكل تقدم نافع ومعقول، حققه الإنسان وساعده العلم في ذلك. فهذه دعوة لعودة الإنسان إلى الطبيعة الأم، والابتعاد عن قشور الحضارة وجنونها وإجرامها وآخر التقليعات والصرعات من إغواء وسيطرة الشركات الماجنة إلخ.. فرسم الكاتب خطين في روايته الخط القومي ـ خط النضال، إلى جانب الخط الإنساني العالمي المنظور، وشدد من أجل إنقاذ البشرية من برك الدم والسقوط. ومن خلال تتبعنا لمحاولات قتل الرائدين غالي وفهيمة، زلت قدم الرواية في مطبات الكتابات البوليسية، بصورة غير مباشرة بواقف الإثارة المصطنعة والعنف. فهل من أجل قتل إنسان أو اثنين نجند أسطولاً برياً وبحرياً وجوياً. إلا إذا أردنا المبالغة والمناورة من أجل إقحام فكرة ثانية. وهذا على ما أعتقد سار إليه الكاتب. ويجدد وليد مدفعي دعوته في الفصل الثامن، على لسان الشخصيات للخلاص من التلوث والتسلح والإجرام، والمحافظة على البيئة، وينتهي الفصل بإصابة الدكتور غالي.. ورحيل الدكتورة فهيمة عن الجزيرة. بعد أن بلغ المشروع غايته ونجح. والقضاء على وطواط، لكن القارئ لا يعرف كيف تمكن الدكتور غالي من القضاء عليه، وهو الإنسان الأعزل؟ وظهور وطواط جديد المتمثل بالمستر توم. وفي الفصل التاسع من الجزء الثاني، يثير الكاتب مدفعي كيف يتسلق الانتهازيون سلم الشهرة محمولين على أكتاف العاملين والمكافحين الحقيقيين، وكيفية دفن أسماء الذين غامروا وقاوموا وقاتلوا، في سبيل إنجاح مشروع أو هدف أبيض والمتمثل بالدكتور غالي. أغلق الدكتور شاين المذياع بعصبية، والتفت إلى الدكتور برهام موبخاً: ـ دكتور برهام. كيف تجرؤ على تجاهل الدكتور غالي إلى هذا الحد، وعلى استبداله باسمك؟ هل يعقل أن تحذف اسم الدكتور غالي في الأحداث السابقة، ويزور تاريخ حركة الميني شوز؟ وكان هو الأصل في كل خطوة خطاها المشروع. هذا تصرف أرعن وسخيف فيه تزييف للحقائق وكذب إلخ. أجاب الدكتور برهام ببرود: ـ بروفسور شاين. قل لي بوضوح هل تريد أن أنمي المشروع؟ أم تريد أن أبقيه كسيحاً بين يديك؟ ص258ـ 259. ويذكرنا الكاتب أيضاً كيف أن القياديين المتسللين، يرتكبون الأفعال الناقصة، ويخونون مؤسساتهم في الخفاء بيد، ويتشدقون بأهداب الفضيلة المزيفة ممسكين بإصرار زمام الأمور وممارسة إدارة السلطة بيد ثانية بوقاحة فائقة. قال البروفسور شوفلمان: ـ إنهم يتسللون إلى مراكز القوى ويسيطرون بسرعة بحكمهم ودعمهم لبعضهم بعضاً ويتجاوزون القانون دون خوف من العقاب. ومتى تجاوزت فئة القانون في مجتمع إنساني، لا يبقى معنى لأحد أن يتشدق بوجود الحرية أو الديمقراطية في ذلك المجتمع. قال شاين: ـ كلامك رائع.. لا حرية دون سيادة القانون، وقد فشلت الديمقراطية في إثبات محاسنها في تصويتنا الأخير، بسبب التآمر الذي قام بين مدير المعهد وأمين سره، والذي تجاوزوا به هيبة القانون. قال أكبرهم سناً: ـ عندما يتولى أمر الجماعة قياديون بلا عقائد، نرى العهر بكل أشكاله. نرى آنئذ العهر السياسي.. والعهر الفكري.. وحتى العهر العقائدي كما هو العالم من حولنا اليوم ص270ـ271. ويحلو للكاتب مدفعي أحياناً أن يستغرق في إثارة الجنس، وبصورة خاصة في نهاية الفصل السادس، وهذا بمثابة استراحة قصيرة في ظل شجرة من أشجار الرواية. مما يميع العمل ويثنيه قليلاً عن مساره. كما اعتقد الكاتب في العديد من الفصول، وبصورة خاصة الفصل السابع من الجزء الثاني، بوساطة السرد والحوار على القطع والوصل، حيث يكون القارئ مشدوداً مع شخصيات تتحاور، ليجد نفسه مع شخصيات أخرى تخطط وتناور. فخلخل هذا التشابك الدرامي الأساس الفني للرواية. وأضعف قدرتها على الانطلاق باستقامة ثابتة. لكن هذا التشابك يبقى القوة الدافعة لتكثيف المواقف في العمل الروائي أحياناً. أما أسلوب الرواية فكان تحليلياً، عباراته متماسكة ومترابطة تشد القارئ إليها، وقد طغى على الرواية أيضاً طابع الحوار والوصف على السرد، فكان العمل أقرب إلى الرواية الحوارية التي تعتمد في تشريح السلبيات والإيجابيات على مبضع الحوار. واستطاع الكاتب أن يجمع في رواية إنسانية تخاطب العالم، الخط القومي النضالي لوطنه، فسلط الضوء، وشرح بمبضعه الساعد الأساسي للصهيونية المتمثل بالموساد خلاصة العصابات التي قدمت إلى فلسطين، وشردت عربها. وهذا الإبداع المتوقع من كاتب متمكن مثل وليد مدفعي، يبشر القارئ أينما كان، أن هناك على الساحة كتاباً ما زالوا يكافحون. من أجل الإنسان أينما وجد، ومن أجل الوطن وتراب الوطن. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |