مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الخطاب الإيديولوجي في العشق والمَوت ـــ د. بوجمعَة بوبعيو

2ـ رواية العشق والموت في الزمن الحراشي‏

عند دراستنا لرواية اللاز، لاحظنا كيف أن الطاهر وطار حاول أن يعالج ملابسات الثورة الوطنية الجزائرية من منظورين إيديولوجيين متصارعين، منظور وطني ـ ثوري ـ ديني، ومنظور آخر علمي مادي، وبذلك وضع هذه الثورة حاضراً ومستقبلاً في وضع متأرجح بين كفتين.‏

وقد أبي إلا أن يجعل من زيدان فكراً مشعاً نابضاً بالأمل في الحياة، وبذلك فإن تصفية زيدان الجسدية من قبل الثورة لا تعني موته الفكري، إذ نجد شخصيات رواية اللاز تتأثر بأفكاره ومبادئه ولو كان ذلك ليس بنفس الوعي والعمق الطبقيين.‏

فالصراع الطبقي ـ إذن ـ ظل قائماً بين شخصيات الرواية الثانية "العشق والموت" لأن أبطالها هم أنفسهم ـ تقريباً ـ أبطال رواية اللاز، فهم بذلك يمثلون التواصل التاريخي لمسيرة الثورة الوطنية الجزائرية، على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.‏

فاللاز وحمد وبعطوش يحتفظون بأدوارهم في حين هناك شخصيات أخرى جاءت لتحمل راية زيدان وتدافع عن مبادئه التي مات من أجلها ولتثبت أواصر الديمقراطية والاشتراكية، في ظل الحياة الحرة المستقلة، وبالمقابل، فإن هناك قوة الصراع الأخرى المتمثلة في التيار الآخر الذي يقف مناهضاً للتيار الاشتراكي.‏

وقد حبذ المؤلف أن يجعل من الأرض بؤرة هذا الصراع، فمنطلق الصراع هو الثورة الزراعية وما مثلته من صراعات وتناقضات لا سيما عن مستوى التطوع الطلابي الذي أخذ أبعاداً ومتعرجات مختلفة.‏

فرواية "العشق والموت" ـ إذن ـ هي تكملة للمرحلة التاريخية التي عاشتها شخصيات الرواية الأولى، من حيث التطور الاقتصادي والاجتماعي التي أصاب المرحلة الوطنية الديمقراطية.‏

فبعد الاستقلال الوطني كان طبيعياً أن يتبلور الصراع من جديد، وأن يعيد إلى الساحة التناقضات التي خفتت جذوتها في أثناء الثورة التحريرية.‏

لقد أراد وطار من خلال عمله الروائي هذا أن يؤكد ما أصر عليه في الرواية الأولى، وهو أن الذين قادوا الثورة أو أسهموا فيها لم يكونوا كتلة واحدة متجانسة، خاضعة لمنظورات تاريخية أحادية الرؤية، لتقود على أساسها الجماهير التي هي صاحبة المصلحة في التغيير الاجتماعي، بل هناك كتلتان مختلفتان تمثلان هذا التواصل التاريخي بين الماضي والقريب، والحاضر الذي يحمل في طياته تطلعات المستقبل نحو غد مشرق.‏

فالطلبة المتطوعون في الثورة الزراعية، هم الامتداد الشرعي لأحلام زيدان ومبادئه، بل هم الأبناء الشرعيون الذين تسري في عروقهم دماؤه، فضلاً عن انتمائهم إلى الطبقات الشعبية الفقيرة.‏

فجميلة وثريا واليامنة وإبراهيم والشباح المكي الذي يمثل الإرهاصات الأولى للحزب الشيوعي، كلهم يسيرون في الخط الذي رسمه زيدان، فضلاً عن اللاز الذي يبدو هامشياً في الرواية، حيث يفقد الديناميكية والتفاعل مع الحدثين اللذين مثلهما في أثناء الثورة التحريرية، لكنه في الواقع لم يهمش، بل جاء محملاً بدلالات رمزية عدة، فما جنونه إلا رمز لما شاهده عن تناقضات لم يستطع نسيانها، وما تحوله إلى أسطورة شعبية، ولي من أولياء الله الصالحين إلا دلالات رمزية مختلفة، تدل على حقيقة الثائر الجزائري الذي التحق بالثورة بعفوية وتلقائية، وضحى من أجل الوطن دون أن يأخذ شيئاً.‏

فاللاز، هو الشاهد على جميع هذه التطورات والتناقضات، وهو الثابت الذي يظل عنده إيمان لا يتزعزع بفكرته المبدئية، التي ترى البقاء للأصلح، وما يظل حاملاً لبذرة الحياة إلا الذي من صميمها وجوهرها، أما الزائف فمصيره الزوال والتلاشي، هذه هي الفكرة التي يؤمن بها اللاز، وما يفتأ يرددها "ما يبقى في الوادي غير احجاره".‏

ولا شك أن فهم رواية العشق والموت، فهماً دقيقاً واعياًن مرهون بفهم رواية اللاز، فاللاز بطل عاش في أثناء الثورة مرحلة معقدة حافلة بالتناقضات لذا فإن هناك تلاحماً بين هاتين الروايتين، فاللاز ـ كما أسلفنا هو نفسه في الروايتين، لكن المتغير هو الظروف: "فاللاز ـ يظل هو اللاز، بكل وقاره وهيبته وصمته، وجموده أحياناً، وقد ظهر في هذه الرواية أكثر هامشية، ولهذه الهامشية ما يبررها عند الطاهر وطار بكل تأكيد، كذلك حمو أخو زيدان نموذج الإنسان الشعبي الثوري الذي يتخذ مواقفه من خلال إدراكه لتفاصيل الحياة الصغيرة والدقيقة، هو بدوره لم يتغير إلا قليلاً، ما يزال يسكن في حي شيكاغو القصديري"(1).‏

فالرواية ـ إذن ـ محاولة للوقوف عند الصراعات الجوهرية التي سادت المجتمع الجزائري في مرحلة السبعينات بسلبياتها وإيجابياتها، كنتيجة حتمية لما كان سائداً قبيل وأثناء الثورة الوطنية التحريرية.‏

فالخيار الاشتراكي جسد عدداً من الإنجازات التي مثلت التغيير في الذهنية، كما جسد ـ أيضاً ـ مجموعة من الثوابت، كديموقراطية التعليم، ومجانية العلاج، والتسيير الاشتراكي للمؤسسات، بالإضافة إلى الثورة الزراعية التي غيرت كثيراً من المفاهيم السائدة، وأحدثت ضجة كبرى وأثراً عميقاً في نفوس الطبقة الإقطاعية المستغلة، وفي ضوء هذه الضجة الصاخبة الرافضة لمبدأ الثورة الزراعية، وللخيار الاشتراكي، كانت هناك ضجة أخرى لم تخل ـ هي الأخرى ـ من الغوغائية والدعائية مثلها الطلبة المتطوعون الذين حاولوا توعية الفلاح المستفيد من الثورة الزراعية قصد ضمان استمراريتها أمام تعنت مناهضيها.‏

وتطلعنا الرواية على جوهر الصراع القائم بين هؤلاء المتطوعين المنقسمين على أنفسهم في ضوء درجات الوعي المتباينة، وبين التناقض الطبقي بين اليمين واليسار، إلى درجة همشت هذه الثورة لتفتح المجال لذلك الصراع ليدخل تفاهات بعيدة عن جوهر الصراعات الفكرية الواعية.‏

شخصيات الرواية‏

1ـ اللاز:‏

يظل اللاز في العشق والموت بكل ما يحمله من زخم ثوري ممثلاً للتواصل التاريخي ـ وفي الوقت نفسه للبديل الثوري ـ، وإذا كان لم يولد واعياً، فإن وعيه نشأ وترعرع مع أنصاره في الثورة، وإذا كانت هذه الثورة قد تعرضت لهزات وتناقضات وحملت في أعماقها خلفيات عميقة كعمقها، فإنه تعرض لكل ما تعرضت له، فهو موجود عبر فضاءات الزمان والمكان، فهاهي القافلة تسير نحو ميدان التطوع، وهاهو أمامها "ماذا يفعل المسكين هاهنا، في هذا الطقس، وفي هذا الوقت؟‏

هذه أول مرة أصادفه هكذا ـ هنا ـ كان ممكناً أن يموت.‏

عفوك يا سيدي، يا صاحب البرهان القاطع.‏

لم نره إلا عاقلاً، أعقل مجنون! رأيته في حياتي.‏

اللاز مجنون، هذا جنون، لا يتعرض لأحد بسوء أو أذى، لا يطلب أكلاً أو شرباً أو تبغاً، قانع بما يصادفه وبما قدر الله له.‏

المسكين اللاز ليس مجنوناً أبداً، سيدنا أعقل الأسياد على الإطلاق.‏

سرحنا نواصل الطريق ببركتك يا سيدنا"(2)‏

والحقيقة أن هذا القول العفوي الصادر عن جميلة ذات التلقائية والبساطة، يحمل دلالات رمزية مكثفة، فاللاز الثائر، يمثل الثائر الجزائري الذي لم تغره قشور المادة بعد الاستقلال فقد ظل على حاله لم يتغير، قانعاً بما كتب الله له، ولعل اللاز أصبح في عرف الناس مجنوناً، لكنه ـ جوهرياً ـ ليس كذلك، فهو أعقل الناس لأنه لا يمثل الزائف، بل يمثل ما هو أصيل وصحيح، وهو رمز للمسيرة التاريخية الصحيحة.‏

وما تحوله إلى ولي من أولياء الله الصالحين إلا دليل على سلامة المبدأ الذي أراده زيدان من خلال اللاز، فهاهم أبناء زيدان يتبركون باللاز ويصحبونه معهم في مسيرتهم النضالية الجديدة، مستشهدين بين الحين والآخر بالمثل الشعبي "ما يبقى في الوادي غير احجاره".‏

فاللاز من المبشرين بالخيار الاشتراكي، بل ومن الداعين إليه دون غيره من الخيارات الأخرى: "عاد مع العائدين في مطلع الاستقلال يبشر بزوال وضع، وحلول وضع آخر"(3).‏

فقد ظل محتفظاً بروحه الثورية النضالية من أجل التغيير نحو غد أفضل في ضوء العقيدة الإيديولوجية التي سكنته من خلال دم زيدان الذي يجري في عروقه.‏

ومن هذا المنطلق فقد تحول اللاز إلى زخم ثوري يحمل كل مؤشرات الشخصية الشعبية الأسطورية التي تبارك العمل النضالي الصحيح، إنه يبارك الثورة الزراعية من خلال المساهمة الميدانية الفعلية: "أرأيتم اللاز ـ سيدنا اللاز. إنه لأول مرة منذ الاستقلال يمد يديه لإنجاز عمل ما. اللاز يبارك الثورة الزراعية يا ناس، ويبارك التطوع"(4).‏

ومما تقدم، نلاحظ أن المؤلف أراد أن يحمل اللاز أكثر مما يحتمل، فهو يحمل سمات عصره وخصوصياته، وكذا هموم وطنه، لأنه عاش في مرحلة تحولها التاريخي.‏

فقد عاش مرحلة الثورة بمختلف ملابساتها وتعقيداتها، فمثل بذلك الذاكرة الشعبية، إنه الذات الكبرى التي تستوعب أرواح الشهداء: "اللاز ليس سوى جثة يسكنها أرواح جميع الشهداء، كل ثانية تحل بهذا الجسم روح".‏

والملاحظ أن جنون اللاز، لا يعني الجنون العادي الذي يفقد الإنسان بموجبه القدرة العقلية التي يربط بوساطتها بين الماضي والحاضر، ولم يعد يقي حقيقة الأشياء بالشكل الطبيعي، فاللاز يحمل في ذاته ملامح الجنون، ولكنه الجنون الواعي، الذي يعني مرحلة الوعي الجماعي الشعبي الذي يختلط فيه الواقعي بالأسطوري "اللاز ليس حياً، وليس إِنساً.‏

اللاز، لاز صحيح.‏

يقال إنه ظهر ليلة الاستقلال في كل قرية، وفي كل مدينة"(6).‏

واللاز ـ فوق ذلك ـ رمز للإنسان المهضوم المستغل لدى مختلف الشعوب، ولكنه الإنسان الذي يحمل الطاقة الكامنة التي قد تتحول إلى ثورة جامحة لا تعرف الهوادة ضد الاستغلال.‏

"اللاز كائن وغير كائن.‏

كائن حيثما حللنا وولينا وجوهنا. اللاز يملأ الدنيا. هنا في الجزائر، هناك في المغرب، في تونس، في مصر، في الهند، في السند في كل مكان لم تقم فيه ثورة العدل، في كل موطن يذبح فيه زيدان، وغير كائن لأننا لا نستطيع أن نشخصه في فرد معين"(7).‏

هذا هو اللاز بمختلف أبعاده الأسطورية والإنسانية التي تجسد طموح الشعوب المقهورة نحو الغد المشرق الذي تسطع شمسه على الجميع دون استثناء.‏

2ـ جميلة:‏

إنها طالبة جامعية تحمل سمات الثورة والتمرد على وضعها الأنثوي، فضلاً عن ثوريتها المبدئية المتمثلة في إيمانها بالثورة الزراعية أحد الخيارات الاشتراكية، وهي بذلك إحدى أولئك اللواتي يسري في عروقهن دم زيدان.‏

ولجميلة دلالات رمزية عدة، منها أنها الفتاة الساحرة ذات الجمال الأنثوي الأخاذ، وهي أيضاً رمز التواصل التاريخي، فجميلة بوحيرد مثلت بالأمس القريب البطولة والفداء من أجل الاستقلال والتحرر، ولم تستطع قوى الاستعمار أن تخمد ثورتها أو تضعف عزيمتها، وجميلة هي كل جميلات الجزائر ممن ناضلن عبر مراحل التاريخ المختلفة من أجل الحرية والكرامة والديموقراطية.‏

تحمل جميلة وعياً طبقياً محدوداً، ولكنها ـ مع ذلك ـ متحمسة كل الحماسة لمبدأ الثورة الزراعية والتطوع،: "لم تشأ أن تتخلف عن زميلاتها وزملائها، تصر على المساهمة في زرع البطاطس، ألحت علي البارحة أن أحضر مبكراً، وأقصد بهن الحقل مباشرة"(8).‏

ولعل إيمان جميلة بمصداقية الثورة الجزائرية آت من قناعتها النضالية، ومن إحساسها الطبقي، بالإضافة إلى تأثرها بشخصية اللاز الذي قرأته في الرواية ووجدته متطوعاً في الصف الأمامي، "وربما بسبب ذلك انهارت للوهلة الأولى، أمام نظرة اللاز المتوحشة، اللاز الذي بكت كثيراً، وهي تقرأ الرواية التي تحمل اسمه، عايشته في كل أطوار حياته، وتمنت لو أنها تزوجته وأنجبت منه لازاً جديداً لا يعرف الشقاء الذي عرفه أبوه"(9).‏

وتبدو جميلة متأثرة بالعقيدة الاشتراكية في ضوء تأثرها بمبادئ برهما الذي قد يعني مبادئ زيدان نفسه، ومن ثم فقد أصبحت مؤمنة بسلامة موقعها وتعهد أبعاد مسؤوليتها في ظل هذه المرحلة التاريخية الحاسمة: "لقد جعلني أفهم ذلك على كل حال، كما جعلني أعتز باسمي بعد أن كنت أتضايق منه.‏

جميلة الثورة الوطنية كانت تكافح في واجهة واحدة، بل كانت تدافع عن نفسها، وعن إخوانها من بني جلدها، لا غير.‏

أما جميلة الثورة الديموقراطية الشعبية، فتكافح في واجهات، لا حدود لها، إنها تهاجم، وهذا ما يميزها ويقدسها عن باقي الجميلات، دون أي انتقاص للدور التاريخي الذي أدّينه"(10).‏

فاطنة ويوسف:‏

في غياب زيدان في هذه الرواية، نجد مجموعة من أشبال الثورة يتأثرون بأفكاره ويحملون مبادئه، ويواصلون الدرب من حيث انتهى، ففاطنة ويوسف طالبان جامعيان متزوجان يقدمان تضحيات كبيرة في سبيل المبدأ الاشتراكي المادي الذي تمثل الثورة الزراعية أحد منطلقاته الجوهرية، وبذلك نلاحظ أن المؤلف حاول أن يجعل من هذه الشخصيات الطلابية شخصيات متكاملة كل شخصية تكمل جوانب النقص الموجودة في الشخصية الأخرى في ظل ذلك الوعي الطبقي الذي تحمله كل منها.‏

فمن أجل إنجاح الثورة الزراعية وتأكيد الشرعية الوطنية لمبدأ التطوع يعتمد يوسف السقوط في الامتحان حتى يظل طالباً جامعياً، ويتعمدان إسقاط الجنين المتخبط في أحشاء فاطنة لضمان الاستمرارية للأسس الصحيحة للأيديولوجي العقيدي المادي الذي يعد من مكاسب الثورة الاشتراكية(11).‏

كل ذلك لأن البرجوازية الصغيرة ـ في نظر يوسف ـ تتخوف من هذا التطوع، كما أن الرجعية تعمل جاهدة على ضربه، في حين يجتهد الطلبة المتطوعون في أن يندفعوا فيه ويجعلوه بمنزلة المعركة المصيرية، لأن هناك معارك أخرى مصيرية بالنسبة لهم وبالنسبة للثورة، ففاطنة ويوسف وزملاؤهما يعملون لخلق استراتيجية واضحة وصحيحة هي "دعم وإنجاح الثورة الزراعية، ولا غير، لا غير. يجب أن نقنع جميع الناس بهذا"(12).‏

ويبدو الوعي الطبقي لدى أمثال فاطنة ويوسف، في فهم طبيعة المواجهة، إذ لا بد من مواجهة أمامية تقود، وأخرى خلفية تدافع، فلا يجب أن تسقط في اليسارية الطفولية أو في التعنت الدوغمائي.‏

"الثورة الزراعية مطلبنا، نعم، لكن ليس مطلبنا المجرد. بل إنه نابع من الاعتبار الصحيح لمصلحة الجماهير الكادحة، ولمصلحة الثورة العليا.‏

وهنا أيضاً لا يعني معركتنا وحدنا."(13).‏

الشريف:‏

من رموز التواصل التاريخي، أو الاستمرارية الزيدانية، الشريف الذي يحتل الصف القيادي بصحبة زملائه أمثال جميلة، ثريا فاطنة، يوسف إبراهيم وغيرهم.‏

نجد الشريف على قارعة الطريق في مهمة تطوعية فيقله ثلاثة شبان في سيارتهم يتضح فيما بعد أن أحدهم ينتمي إلى جهاز الدولة، ويتردد في البداية عن إعلان صفته في البداية، ولكنه يقرر أن يفعل قائلاً في نفسه "عملنا مشرف وينبغي ألا نخجل منه أمام غيرنا. ليفهموا ـ على الأقل ـ أنني طالب ليس في وسعي أن أدفع لهم أجرة. وأنهم لن يجدوا معي ما يستولون عليه، إذا ما فكروا في ذلك(14).‏

ويثير هذا الإعلان ضحك هؤلاء الشبان الذين يمثلون الطرف الآخر الذي يقف ضد الثورة الزراعية، وضد جهاز الحكم الذي يساند هذه الثورة، فيقول أحدهم مخاطباً الشريف: "ما الذي يجعلكم تساندون هذا النظام، إنه غير شرعي. مجهول الهوية، لا هو بالملكي، ولا هو بالإمبراطوري أو بالعسكري. لا دستور. لا برلمان. وأي قانون. إذا كانت مثل هذه المخالفات الفظيعة، تخفى عن نخبتنا المثقفة، فالشعب المسكين معذور والله"(15).‏

ويطلعنا المؤلف على حقيقة الصراعات المتناقضة القائمة بين هؤلاء المنتمين إلى الدولة الذين يعملون منها وسيلة لبلوغ مآربهم، وبذلك فإن وطار ما ذهب حيث ذهب إلا ليزيل اللبس عن تلك المرحلة التي سادتها تناقضات كثيرة، فهناك كثير من المستفيدين من السلطة هم من أعداء الثورة الزراعية وبالتالي أعداء الاتجاه الاشتراكي لذلك فهم يحملون جهاز الدولة ـ وقتئذ ـ أعباء ومسؤوليات عديدة.‏

وإذا كانت الاشتراكية هي المنهج الاقتصادي الوحيد الذي يرغب ورثة زيدان في تطبيقه، فإن الشريف ـ أحد هؤلاء الأبناء المنتمين ـ يتحدث عن الاستراتيجية التي يجب اتباعها من قبل الطلبة المتطوعين، لأن الثورة الزراعية هي أحد الإنجازات الاشتراكية، مما يدل على وعي طبقي لدى هذه الشخصيات الطلابية التي تحرك أحداث الرواية وتتفاعل معها: "علينا أن نركز جهدنا الكامل، على إفهام الفلاحين الذين نتصل بهم، بأن القول إننا في مرحلة الاشتراكية، خطر يضر الاشتراكية أساساً، وعلينا أن ننبه أصدقاءنا إلى ضرورة التراجع عن الخطأ الاستراتيجي، الذي تجرنا إليه الرجعية، ألا وهو التباهي والتأكيد بأن الجزائر طبقت الاشتراكية، وهي تحياها، يجب أن ننبههم أيضاً إلى ضرورة فصل الثورة الزراعية في المرحلة الحالية على الأقل عن باقي القطاع الاقتصادي الخاص"(16).‏

مصطفى:‏

في مقابل هذه الشخصيات الروائية التي جندت للدفاع عن المبادئ الاشتراكية من خلال الثورة الزراعية، فإن هناك شخصيات أخرى، كان لها أثناء الثورة مواقف عدائية مع زيدان من أهمها شخصيتي منصور ورضوان اللذين يقفان بالمرصاد في وجه التيار اليساري، بل ويؤديان ـ من خلال السياق الروائي ـ دوراً بارزاً في إيقاف عجلة الثورة الزراعية، بالإضافة إلى شخصيات أخرى ثانوية ولكنها تطلعنا على حقيقة هذا الصراع الطبقي الذي لم يتوقف على صراع الطلبة المتطوعين فحسب، بل تعداه إلى جهاز الدولة نفسه الذي انقسم بين المؤيد للثورة الزراعية والمناهض لها، ومن هذا المنطلق نجد مصطفى الطالب الجامعي المتطوع، ولكن لا من أجل الثورة الزراعية بل من أجل ضربها، ويجعله المؤلف نموذج اليميني المتطرف المسخر ـ باسم الدين ـ لوأد هذه الثورة في مهدها.‏

فالصراع ـ إذن ـ يبدو على أشده بين هاتين الفئتين الطلابيتين المتصارعتين، فالفئة الأولى تعمل على ترسيخ المبادئ الشيوعية من خلال التطوع الذي يعني توعية الفلاحين توعية طبقية، في إطار الفلسفة الماركسية المادية، في حين تسعى الفئة الثانية لضرب هذه القيم الشيوعية التي ستهز المجتمع الجزائري من جذوره، وتجرده من مفاهيمه وقيمه الروحية.‏

وفي ضوء هذا الصراع الطبقي تختلط المفاهيم، وتتعقد القيم، إذ تتسرب كثير من المواقف الانتهازية إلى صفوف الطلبة، فرضوان مثلاً ـ يمثل التيار اليميني البرجوازي الذي يخاف على مصالحه و مصالح زملائه: "وإذاً فالأمر واضح لماذا تتطوع جماعة مصطفى ورضوان، بكل بساطة لإجهاض الحركة الطلابية في مهدها ومن الداخل، وبالتالي ضرب الثورة الزراعية كمقدمة لضرب المكتسبات الديموقراطية كلها"(17).‏

ويصور لنا المؤلف "مصطفى" على أنه نموذج الشخصية الدموية المسخرة لإراقة الدماء باسم الانتماء الديني، ونحن هاهنا حضور شخصية المؤلف التي لم تستطع إخفاء انحيازها الأيديولوجي، وذلك من خلال أسلوب التهكم الذي نقرأه بين الحين والآخر، كقول مصطفى ـ مثلاً ـ: "جميلة ـ جميلة الفتنة... بقرة إبليس هي التي تغويهم بالتطوع، يجب أن تنال القدر الأكبر من الحامض، أريد أن يتشوه وجهها كله من هو الفدائي، من منكم حمزة، من خالد بن الوليد سيف الله المسلول... إن ضرب البنات هنا معناه إنزال الرعب في قلب كل الجامعيات"(18).‏

هكذا نجد تواصلاً تاريخياً بين شخصيات الروايتين لإبراز التناقضات الطبقية التي واكبت مرحلتين هامتين في تاريخ الجزائر.‏

وأياً كان الأمر فإن وطار الذي حاول أن يبرز بعض الملابسات التي سادت الثورة الوطنية التحريرية، وكذلك الثورة الوطنية بعد الاستقلال وقع في كثير من المزالق، سواء فيما يتعلق بحقيقة السياق التاريخي الموضوعي، إذ شوه حقائق تاريخية في الوقت الذي أعلن فيه شخصياً أنه أراد تعرية جذور الحقائق، وهذا التشويه جاء ـ في نظرنا ـ نتيجة التأثر بالقناعة الأيديولوجية، وإن كان ذلك يجعلنا أمام إشكالية العمل الإبداعي كفن وبين العمل الإبداعي كإيديولوجية تريد تثبيت وجودها من خلال الفن وعلى حساب إيديولوجية أخرى، أما على الصعيد الفني فإن مذهب الواقعية الاشتراكية الذي تأثر به وطار إلى أبعد الحدود جعله يتتبع الفكرة، ولو كان ذلك على حساب جمالية النص الإبداعي، فروايتا اللاز والعشق والموت في الزمن الحراشي يطغى عليهما الأسلوب التقريري المباشر، الذي يجعلنا نتساءل أحياناً أنحن أمام مذكرات وثائقية أم نحن أمام عمل روائي، لكن هذا لا يعني خلو الروايتين من الجوانب الفنية الأخرى التي تجعل وطار رائد الرواية الجزائرية دون منازع على مستوى جيله.‏

الهوامش‏

(1)ـ واسيني الأعرج، اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، ص/516.‏

(2)، (3)ـ رواية العشق والموت في الزم الحراشي، ص/ 8، 9.‏

(4)، (5)، (6)، (7)، (8)ـ المصدر نفسه، ص 40ـ 14ـ 18ـ 27ـ 20.‏

(9)، (10)، (11)، (12)ـ المصدر نفسه، ص/ 21ـ 79ـ 71ـ.‏

(13)، (14)، (15)، (16)ـ المصدر نفسه. ص/ 73ـ 111ـ 112ـ 115.‏

(17)ـ واسيني الأعرج، اتجاهات الرواية العربية في الجزائر ص/ 22.‏

(18)ـ رواية العشق والموت، ص/ 130.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244