|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
عكّا والرحيل1 ـــ سليمان السلمان (ملعون هو الزمن... كأن ما حدث لم يقع سوى أمس) "عكا والرحيل". ص151. إن الزمان والمكان أحجيتان تعبران حياة الإنسان منذ بدء وجوده. لقد كان المكان ناتجاً لصيقاً عبر العيش والبقاء. وعرف فيه التطور والارتقاء. وإذا كانت حدوده الصحراء والغابة، والبحر والنهر. فهو اليوم العالم في اتساعه والوطن في مداه، والبيت في دائرة الروح. المكان وليد يسكن الذات الإنسانية ويرتقي معها في الزمن منذ الولادة وحتى الموت بعداً وقرباً، في الثبات والارتحال. أما الزمان فهو المتحرك الذي لا يهدأ. قطار اللحظات الذي لا يعرف الوقوف في المحطات بل تركض المحطات خلفه ـ ولا يتجاوز حدود المكان. الزمان واكب الإنسان وتطور معه عبر معرفته وتقديراته ووعيه وعلمه.. [لأن الدلالة الإنسانية للزمان تعني شيئاً أكثر من الأرقام كما جاء في كتاب "فكرة الزمان عبر التاريخ" (عالم المعرفة عدد 159 ص11). وحول دائرة المكان طاف الزمان ليمتزج بما يحيط الحياة البشرية. وهكذا نرى الإنسان محكوماً من الناحية الاجتماعية بتقاطع الزمان والمكان: [وفي تداخل هذين نصل إلى فكرة "ديناميكية المكان" الذي هو مضمون فكرة متصل الزمان والمكان التي استحدثها الرياضي منكوفسكي. [(من كتاب "فكرة الزمان عبر التاريخ" عالم المعرفة العدد 159 ص48). وأين نحن من "ديناميكية المكان" في رواية "عكا والرحيل"؟! تنفتح الرواية عن زمان مدنهم يوضح غرابة وجود "خديجة الصالح" في وقت يصفه الكاتب بليلة هامة وحدث هام. إنه توقيت زمني.. ظل كما يقول حتى مجيء الجنرال "اللنبي". ولم تكن ولادة خديجة الصالح بشارة خير. فقد ماتت أمها آن ولادتها. ويدخل معنا منذ اللحظة الأولى المكان ذاته والدها "فارس الصالح" باكياً.. ولا نسترشد حتى نهاية الرواية إلا بحزن مستمر في حياة هذه الشخصية الأساسية إذا ما اعتبرنا "خديجة الصالح" شخصية رئيسة لا تغادر الساحة التي فيها والدها بل تعود باستمرار للتقابل معه زمانياً ومكانياً، والموت زمن ينتهي في نقطة هي المكان في الزمان المستمر... كل ذلك يدور في عكا. فيعرض الكاتب تاريخ المدينة منذ فشل نابليون ـ ويصفها لنا بطريقة ذاتية يضمنها العادات والأخلاق وأوضاع النساء، ووصايا عمة خديجة، وضرورة الخضوع للأبوة الصعبة، وطريقة معاملة النساء حيث يتساوى في هذه العلاقة تاريخياً إطار العالم العربي الإسلامي. وخديجة الصالح عند والدها فارس الصالح كان لها الموقع المتفرد. فيصفها وصفاً جميلاً في تحليله المستمر. وربما يبدو لنا سبب محبة والدها لها أنها تمثل له موقعاً زمانياً يتصل بأمها. ويبدو بعد ذلك وصف عكا الممتزج بوصف خديجة كمبدع أدبي (ص10) وهي صورة نسائية صارمة لسيد عربي إقطاعي متسلط كثيراً ما صورته الأفلام المصرية في تجبره من جهة وخضوعه لإحدى النساء في الأسرة داخلاً، ولمثلها خارجاً. لقد استطاع الكاتب أن يبرز في هذا الحيز المكاني والزماني شخصية نموذجية في واقعية هادئة أثرت فيها مجموعة من العوامل الاجتماعية هي شخصية "خديجة الصالح" المرتبطة بأبيها. وأهم العوامل التي أبرزها الكاتب: العامل الأول دخول خديجة المدرسة وآثار ذلك. ثم أفكار أخيها رضوان الذي: "كان لا يمل من الحديث عن أمور غير مألوفة آنذاك مثل العدالة الاجتماعية والتحرر وصراع الطبقات" ص12. وكيف كان يتباهى فارس الصالح بدخولها المدرسة: "يعلن بنفسه لكل من يراه أن خديجة ذاهبة إلى المدرسة" "وكانت أميرة بحق وحقيقي" ص12. والعامل الثاني: الإسفار عن وجهها الجميل وتساهل الوالد. ونحن في عكا 1925 كما ذكر المؤلف حيث تغدو عضواً في اتحاد المرأة. وتحت هذا العامل يرسم لنا الكاتب صورة الألبسة والأخلاق. مصوراً عبر الأحاديث المتسقة والرائعة، المستجدات الطارئة على حياة أهل عكا. و يعتقد الكاتب صادقاً كما ذكر أن خديجة "ولدت قبل زمانها". والعامل الثالث: هروبها من منزل والدها وغيابها. لتعود بعد ثلاثة أيام. ومن ثم زواجها من أحمد النجار لأسباب لم تنجل حتى نهاية القصة وأهمها ستر فضيحتها. وهذا العامل في الحقيقة استمر في الرواية حتى نهايتها كخيط رابط لكثير من الأحداث التي دخلت في الثنايا. لقد أحسن الكاتب الياس أنيس الخوري تشكيل الزمان في هذه الرواية ووهبه حياة مستمرة ليغدو جديداً ينزع جلده في كل مرحلة فيعود صبياً في التاريخ يرسمه في كل شخصية بلون آخر فتصبح الرواية حديقة تاريخية لمستجدات الألم الإنساني الذي حل بعكا. هذه المدينة التي تصغر لتصبح عائلة فارس الصالح وتكبر لتصبح فلسطين عائلة العروبة المنكوبة. ودون أهمية تذكر يحاول الكاتب متابعة لعبة فنية لا أثر لها في العمل الفني بل هي ثقل عليه. إذ ينقل مذكرات تأريخية لوليد بن خديجة من نيويورك بأرقام في أوائل ما يشبه الفصول ابتداء من الرقم الثاني وحتى نهاية الرواية. وكأنما الكاتب أراد أن يربط بين وجود إسرائيل وعلاقتها بمدينة يتمركز فيها اليهود العنصريون المتفاعلون مع كيان اليهود. وكذلك عذاب الحياة لفلسطيني هناك وفلسطيني في الوطن. ويلحظ المدقق في هذه الرواية، حركة الانتقال الزمني من خلال الأشخاص بحركة ذات طابع مسرحي. فكان فارس الصالح في زمن البداية 1925. وخديجة تمثل التواصل في الجيل الموازي لها عبر أحمد النجار ذي الأصل الطبقي المتواضع. الساذج والطيب القلب. وهناك العقم الزمني القاتل والمؤثر بشكل سلبي على هامش الزمن أنها العمه "ازدهار". بينما تنتقل الصورة الكبيرة للجد الكبير عبر أحمد النجار الحفيد، ويظهر موقعه خلال موقفه من بيع الأرض: "كدنا نموت من الجوع وأبوك في السجن ولم أفكر أن أبيع شبراً منها، يكفي ما أخذوه.". وقد كان يشبه جدته خديجة الصالح في كل شيء دائماً. ووطنية الحفيد كانت شيئاً لا يصدق وصلت به إلى حد استعداده لتشكيل تنظيم سري ضد الصهاينة المحتلين. وتتداخل أحداث الرواية في الزمن وهذا كشف لعلاقة الماضي بالحاضر وبالمستقبل، بعدم ثبات اللحظة رغم ثبات المكان. فالتفاعل الزمني المتواتر المتداخل يتقلب على صدر عكا الوطن المغتصب فلسطين المتقلبة على عهد اللحظة الخائنة فكأني بشريط زماني يعبرني قبل الحرب العالمية الأولى ثم أراه بين الحربين العالميتين ثم زمن الترحل الصعب في عام 1948. وما بعد تلك الأيام زمن الاحتلال البغيض. ثم هناك ومضات الأحداث الراكضة بشكل أعرج مخيف حول حدود الوطن عبر أسوار الشوك التي تحيط اللاجئين بين الدم والرصاص في المكان الرجراج والزمن المتأرجح. وإذا كانت [العلاقات المكانية تعبر عن ترتيب وضع الأحداث الجارية في وقت واحد من جهة وعن امتداد الأجسام المادية من جهة أخرى فإنما العلاقات الزمانية فتدل على ترتيب وقت الأحداث المتعاقبة وديمومتها. [[المعجم الفلسفي المختصر.) دار التقدم ـ موسكو ص474. فإننا نجد أن الكاتب وعى مثل هذه الحقيقة في أحاسيسه على الأغلب وأثرها في معاناة الواقع الصعب رحيلاً وغربة. لقد كانت عكا سابقة طبعاً للأحداث التي وقعت فيها حتى دخل اللنبي وفي يده حاخام يهودي.. ثم تطل المتغيرات التي تشكلت منها وفيها ومعها النكبة المأساة، وضمن ديمومة قاتلة لا تزال تصنع الموت. إذ استمر الكاتب في متابعة المجريات الكاملة لأفراد الأسرة جميعاً حتى وفاة فارس الصالح ثم وفاة ابنته خديجة. ولم ينس خلال تصويره ما يجري مع ضخامة الأحداث الحاصلة أدق الجزئيات المتعلقة بالأب والأم والأختين والأحفاد والأقارب وهذه كلها جاءت متطابقة مع سيرورة ما يجري وفاعلة فيه. كقرار الأمم المتحدة بإدانة الصهيونية وطريقة حياة وليد بن خديجة في نيويورك إلى محادثات الكيلو متر (101) وفك الارتباط ومؤتمر جنيف وغير ذلك. لقد كان الكاتب في تصويره ما يجري يبحث عن بطل وجد بعضه في خديجة الصالح كما جاء في الرواية. وحين تكون الرواية تصويراً لعالم يموج بكل شيء حول مجرى زماني مكاني بشكل ديناميكي فهي تعبر عن وجود زاخر بكل شيء وواقعي أيضاً. فالمكان المحدد بالفعل الاجتماعي المتبدل المتغير يقبض ناصية الزمن حين يبقى فيه ويدور الثاني عبر الأول راسماً شكله في كل مرحلة. فالأفكار والأحداث والمتغيرات بكل تنوعها تستقطب الكاتب المبدع. ورواية "عكا والرحيل" ليست رواية اجتماعية إنسانية تضيف بأحداثها فقط بل هي أحداث ترسم مساراً وطنياً اجتماعياً إنسانياً عبر متغيرات ظالمة منذ البداية في تصوير الشخصيات عبر الأحداث في سياسات فاعلة عبر النكسات، في الموت الملون بقتامة الاستلاب اليومي وأرى أن كل ذلك يصنع رواية قومية ناجحة في تاريخ مرحلي يتطابق وانتقال الأحداث عبر حياة الشخصيات والحوادث الهامة راسماً حدود الوطن وتغيرات الفعل المتبدل عبر أفكار الهجرة والانتماء، التعايش والتمايز، المنافي والسجون. وليس أروع من تصوير خديجة في (صفحة 76) في عشقها للوطن والهيام به وإفناء الذات إنه موقف المناضل الصادق بين الحب والانصهار "إنها إسرائيل وأنتم عرب.. حتى جواز سفري الأسترالي لم يحمني من أن أشعر بالذل والهوان. ولن تصيروا إسرائيليين.. إنها مجنونة خديجة. هل هي سعيدة هنا؟" وتسافر خديجة إلى أستراليا فترة قصيرة وتعود إلى عكا. ولا بد ـ كما في الرواية ـ أن تترك المتغيرات السياسية أثرها في العلاقات الاجتماعية داخل أسرة فارس الصالح. أيهم يسكر. وفارس الصالح يسقط في معاقرة الخمرة، وتعود خديجة إلى الحياة العامة وقيادة المظاهرات. والزمان ظاهر التأثير في حياة الأسرة كاملة عبر المكان. ولكن ما حصل هو تغير المكان مرات كثيرة عبر زمن متواتر متلاحق لا انقطاع فيه. والمكان في الرواية متواصل أيضاً. فالبيت القلعة ثم البيت الثاني ثم الشقة الأخيرة يليها طردهم إلى بيت الفاخورة ولا ينقطع التواصل الزمني المؤلم، ويبقى معلقاً كحبل السرة فيهم. ومظلة الرحيل التي لا تقي كانت تنقلهم إلى أستراليا أو أمريكا ثم تعود بهم وقد زادوا تمسكاً وحباً وتضحية وشقاء أيضاً. وترد الحكمة القانون في تعريف الوطن: "هو الدمغة التي تحدد أبعاد شخصيتك بعد جنسك ولونك". لقد استطاع الياس أنيس الخوري بحذر أن يصور أهم الأحداث الجارية في منابع الطفولة الخاصة الأليفة فيعمل الرمز كما حدث في إجهاض خديجة الصالح عام 1936 وهو عام الثورة الفلسطينية الكبرى التي لم تصل النصر ويليها ما آلت إليه الحال بعد النكبة عام 1948. فيصل القمة في حديث وليد الصالح عن نفسه صغيراً: "هم أطفال النصر وأنت طفل النكبة." وتبرز مجموعة نصائح من شعور الهزيمة "كنتم أكثر الفلسطينيين تحسساً بفلسطينيتكم، وحاجة إليها بها تلوذون كلما اشتدت الخطوب عليكم." ص106. وفي مدار الحزن تصل خديجة الصالح أصعب الأحوال بعد سجن زوجها أحمد النجار: "تمتنع عن صياح أول رمضان تلا النكبة. وسط ذهول واستنكار الجميع. أن من لا وطن له لا رب له" ص108. ويكشف الكاتب نقطة حقيقية ذات فاعلية زمانية في مكان الاستلاب حين توصي حفيدها أن يفهم قولها: "الوهم الذي يريدون أن يزرعوه في مخك أنهم انتصروا لأنهم المتفوقون" وتتابع بمأساوية أحداث تصفية الوجود العربي في مدينة عكا بعد سقوط الوطن تحت نير الصهيونية. إنه عودة إلى الماضي حيث لا يرجع الزمان بل يحرك قادمات الأيام. ويحدد الكاتب المكان الفلسطيني في إيجاز جميل مستذكراً خطبة طارق بن زياد في رجع زمني تاريخي واضح: "اليهود أمامك والعرب وراءك. حيَّ على الجهاد، حي عل الكفاح." ص155. ويحدد الزمان في تعبيره الجميل: "أنا هو اليوم، الساعة، اللحظة، لا الأمس ولا غداً، الأمس وهم انقضى، وغداً وهم سينقضي أما الحقيقة فهي الآن." ص155. إنه تعبير زمني يلخص حالة دائمة الحضور وتتم في المكان. بينما نرى كثيراً ما يختلط الزمان بالمكان فنحس أمكنة تسكن الناس والناس يسكنهم الوطن. إنه المكان الذي لا يزول. وتتلون الخطابية على ألسنة شخصيات الرواية فتصبح وجع نداء الذات في الآخر المتلقي وتعود الذكريات لتصبح: "ذلك الماضي الدافئ، وتلك التلة التي لم تعد مرئية" ص177. وتقترب صفحات النهاية ليبرز تغير المكان في عكا لما يناسب الزمان حيث لم يبق في عكا أحد من أسرة الصالح. وتنتهي القصة بقرار وليد الصالح المهاجر مخاطباً ذاته "عليك أن ترجع" ويكون القرار ممزوجاً بتحد يختلط بصيحة الألم.. آه يا عكا. 1 رواية الياس أنيس الخوري. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |