مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 266 حزيران 1993
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الهويّة.. بين الحضور والاستلاب ـــ د.علي وطفة

مقدمة:‏

يمكن تعريف الهوية بوصفها منظومة من المعطيات المادية والمعنوية والاجتماعية والتي تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي. ولا يمكن لمثل هذه المنظومة أن تكون في حيز الوجود ما لم يكن هناك شيء ما يعطيها وحدتها ومعناها. ويتمثل ذلك الشيء في الروح الداخلية التي تنطوي على خاصة الإحساس بالهوية.‏

والإحساس بالهوية يتكون من مركب من المشاعر المادية ومركب من مشاعر الانتماء والتكامل والإحساس بالاستمرارية الزمنية والتنوع والقيم والاستقلال والثقة بالنفس والإحساس بالوجود. ومن هنا يمكن القول بأن أزمات الهوية تعود إلى عملية كبت تنال جانباً أو جوانب متعددة من مشاعر الإنسان.‏

فالهوية ليست شيئاً جامداً، بل هي حقيقة تتطور لمنطقها الخاص الذي يتجسد في عمليات التقمص والتمثل والاصطفاء. وهي في سياق تطويرها تتحدد على نحو تدريجي، وتعيد تنظيم نفسها، وتتغير من غير توقف وذلك إلى حد تكون فيه قادرة على تحديد خصوصية الكائن الإنساني. وهي تنطوي على دينامية داخلية مماثلة لمنظومة العمليات المعرفية والعقلية التي تشكل منطلقات الإحساس بالهوية. وشأنها في ذلك شأن مركب تكاملي لا يتوقف في حركة نموه بل تتجاوز مراحل نموها. ولقد لاحظنا كيف يمكن لبعض المراحل الهامة في تطورها أن يترك بصماته التي لا تمحى (طفولة الإنسان.. مرحلة هامة تاريخية من مراحل تكون الجماعة). هذا ويمكن للهوية أن تتعرض من غير أدنى شك إلى صدمات عاطفية وتتجاوزها: مثل الخدمات النفسية العاطفية الفردية، أو الجمعية، أو الثقافية. فالهوية المتكاملة هي الهوية التي تمتلك ديناميتها الداخلية وتسعى إلى تأكيد وجودها وتحقيق ذاتها، وذلك وفقاً للكيفيات التي يسمح بها الوسط المحيط. وكما هي الحال بالنسبة لمختلف صيغ التكييف الحيوي وأشكاله، توجد هناك حدود مرسومة وبالتالي فإن تجاوزها يعني الوقوع في دائرة الأعراض المرضية والتحديات النكوصية أو المبالغات الدفاعية أو الأعراض ذات البعد الاضطهادي. فالهوية هي في واقع الحال كيان يتطور ويمر في مراحل بنائية، وهي كيان يتكامل ويتجه نحو وضعية النضج والتكامل.‏

إن مفهوم الهوية المتكاملة (Naturite d'identite) مفهوم قلما خضع للدراسة والبحث. ومع ذلك فإن مثل ذلك المفهوم يعد أساسياً إذ يساعد على فهم تجليات العديد من أزمات الهوية وإشكالياتها وهي إشكاليات تظهر في مراحل النمو ومستوياته والتي يمكن لها أن تتجلى كردود أفعال لهويات لم تستطع أن تعلو إلى مستوى النضج والتكامل.‏

فالهوية الراشدة هي الهوية التي استطاعت فيها مشاعر الإحساس بالهوية أن تتطور على نحو متوازن. ومثل ذلك التطور المتوازن يعطي الحاضر دلالته ومعناه ويسمح لحامل الهوية بالاستفادة من التجربة المعيشة ويمكنه من مراقبة الذات. ويسهل عملية التكيف والمبادرة، والإحساس بالمسؤولية والتكامل والوحدة، والقدرة على العطاء والإدراك، وإمكانية الفعل اللامركزي ومعرفة الغير، والقدرة على التعبير (P. Osterriethe).‏

فالقدرة على تجاوز المشكلات التي أفرزها تاريخ التطور الفردي أو الجماعي أو تجاوز شروط الخبرة السلبية تشكل خاصة الهوية المتكاملة وذلك يعني أن الهوية الناضجة هي الهوية القادرة على تحقيق الانسجام والتكامل مع الأنظمة المعرفية والثقافية المعطاة.‏

وانطلاقاً من المشاعر الأولية الخاصة بالثقة والتكامل تكون الهوية الناضجة قادرة على تحقيق التكامل بين التجارب الجديدة وعلى خلق تجارب جديدة دون انقطاع والتي تشكل منطلق هوية دائمة التجدد.‏

لقد استطاعت الدراسات التجريبية حول ديناميات الجماعات وخاصة حول الجماعة الضابطة أن تبين، بوضوح، مراحل تكون الجماعات الناضجة. أن تجمع أشخاص من الراشدين لا يشكل جماعة بالضرورة أو جماعة متكاملة. إذ يوجد إحساس بالقلق في بداية تشكل الجماعة، وهو إحساس يسيطر على جميع أفراد الجماعة وينشأ من إحساس كل فرد بالوضعية الجديدة للجماعة.‏

وتدريجياً يبدأ إحساس المشاركة بالنمو والذي يتمثل في إحساس جمعي بالثقة بين أفراد الجماعة. وبناء على معطيات ذلك الإحساس بالثقة تستطيع الجماعة أن تحدد وظيفة ودور كل فرد من أفرادها. وهي تستطيع أن تحدد الطاقات الموجودة في داخلها وأن تعمل على تنظيمها. وبالتالي فإن الوعي الجمعي بالمظاهر الانفعالية والعاطفية أمر ممكن حيث يقوم ذلك الوعي بعملية تشريط الاستقلالية النهائية للجماعة ومن هنا يمكن تحديد شروط نضج الهوية وهي شروط مادية ونفسية وثقافية واجتماعية تسمح في مجموعها لمشاعر الهوية أن تولد وتتكون. ودراسة بعض أسباب أزمات الهوية وخاصة الوضعيات الأساسية للمظاهر المرضية يشكل موضوع تقصياتنا، حيث سنعمل على استجلاء ردود الأفعال الأساسية التي يبديها الأفراد أو هذه التي تظهر داخل الجماعات أو الثقافات عندما تتعرض هويتها للتهديد أو الخطر.‏

إشكاليات الهوية‏

تصدعات الهوية: Les dissonance identitaire‏

إن نظرية فيستنجر (Fostenger) حول التنافر المعرفي نظرية معروفة في مجال علم النفس. حيث تشير النتائج الأساسية للتجارب حول مسألة التنافر المعرفي إلى تدخل النظام المعرفي والعقائدي وتصورات الفرد في عملية الإدراك والسلوك وذلك من أجل تقليص التعارضات المنطقية الممكنة. وتتمثل العملية الأساسية الخاصة بالتنافر المعرفي في العمل على خفض درجة التوتر المحتملة أو القائمة. إذا كان نفي الواقع أمراً غير ممكن فإن النظام المعرفي يستجيب بطريقة اقتصادية عالية من أجل دمج عنصر التشويش المحتمل في داخل سياقه المتوازن. ويمكن لنظريات التوازن المعرفي التي نجد تطبيقاً لها في مجال البناء المعرفي أن نجد مكاناً لها في مجال الذهنية أو في إطار النظام الثقافي. حيث لا يمكن لعناصر متعارضة أن تستمر في الوجود داخل نظام ما من غير وجود درجة ما من التوتر. وبالتالي فإن الصراعات الداخلية تكون محتملة إلى حدّ ما، وهذا من شأنه أن يجعل الهوية في حالة تعرض لصدمات تيارات متعارضة. وتوجد مثل هذه التصدعات داخل النظام الثقافي كما توجد داخل النظام المعرفي عند الفرد. إذ يوجد في داخل الثقافة عدد من التناقضات، وهي تناقضات يتجاوزها الأفراد دون صعوبات كبيرة.‏

وتنشأ أزمات الهوية عندما يصبح التوتر الذي تثيره هذه التناقضات على أشده، وعندما تؤدي إلى شلل في طاقة الفعل، وإلى وجود قلق دائم، وهي تناقضات موجودة أساساً في عمق المجتمع الغربي (D. Bell- R. Aron).‏

فهناك تناقض بين مبدأ المساواة المعلن وواقع التمييز الاجتماعي الذي تتطلبه الضرورات العلمية ودرجة تطور المؤسسات. كما يوجد هناك تناقض بين مبدأ المشاركة السياسية واتجاهات النزعة الفردية.‏

لقد أشار انتربولوجيون كبار مثل بالاندييه (G. Balandier) وباستيد (G. Pastide) بأنه لا يمكن للمجتمع الواحد أن يكون مطلق التجانس بل ينطوي على جماعات فرعية وثقافات فرعية مختلفة تمثل أحياناً نماذج متناقضة. وهناك مجموعة من المشكلات التي أفرزها التصدع الثقافي وهي متشابهة في البلدان المتقدمة والبلدان المختلفة على حد سواء. وهي إلى حد ما تعكس ضغط الصدمات "التطبيعية" ويمكن أن نجد العمليات وردود الأفعال الدفاعية نفسها- والتي تعزى إلى التنافر القائم بين الكولنيالية والثقافة الأصلية- بين الثقافة المدنية والثقافة الريفية، بين ثقافة الشباب وثقافة الراشدين، وخاصة عمليات المقاومة، والإدراك وإعادة التفسير، والتمثل، ومعاداة التطبيع، وهي عمليات توجد في المستويات الثقافية والمعرفية كافة.‏

فالشبان لا يوجدون في الشروط عينها التي أحاطت بآبائهم، وهم لا يعيشون الحالات نفسها التي عاشها آباؤهم فلكل جيل إدراكه الخاص للمجتمع ولنماذجه الثقافية، أو، باختصار، لنظامه الثقافي... بالإضافة إلى ذلك كله فإن الشبان يعيشون ذلك التباين الذي يوجد بين المعايير الاجتماعية التي تبناها آباؤهم وبين الممارسات الحقيقية التي يؤديها هؤلاء الآباء.‏

إن التعارض بين الأجيال ظاهرة تبدو على نحو أكثر وضوحاً عند السكان المهاجرين. فالآباء يحافظون على قيم ومعايير مجتمعاتهم الأصلية ولكن الأطفال الذين يوجدون في مدارس المجتمع الجديد يتأثرون بعملية التنشئة التي تمارسها وسائل الإعلام المحلية وهم يتمثلون بذلك قيماً مختلفة عن قيم آبائهم، إذ يوجد هناك مجموعة من المهن الجديدة التي تظهر في داخل الثقافة الغربية وهي توجد على حدود عدد من المجالات والمهن القديمة وهنا يوجد العاملون الاجتماعيون على سبيل المثال على حدود العمل المدرسي والصحي والقانوني. وهم مثقلون بعدد كبير من القيم والمعايير السلوكية المتباينة جداً. وهم بالتالي يطرحون تساؤلات لا حصر لها حول ما يجب عليهم أن يقوموا به: تعزيز بعض المعايير أو رفضها... وبعض الباحثين يتساءلون بعد كل ذلك إذا كان العاملون الاجتماعيون يملكون هوية أم لا. ومثل هذه الشخصيات الغامضة أكان ذلك معلم مدرسة أم ممرض تسعى إلى مساعدة الآخرين على الدخول في حوار لا ينقطع. إن مثل ذلك التصور الخاص بتكوين الهوية يعكس إلى حد كبير المعايير الثقافية غير المباشرة وهي معايير بعيدة جداً عن العمليات النفسية الخاصة ببناء الهوية.‏

فالثقافة الغربية التي تمتد وتتسع عالمياً بدأت تجعل من الكرة الأرضية قرية كبيرة (ماكلوهان Macluhan). ولكن ذلك لا يعني بأن الجماعات الفرعية متجانسة الهوية على نحو ما يجري في قرية صغيرة. ومع ذلك فهناك ثقافة مرجعية مشتركة تشكل الإطار العام للحركة الثقافية على وجه العموم. وهي ثقافة تمارس فعالية الاستلاب على الأفراد الذين يعيشون داخلها.‏

ولا تستطيع بعض الثقافات الفرعية أن تستدخل بعض القيم الثقافية السائدة على نحو كلي، وذلك دون إكراه، أو دون نفي للذات. فهي تنطوي على نظامين من القيم المتجاذبة والمتعارضة. ولكن يمكن لذلك التعارض بين القيم أن يجد له مخرجاً وقد يكون ذلك غير ممكن أيضاً.‏

ويشير باستيد (Bastide) في هذا الخصوص إلى كيفية المصالحة بين النظامين عند "الافروبرازيليان" والذين كانوا يعيشون ازدواجية هوية ثقافية، وذلك من خلال المشاركة في الحياة الاقتصادية والسياسية المعاصرة من جهة، والإخلاص للحياة الدينية الأفريقية التقليدية من جهة أخرى. إن هذه القدرة التي يطلق عليها باستيد مبدأ القطيعة غير مهيأة على نحو دائم.‏

وفي هذا الصدد يرى معلوف (Maalouf) على سبيل المثال "أن العالم الإسلامي يتملكه إحساس بأن القيم الحديثة قيم غريبة منذ عهد الصليبيين. كما يوجد لديه الإحساس بأنه لا يمكن له أن يتبنى هذه القيم بالتخلي عن هويته الذاتية. ولكن هذه القيم. الحديثة تحظى باحترامه وتشده: فهي تمثل في النهاية منطلق الحضارة ومنهج الوصول إلى التكنولوجيا المعاصرة.‏

بالتالي فإن حصار نموذجين من القيم يجعل العالم الإسلامي يعاني من التردد والحيرة فالمسلمون يقلدون الغرب أحياناً (حال الشاه على سبيل المثال) ويرفضون قيمة أحياناً أخرى ويرتمون في أحضان الماضي كوضعية تعويضية. فالعالم الإسلامي كما يرى ذلك المؤرخ لم يستطع أن يجد الحل لإشكالية الانفصام الحضاري والثقافي. وهو بذلك يعاني من جراء ذلك حالة شقاء مخيفة ومأساوية.‏

الأمن الوجودي (الانطولوجي):‏

ينطلق التحليل العلمي لأزمات الهوية (وعلى الخصوص أزمة الهوية الثقافية الغربية من معطيات تحليل الظواهر النفسية والاجتماعية وهي ما نسعى إلى معالجته في هذا الفصل.‏

الانحلال العائلي:‏

لقد أشرنا منذ قليل إلى حالة العائلات التي تنطلق من نماذج تربوية مختلفة وغير محدودة، وهي نماذج تحدد معالمها الشخصيات الرائدة. فالحاجة إلى الأمن وإلى أسس مرجعية راسخة، وخاصة في المراحل الأولى من عمر الطفل، ضرورة يؤكدها جميع الباحثين في مجال علم النفس والتربية.‏

وذلك يعني أن الانحلال العائلي يؤدي إلى اضطرابات مرضية تصيب الهوية وهي اضطرابات تعود إلى ضعف العلاقات العاطفية وإلى عدم الاستقرار العاطفي. كما يعود ذلك إلى تربية لا يوجد فيها نماذج معينة تساعد الطفل على التوحد والتقمص. وذلك من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات في كينونة الهوية الفردية. وعندما يتحول الانحلال العائلي إلى ظاهرة اجتماعية عامة- لأسباب اقتصادية ثقافية- فإن أزمة الهوية تصبح ذات طابع اجتماعي يتسم بالعمومية. أي أن أزمة الهوية تصبح ظاهرة جمعية تصيب الجماعة ككل. أي أن ذلك يدخل في إطار السياق الثقافي، ووفقاً لذلك المعنى فإن أزمة الهوية تصبح نوعاً من ردود الفعل أو انعكاسات لمعان ذاتانية وجودية. وهناك أشكال مختلفة من تجليات العنف (X.Roufer) التي تترجم هذه الانعكاسات، ومثال ذلك الهجوم من أجل الدفاع (الهجوم الدفاعي): الاحتجاج والإرهاب (Terrorisme).‏

الاستبعاد بالرفض:‏

لقد أكدنا على أهمية القبول العاطفي الذي يجب أن ينبع من داخل البيئة الاجتماعية الأولى وذلك من أجل بناء الهوية الفردية.‏

ولا بد لنا هنا من أن ننظر بعين الأهمية والاعتبار إلى التحليل السوسيولوجي، لكل من فروم Fromm وهورني Horny، اللذين يبينان أن أشكال العنف الفردي ظواهر تقوم على أسس وضعية الاستبعاد والمنافسة كمظهرين تعززهما الثقافة الغربية المعاصرة. وفي هذا السياق يلاحظ نمو كبير للفردية وإسقاط واضح للأدوار التقليدية في كثير من الأسس، كما يلاحظ تضخم في التوجه نحو إشباع محموم للرغبات الآنية، وذلك دون توقف. ومن شأن ذلك تعزيز اتجاهات الرفض نحو الطفل الذي ينظر إليه من قبل العائلة كعبء لا يحتمل حيث يتوجب عليه أن يعنى بنفسه. إن التوجه نحو الحياة من غير أطفال يشكل إحدى المنطلقات الأساسية لانخفاض نسبة الولادات في الغرب. حيث يلاحظ أن الأسرة تقتصر على طفل أو طفلين بالدرجة الأولى. وذلك لأن عمل الأبوين يطرح إشكالات تربوية معقدة خاصة بالأطفال. وهنا لا بد من وضع الطفل عند مرضعة أو في دار الحضانة أو في رعاية الوالدين. ومن أجل حماية الوضعية المهنية طرحت حلول عديدة. ولقد لاحظناً سابقاً كيف تؤدي عملية إقصاء بعض الجماعات الاجتماعية إلى انعدام الإحساس بالأمن الخاص بالهوية، والذي من شأنه أن يعزز من مظاهر النزعة العدوانية وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بهوية ذات طابع سلبي وذلك تحت تأثير الوسط الاجتماعي.‏

الهدم العاطفي:‏

كما بينا سابقاً يمكن للأذى العاطفي أن يؤدي إلى تربية مجحفة وخاصة في إطار الأسر المتسلطة. ويمكن أن نجد ذلك في إطار التربية الكيبوتنتيه (kibboutnitize). كما يمكن ملاحظة ذلك على المستوى المهني عند العمال الذين تعرضوا لعملية استلاب بتأثير ظروف عملهم الشاقة.‏

وفي كل الأحوال فإن ذلك الأذى يتمثل في الإحساس بانحدار القيمة الذاتية وفقدانها لمحتواها. وذلك يعني أن تحديد الآخر للهوية يكون سلبياً إلى حد كبير. فالوزن الأخلاقي الكبير لأبطال الكيبوتنتز يمنع أفراد القبيلة من الزعم بأنهم قادرون على الوصول إلى درجاتهم الأخلاقية. ويزعم بعض الباحثين أن التلفزيون في المجتمعات الغربية يسهم إلى حد كبير في عملية الهدم الانفعالي عند الأطفال، كما يسهم بذلك في إيجاد شخصيات تفتقر إلى طاقات المبادرة الشخصية والتي تستحوذ عليها مشاعر الضعف والقصور.‏

وبالتالي فإن تأثير هذه الطاقة يؤدي إلى ذاتانية عالية عند الأطفال الذين يتعرضون لعملية كبت وانغلاق على الذات، والذي يؤدي في النهاية إلى فقدان القدرة على الخلق والابتكار.‏

انهيار الأصول الاجتماعية والدينية:‏

وهنا يبدو جلياً تأثير العوامل الثقافية في التأثير السلبي على وضعية الأمن الوجودي للإنسان المعاصر، حيث تتحول أزمة الهوية إلى أزمة حضارة، وهي أزمة ترتبط بفكرة "موت الآلهة" والعبثية الاجتماعية. وعلى العموم يلاحظ أن كل شيء هنا يرتبط بمسألة نمو النزعة الفردية التي قمنا بتحليل أصولها التاريخية. وفي هذا الصدد تؤكد مختلف العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية أن إنسان الحضارة الصناعية لم يستطع أن يصل إلى الإحساس بالأمن الوجودي Securité ontologique وهو الإحساس الذي يشكل منطلق الثقة بالنفس. وهو إنسان يعيش اليوم أزمة معاناة وجودية خالصة. وذلك يشكل عملياً المحرك الأساسي لهزيمة الإنسان المسبقة: نمو متسارع لاحتياجاته ونمو سرطاني لفردانيته وإحباطاته الدائمة.‏

انهيار الأسس الخاصة بالهوية:‏

إن الحاجة إلى بناء علاقات عاطفية إيجابية يشكل نقطة انطلاق نحو بناء الهوية المتكاملة. ومن أجل استجلاء هذه النقطة لا بد لنا من معالجة المحاور التالية:‏

نسبية القيم والنماذج:‏

تتجلى هذه النسبية بوصفها سبباً ونتيجة للتغير الاجتماعي الدائم في آن واحد، وهو التغير الذي يمثل خاصة المجتمعات الحديثة المعاصرة. وهو التغير الذي يعرض القيم كلها والنماذج جميعها لعملية نقدية وذلك تحت تأثير تطور دينامي اقتصادي ثقافي يتميز بالخصوصية والتسارع.‏

وما يشهد على هذه الحقيقة يتمثل في الإخفاقات المتلاحقة التي أصابت النظامين الثقافيين العالميين: النظام الرأسمالي الذي توجهه الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الاشتراكي الذي يقوده الاتحاد السوفيتي سابقاً. إن سقوط هذين النظامين الايديولوجيين يؤدي إلى أزمة الهوية المعاصرة ويكشف عنها في آن واحد.‏

إن التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية تؤدي إلى نمو كبير في إمكانيات الخيارات المتعددة التي يطرحها المجتمع الصناعي أمام أفراده. ويلاحظ هنا أن التحديث يترافق مع نمو كبير في نسق الخيارات المتاحة. إذ يمكن للفرد أن يختار طرق الاستهلاك المناسبة، ونمط الحياة المرغوبة، ونظام القيم المرجعية. وهنا تمارس وسائل الإعلام الجماهيرية (Mass-Media) دوراً كبيراً في تقديم مجال واسع من القيم النموذجية، وذلك عندما تتيح هذه الوسائل إمكانيات واسعة لمعرفة ما يحدث في أنحاء متفرقة من العالم.‏

وفي هذا الخصوص يذهب بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن تأثير وسائل الإعلام يكون في هدم الإنسان (Jcazeneuve) وبالتالي فإن هدم الشخصية فعل يباشر هؤلاء الذين لم يعرفوا التلفزيون في مراحل طفولتهم بالدرجة الأولى. وذهب بعض آخر إلى الاعتقاد بأن التذبذب الدائم في منطقية العرض يمنع بناء هوية متماسكة عند الإنسان المعاصر (S. Lipotveski) ومن أهم الوسائل الإعلامية التي تمثل ذلك يمكن الإشارة إلى التلفزيون بوصفه نظاماً مرجعياً للقيم وهو أداة إعلامية تمكن الفرد من خيارات متعددة غير هذه التي توجد في وسطه وهي ترضي الفرد على نحو سلبي وتجعله على مسافة وهمية من المشكلات التي يواجهها الإنسان المعاصر. فالتلفزيون يحول الإنسان إلى مشاهد للعالم ويدفع به إلى تراجع عقلي وإلى موقع الإحساس باللامسؤولية. وفي مكان آخر يمكن القول أن نظام القيم الخاص بالمجتمعات الحديثة يمتلك على دينامياته الخاصة التي تؤدي إلى خرق مستمر لقيمه الداخلية.‏

فالتحديث يشتمل في واقع الأمر على قيمة التغير الدائم والذي يؤدي إلى نفي دائم للقديم، وهو نفي يؤدي إلى ولادة قيم أخرى جديدة. ولكن يمكن القول أن النقد الذي يتناول القيم يفقد طاقاته الخلاقة عندما يكون في حالة تناظر مع أزمة الثقة ومثل ذلك النقد يمكن أن يكون هدفاً.‏

فأزمة الهوية المعاصرة هي بالضرورة أزمة أنظمة القيم السائدة (D. Beel). (ص 100) ويلاحظ أن أزمات الهوية غالباً ما تكون من نصيب المثقفين الذين يوجدون في حالة اتصال دائم مع أنساق قيمية متعددة والذين يتوجب عليهم إيجاد نظام متكامل من القيم يستطيع أن يعكس وضعية التغيرات الخاصة بالبيئة.‏

ولكن هؤلاء المثقفين يشكلون اليوم فئة اجتماعية تعاني بنفسها من أزمة الثقة بالنفس وتعاني من صعوبة أداء دورها كاملاً أو القيام بدور المعارضة. ويبنى على ذلك أنهم يفسدون بنقدهم اتجاهات التقدم والإنسانية والعقلانية. لقد أفرغت مفاهيم التقدم والإنسانية والعقلانية من مضامينها وذلك لأنها أصبحت أدوات ايديولوجية للهيمنة الغربية على العالم.‏

وهي ضمنا مفرغة من قيمة الحرية بل تتعارض بدرجة عالية مع ذلك المفهوم. ويضاف إلى ذلك ما يتعرض له مفهوم العقلانية من التشويه المستمر... إن تعدد أنظمة القيم يأتي تعبيراً لعملية تعزيز التناقضات التي تقوم بين القيم العصرية المفضلة والقيم القديمة.‏

ويلاحظ اليوم أن النماذج الاجتماعية تميل إلى التعقيد والانهيار في آن واحد. إذ يلاحظ في البداية أن الغيرية تسمح لكل فرد أن يتمايز أو أن يذوب ويتلاشى. وهنا تكمن النتيجة التي تعبر عن أزمة القيم الثقافية والتي تعكس مقومات النقد العقلاني. فالعائلة العادية هي التي تنجب الشخصيات العصابية كما يعتقد معارضو الطب النفسي. والعاديون هم الذين ينجبون الشخصيات الإجرامية أو المنحرفة... ويبدو أن معاصرينا قد أصيبوا بالذهول والدهشة إزاء التغيرات السريعة الجارية داخل النماذج الاجتماعية التربوية. لقد كان دائماً من السهل جداً الاستناد إلى نماذج تربوية معروفة (الأجداد، الآباء) وذلك بدلاً من البحث عن نماذج جديدة. ولكن النماذج تتغير سريعاً ولا يمكن لأحد أن يرى بدقة النماذج الجديدة التي تطرح نفسها. حيث تلقى الحملة الإعلامية إلى المساواة بين الجنسين صدى مرغوباً في وسائل الإعلام. ولكن هناك موجة من الإحساس بانعدام الأمن تنال الرجال حيث يشعرون بأن هذه الحركة الاجتماعية تمثل مؤشرات تهدد بزوال إطار اجتماعي مرجعي تحدد في إطار الزمن الماضي والذي يتضمن دونية المرأة وسيادة الرجل. ولكن النموذج القديم ترك مكانه لنموذج جديد يتمثل في المساواة الجنسية والمساواة في أدوار كل من الجنسين. ولكن مثل هذه الأفكار لم تنتشر في كل مكان ولم تصبح واقعاً عملياً. ومن هنا يشكل العمل بوحي الأفكار الجديدة ينبوع القلق الذي نجده عند الإنسان المعاصر (ص- 201).‏

إن انهيار إحساس الثقة بالنفس والآخر، داخل أنظمة القيم الثقافية وداخل الأنظمة الاجتماعية، من شأنه أن يعزز مواقف اللامسؤولية وأن يؤدي إلى نمو النزعة السلبية والاتجاهات الفردية. حيث لا يبقى هناك شيء يمكن المرء أن يؤمن به سوى الذات عينها (Soi-même). ولكن هذه الذات لا يمكنها أن تكون قوية متماسكة كما سبقت الإشارة وذلك لأنها محاطة بأطر منطقية ونماذج متضاربة ومتناقضة.‏

لا يمكن اليوم للإنسان المعاصر أن يتملك على إحساس الثقة بالنفس ويبدو أن ذلك التملك في غاية الصعوبة. فالعمليات التي تؤكد النزعة الفردية في الغرب تعود إلى انحلال الأنظمة المتكاملة. فالإنسان المعاصر لا ينفتح على أية تجارة. فالإنسان المعاصر لا ينفتح على أية تجارة ليس لها قيمة بالنسبة لوجوده الخاص(102).‏

ويترتب على ضياع مشاعر الإحساس بالهوية: الإحساس بالوحدة والتماسك والاستقلال والتمايز والقيمة والثقة بالنفس، أن يفقد الإنسان المعاصر إمكانية بناء إحساس بالوجود يقوم على أساس "الجهد المركزي" (Central Effort). ومن أجل التعويض يكرس الإنسان المعاصر جهوده لإزالة العقبات التي تعترض حريته الفردية (الآخرون، البيروقراطية)، ولكن خياراته المتاحة تدور في دائرة مفرغة من غير نهاية. فالاحتجاجات المتعددة ليست كما يعتقد ميشيل (M. Michel) إلا تعبيراً عن أزمة الهوية شاملة، والشيء نفسه ينسحب على مسألة التضخم في الميزانيات، والتي تبدو كنشاط تعويضي لمجتمع لا يعرف الغاية التي يضحي من أجلها. فأزمة الهوية كما لاحظنا تدفع الإنسان إلى الهزيمة المسبقة والمبكرة (ص- 103).‏

استلاب الهوية:‏

يتم الانتقال من انحلال الهوية إلى استلاب حقيقي يحيق بها. ويحدث الاستلاب عندما تتعرض هوية معينة قائمة بذاتها إلى تأثير عمليات خارجية يؤدي إلى تغيرات عميقة في جوهرها. وما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو البحث في مسألة وعي الاستلاب. ويعني ذلك مدى إحساس المستلب بوضعية استلابه وذلك ينسحب على الفرد والجماعة والثقافة.‏

فالإكراه الاستلابي يجري في صيغة أشكال مختلفة وتتباين هذه الصيغ الاستلابية بتباين الأفراد أنفسهم ومع مستوى تعدد الجماعات. فهناك في الواقع حساسية خاصة تجاه ظروف الاستلاب. وهي تختلف باختلاف الأشخاص وتتمثل هذه الحساسية في أسس الإحساس بالثقة بالنفس. ولقد سبق لنا أن رأينا كيف يولد إحساس الثقة من جدار التماسك والتكامل الذي يتميز به الوسط التربوي أو الثقافي المرجعي.‏

فالاستلاب عملية تتم وفقاً لمبدأ عمل الدماغ (lavage de Cerveau) ولمبدأ التطبيع القسري كما يتم ذلك عبر تحديدات قسرية لهوية سلبية ومن خلال عملية هدم بنية الشخص.‏

1-الاستلاب والطبيعية الإنسانية:‏

يقال عادة أن الإنسان يتعرض لعملية استلاب وذلك في سياق بعض الوضعيات التي لا يجد فيها الفرد داخل وسطه التربوي أو الثقافي الأولي ما يعزز إحساس الفرد بوحدته الذاتية أو ما يؤكد هذه الذاتية.‏

يصف B. Bellelhein في كتابه "أطفال الحلم" les enfants du rêve التربية السائدة في الكيبوتز Kibboutzs- وهي مزارع جماعية يهودية. بأنها تتعارض مع التربية اليهودية التقليدية التي تجري في الغيتو "Ghettos" في أوروبا المركزية. ويبين أن التربية في الكيبوتز تربية تفتقر إلى العلاقات العاطفية مع الكبار (عزل الأطفال عن أمهاتهم، تنظيم زيارات الآباء، عقوبات حين يلاحظ وجود تعلق مع المربين) كما أنها تتصف بأهمية الجماعات المزدوجة (إيجاد علاقات بين اثنين فاثنين، حياة جمعية، قرارات جمعية) وتتصف أيضاً بالتسامح الخاص بالنظافة الجسدية والجنسية التي تقوم على أساس المراقبة الشخصية، أي تحت تهديد الجماعات المزدوجة وبالتالي على أساس المشاعر والرغبات، ومن خلال النماذج الأخلاقية الخاصة بالجماعة والتي تتم عبر شخصيات أبطال الكيبوتز. وغني عن البيان أن ذلك النظام التربوي يؤدي إلى وجود بعض السمات الشخصية الخاصة مثل انعدام القدرة على الدخول في علاقات عاطفية مع الآخرين، نقص القدرة على اتخاذ القرارات الشخصية. ألا يمكن لنا في هذا السياق أن نقول أن أطفال الكيبوتز يتعرضون لعملية استلاب تربوية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال مرهونة إلى حد كبير بالتحديد الذي يعطى إلى الهوية الأخلاقية. ففي المجتمعات الغربية يقوم النموذج التربوي، على سبيل المثال، على أساس من تطوير القدرة على الاستقلال والثقة بالنفس وتطوير الطاقات الذاتية بتحقيق النجاح وفي إطار هذه الثقافة فإن كل الشروط التربوية والاجتماعية التي لا تسمح بنمو هذا النموذج الخاص بالهوية الفردية شروط وظروف تؤدي وظيفة الاستلاب.‏

وفي هذا الصدد، وانطلاقاً من أنموذج معياري للهوية الإنسانية المتكاملة، يحكم عدد من السوسيولوجيين على الثقافة الغربية وعلى بعض شروط العمل المهني بوصفها عوامل استلابية.‏

يمكن في هذا الخصوص استعراض آراء كل من هورني Horney وفروم E. Fromm حول الثقافة الغربية. حيث يؤكد الكاتبان بأن الثقافة الغربية ثقافة استلابية، وأنها تؤدي إلى إيجاد شخصيات عصابية تخشى من الحرية. وذلك كله لأن هذه الثقافة تركز على التربية انطلاقاً من وضعيات مرضية قائمة على أساس المنافسة والإخفاق والعزلة العاطفية.‏

فالطبيعة الإنسانية التي تحتاج إلى المشاركة العاطفية والأمن والثقة لن تستطيع في إطار هذه الثقافة أن تنمو وتزدهر بشكل طبيعي. ومن أجل مواجهة هذه الوضعيات، فإن الإنسان المعاصر يطور في داخله جملة من العمليات النفسية السلبية من أجل التعويض الوهمي عن حالة انعدام الأمن وانخفاض قيمة الإنسان.‏

وفي إطار البحث عن وصف لعمل الأطفال في مناجم الفحم في القرن التاسع عشر ينظر كارل ماركس إلى شروط وجودهم بأنها شروط استلابية. والملاحظات التي يشير إليها ماركس في هذا الصدد تأخذ وضعيات مختلفة:‏

1-غياب الأمن في إطار وضعية العمل: حيث لا يوجد الأمن المادي الكافي بالنسبة للعامل.‏

2-انعدام المسؤولية والاستقلالية عند العامل ويتمثل ذلك بالمكانة الدونية التي يحتلها الإنسان في إطار عملية الإنتاج هذا من جهة، ومن جهة أخرى يلاحظ خلو طبيعة العمل نفسه وذلك في أغلب الأحيان، من أية فائدة ممكنة.‏

3-تؤدي وضعية العمل هذه إلى ازدراء الإنسان ومنعه من أي تقدير للذات حتى من خلال الصور الاجتماعية السلبية والتي تتوارد على خواطر العمال دون انقطاع.‏

وفي إطار هذه الشروط يفقد العامل (هويته الحقيقية). نعلم الآن أن بعض الوضعيات الخاصة تؤدي إلى تشويه الهوية وخاصة هذه الوضعيات التي تؤدي إلى دائرة الأمن والتبخيس. (ص- 105) ولكن غالباً ما يكون التعميم مبالغاً فيه إذ يلاحظ ميل المحللين النفسيين والسوسيولوجيين إلى الاعتقاد بأن مشكلات مرضاهم هي مشكلات ذات طابع شمولي. وبالتالي فإن علماء اجتماع العمل ينسون بأن هوية الإنسان ليست هوية منحس بل تحدد بالإضافة إلى ذلك وفقاً لمعيار الانتماء إلى جماعات مختلفة.‏

ومثال ذلك شروط العمال الأفريقيين التي وصفت من قبل بارو J. Baro حيث تدفع هذه الشروط الإنسان إلى وضعية مادية وأخلاقية رهيبة ولكنهم مع ذلك لا يشعرون بأنهم يتعرضون للاستلاب.‏

فالعمل بالنسبة لهم يعني وسيلة عودة جميلة إلى بلادهم وبالتالي فإن هويتهم تمثل في الهوية التي يمكن أن تتحقق في إطار ثقافتهم الأصلية (وخاصة عندما يصبح أحدهم حاجاً) ولذلك فإن هويتهم الاجتماعية لا وجود لها إلا في إطار وسطهم الاجتماعي المرجعي. والهوية الفردية توجد كلياً في إطار الهوية الاجتماعية المستقبلية.‏

إن غالبية التفسيرات الجارية حول مسألة أزمة الهوية التي يعيشها الغربيون تنطلق من مبدأ النقد الذي يوجه إلى شروط الاستلاب والتي تتمثل في جملة الشروط الاجتماعية والثقافية والاستلابية التي تمنع من ازدهار الطبيعة الإنسانية.‏

وتنطلق هذه التفسيرات من إطار تحليل عفوي لصبغة الإطار المرجعي الخاص بالهوية الإنسانية النموذج.‏

وغالباً ما تكون النماذج المثالية المطروحة نماذج ثقافية ومثال على النموذج الذي يطرحه ماسلو A. Maslow حيث تعني الهوية الحقيقية بالنسبة إليه النمو المتكامل للقدرات الطبيعية عند الإنسان:‏

1-القدرة على إدراك الحقيقية.‏

2-قبول الذات وقبول الآخر والطبيعة.‏

3-العفوية والبساطة.‏

4-الاستقلال والحياة الشخصية.‏

5-الاستقلال المتنامي والقدرة على المقاومة.‏

6-أصالة الحكم على الأشياء والغنى العاطفي.‏

7-الوصول إلى تحقيق تجارب غائية.‏

8-التوافق مع الإنسانية أو التوحد مع النزعة الإنسانية.‏

9-تطوير العلاقات التي تقوم بين الفرد والآخرين.‏

10-سهولة قبول الآخر والتوافق معه.‏

11-نمو القدرة الخلاقة والإبداعية لديه.‏

12-قابلية النظام القيمي الخاص بالفرد للتطور.‏

13-النظر إلى النفس من خلال الروح المستقبلية. (ص- 106) إن الاستلاب الخاص بالكفاءات الطبيعية يقتضي وضعية تربوية جديدة أكثر مرونة وتسامحاً وحرارة وإشارة الخ. والتسمية العامة لهذه التربية هي التربية غير الموجهة.‏

وهناك نماذج أخرى طرحت لتحديد الهوية المثالية التي تمكن المجتمع من إيجاد أناس لمجتمعات تقليدية. وذلك بافتراض أن هؤلاء الناس لا يعرفون أزمة الهوية فالإحساس بالأمن ينتج من إدراك المكان الذي يحتله الإنسان التقليدي في الكون: مكان على مستوى الكون، مكان بين الأحياء والأموات، مكان في إطار التنمية الاجتماعية الثابتة.‏

وهؤلاء الناس يملكون إحساساً قوياً بالمشاركة التي تحمل دلالة ومعنى حقيقيين وهذا الإحساس بالمشاركة يقوم على أساس من الإحساس بالانتماء إلى القبيلة. فالأسس المرجعية للهوية هي أسس جماعية وليست أسساً فردية نرجسية كما يحدث في إطار المجتمعات الغربية المعاصرة. إن استلاب الإنسان المعاصر في الغرب يعود إلى التوجه الكلي نحو تحديد الهوية وفقاً لمعايير الملكية المادية.‏

2-الاستلاب والتطبيع القهري:‏

يتداخل مفهوم التطبيع (Acculturation) في معناه العام مع مفهوم التنشئة الاجتماعية (Socialisation)، وهو يعني من حيث المبدأ جملة العمليات التي تجعل الفرد يتعلم أنماط سلوك ومعايير الجماعة وقيمها بطريقة تسمح أن يكون مقبولاً فيها وأن يشارك في نشاطها دون صراع. ولكن وبتحديد أدق تعني كلمة تطبيع التغيرات التي تحدث داخل جماعة على أثر الاحتكاك الثقافي المستمر مع جماعة أخرى أكثر قوة والتي تشتمل على ثقافة أخرى والتغيرات التي تحدث تباشر النظام الثقافي في إطار قيمه وتصوراته ومقدماته أو أغلب تعبيراته الثقافية استخدام الأشياء، التعبيرات الجماعية على سبيل المثال.‏

ويقال عادة أن هناك تطبيعاً عندما تفقد الجماعات الثقافية بعضاً من عناصرها الثقافية وعندما يترافق ذلك بفقدان بعض أنماط السلوك النموذجي والعادات والتقاليد المعهودة. فالتطبيع الثقافي يتمثل في عملية الانتقال من نظام ثقافي إلى آخر، وبالتالي فإن التمثل الكلي للقيم الثقافية لا يتم دون صعوبات كما سنرى لاحقاً.‏

فالتطبيع القسري كما يرى باستيد (Bastide) يحدث تحت تأثير جماعة ضاغطة تهيمن على جماعة أخرى. والوضعية الاستعمارية هي التعبير النموذجي لعملية التطبيع القسري. (ص- 108) فالاستعمار في صيغته الخالصة يفرض على المجتمع الذي يخضع لسيطرته نماذجه الثقافية الخاصة بالهوية، وهو يمارس أشكالاً مختلفة من الضغط والإكراه (الفيزيائي، الاقتصادي، النفسي)، وذلك من أجل دفع المجتمع المستعمر إلى التكيف مع هوية أخرى مختلفة.‏

ويضاف إلى ذلك أنه يدفع كل فرد إلى تبني هوية فردية أخرى (تمثل سلوك آخر، وتمثل سمات شخصية أخرى) كما يؤدي إلى تغير البنية الاجتماعية للجماعة وإلى تغير عميق في نظامها المرجعي الثقافي (أي القيام بأنماط سلوكية مجانسة لسلوك الجماعات الغازية).‏

وهنا تبرز أهمية الإكراه السيكولوجي كإحدى العمليات القسرية التي تدفع أفراد الجماعة إلى اكتساب هوية سلبية. فهوية الجماعة المستعمرة تختلف عن هوية الجماعة التي تستعمر، وبالتالي فهي تتعرض لعملية تبخيس دائم وبالتالي فإن الهوية الغازية تطرح نفسها كنموذج للهوية المثالية.‏

ومن هنا فإن أية محاولة تبذل من أجل تحقيق التوافق مع الهوية المطروحة كنموذج تحظى بالتشجيع والمكافأة.. وتؤدي عملية التطبيع القسري هذه دائماً إلى ولادة هوية منشطرة. والثقافة تنشأ تحت تأثير عملية التطبيع هذه كما يقول بواريه J. Poirier هي ثقافة متناقضة أو مشوهة تنطلق من معيارين متناقضين هما: الثقافة الأهلية التي تمثل المعاصرة. وبالتالي فإن هذه الازدواجية الثقافية تطرح نفسها في كل المجالات:‏

التقنية والاقتصادية، وفي إطار البيئة الاجتماعية ككل، كما في داخل الحياة الدينية والفنية. فهناك ازدواجية في الهوية تعود إلى وجود نموذجين يتميزان بالأصالة والتقدير ويخضعان للنقد في آن واحد.‏

وبالتالي فإن الإكراه والاستلاب أمران يعودان إلى وجود نموذجين ثقافيين متناقضين لا بد من وجودهما بالضرورة وبالتالي فإن الجماعة الخاضعة للاستعمار تدرك بأنها حين تذوب داخل النموذج الحديث بأنها تهدم نموذجها الثقافي والتقليدي وتفقد هويتها الأصلية. ومن جهة أخرى حين تتوافق الجماعة كلياً مع الثقافة التقليدية فإنها تفقد الخصائص والفوائد السيكولوجية (الحرية والإبداع) التي ترتبط بالنموذج الثقافي المتقدم (ص- 109). وفي هذا السياق يدرك الفرد، الذي يعيش داخل هذه الثقافة الممزقة، الإشكالية الثقافية ومضاعفاتها النفسية. وبالتالي فإن الإكراه الملح الذي يدفع الفرد إلى تحقيق خيارات مستحيلة يحيي في الفرد إحساس الاستلاب. حيث يشعر بأنه سجين ومقهور وأن كل سلوك، مهما يكن أمره، يمده بإحساس المرارة ويغرس لديه مشاعر الكآبة. وذلك يشكل منطلق الإحساس المتنامي بالبؤس الجماعي والفردي. ومن هنا ينطلق مثقفو الجماعة لمعارضة التأثيرات الثقافية الخارجية وذلك بغاية الخروج من دائرة الاستلاب وهكذا تمثل اعتراضات البحث عن الهوية في البداية في شكل المطالبة بالاستقلال السياسي ثم الاستقلال الاقتصادي وإدانة النظام الرأسمالي الجديد.‏

ومثل هذه النزعات الاستقلالية غير كافية في رأي بورييه (J. Porier) من أجل دفع الإحساس بالاستلاب الذي يرتبط في النهاية بالاستلاب الثقافي. والإعلان عن الوحدة الذاتية الثقافية يؤدي إلى أساطير وخرافات تعويضية عن حالة القهر: الحركات الدينية، والانتماء إلى جماعات سرية، التاريخ الأسطوري، الخرافات الخاصة بالزنوج (ص 109).‏

الاقتلاع الثقافي:‏

يشير التطبيع القسري إلى تعرض ثقافة أو جماعة ما إلى عملية غزو تقوم بها جماعة أو ثقافة أخرى. ويتشاكل الاستلاب الذي يفرضه التطبيع القسري بالضرورة مع ظواهر الاقتلاع الثقافي: وهي حالة يجد فيها الفرد نفسه أو الجماعة أو المجتمع داخل غمار حياة أخرى أو ثقافة أخرى تختلف عن ثقافته الأصلية أو عن حياته المعهودة. ومن هنا ينظر إلى ذلك الإنسان بوصفه مهاجراً ثقافياً Migrant culturel.‏

ومن هنا يلاحظ أن التغيرات التي يحدثها العالم المعاصر تؤدي إلى خلق ظاهرة الغربة الثقافية وأن أعداد المغتربين الثقافيين تتزايد يوماً عن يوم على نحو تدريجي. ومن أجل إدراك مبدأ الاستلاب الذي يعزى إلى الاقتلاع الثقافي يجب علينا أن نشرح العلاقات التي تقوم بين الحياة والنظام الثقافي. هناك فكرة تقول أن نمط الحياة يؤدي إلى تشكيل إكراهات أساسية تفرض نفسها على الناس وتحدد لهم منطقهم الحياتي. حيث تنطوي كل وضعية حياتية أو كل وضعية من وضعيات العمل على منطق ضمني مستتر وهي الوضعيات التي تفرض على الناس قسوة الحياة ومنطلقها. وبالتأكيد فإن ذلك المنطق يأخذ مداه وتأثيره في المراحل الأولى من الطفولة وذلك على مستوى الحياة النفسية، حيث تتشكل في هذه المرحلة العناصر الأساسية المشكلة للهوية.‏

ويمكن لهذه الأسس الذاتية أن تفسر كما لاحظنا سابقاً في جانب من نسق التشاكل والتماسك حيث يوجد هناك تناقض بين منطق الحياة والنظام العقلي الخاص بالمقدمات الأولية الذي يؤطر تربية الأفراد داخل وسطهم المعني. عندما يكون الأفراد في الوسط الذي يتشكلون فيه فإن كل شيء يجري على نحو طبيعي وبشكل جيد فهم في مرحلة يسود فيه النظام الثقافي للوسط وهم يعيشون منطق الإكراهات الخاص بوسطهم الحياتي. ولكن الضعف والضغط وردود الأفعال الدفاعية الخاصة بالهوية تتبدى وتظهر عندما يكون الفرد في إطار وسط آخر وسط ليس له المنطق نفسه الخاص بالوسط الطبيعي أو عندما يتعرض وسطهم للتغير السريع أو عندما يغير الفرد وسطه الطبيعي.‏

فالدراما الخاصة بالهجرة الثقافية لا تعزى إلى منطق القهر الثقافي فحسب بل تعزى أيضاً إلى عمليات الاستبعاد والإقصاء التي يقع الأفراد ضحية لها. فالأفراد هنا يعانون من التمييز الاجتماعي بوصفهم أجانب من جهة وهم يعانون من استبعاد مجتمعهم الأصلي من جهة أخرى. تبرز خطورة المأساة الخاصة بالهوية عند أطفال الجيل الثاني (الأطفال الذين ولدوا في مجتمع الغربة لآباء أجانب) حيث يعاني هؤلاء الأطفال من جهل عميق بثقافة مجتمعهم الأصلي وهم في الوقت نفسه يعانون من رفض المجتمع الذي يعيشون في وسطه.‏

ومن هذا المنطلق فإنهم يعانون من مشكلات خاصة بوسطهم العائلي الذي يشكل مصدراً للنقد الذي يوجه إلى نمط حياتهم وسلوكهم. ومثل هذه المجموعة من العوامل لا تسمح ببناء شخصية إيجابية. فالمشاعر الخاصة بالانتماء والتمسك والثقة تتخلى عن مكانها لمشاعر عميقة بالاستلاب والاغتراب.‏

وبالتالي فإن ردود الأفعال العدوانية والتي تتصف بالعنف هي بالدرجة الأولى احتجاجات تطرحها أزمة الهوية والانتماء.‏

3-الاستلاب والتبخيس الشخصي (Dépérsonalisation):‏

يرى سارتر أن وضع الآخرين تحت سلطان المراقبة والنظر قد يكون شكلاً من أشكال الاستلاب وذلك يعني أن النظر إلى الآخرين قد يؤثر على حريتهم وقد يضايقهم ويكرههم على الانتباه. وعندما تكون تحت تأثير نظر الآخر فهذا يعني أنك تقع تحت تأثير أحكامه وهذا التأثير قد يعطيك رؤية مشوهة عن ذاتك وهويتك. وهنا تكمن دلالة سارتر في تحديده لمسألة الهوية: "إنني لست أنا: أي أنني شخص آخر" "Je suis ce que je ne suis pas" ولست أنا ما أنا "Je ne suis pas ce que je suis" فالآخر عندما ينظر إلي وعندما يتخذ موقفاً مني يسهم في تحديد هويتي ويدفعني إلى السلوك بطريقة تستجيب إلى التحديد الذي وضعني في دوائره "الآخرون هم الجحيم" فالعلاقة مع الآخرين يمكن أن تكون بطريقة ما علاقة استلابية ومثل هذه الأطروحة تنطوي على جانب جزئي من الحقيقة. فأنظار الآخرين لا يمكن أن تكون دائماً حاملة لخاصة الاستلاب، إذ يمكن لنظرة الآخر أن تكون حارة ودافئة وودية، وهي بذلك تحمل في طياتها الاعتراف بالحرية وترسخها. وخطر الاستلاب قد يكون في موقف الشك والريبة الذي يتخذ إزاء الآخرين.‏

وكما هي الحال في نظرة الآخر، فإن عمليات الاستلاب الحقيقية تتجذر في تقنيات خاصة تهدف إلى إحداث تغيرات عميقة داخل الأفراد وداخل الجماعات:‏

تقنيات غسل الدماغ، إعادة العمليات التربوية. ويمكن لعمليات معاودة التربية Reeducation أن تبدأ على سبيل المثال عبر عمليات التعذيب والتبخيس: العزل، التفريغ، القهر وإزالة صورة الذات ثم التعذيب الفيزيائي والأخلاقي، وأخيراً عن طريق هدم الوحدة الذاتية وتعبئة الشخص في نظام عبودي (I. Goffman). لقد أدت الأبحاث الجارية حول الأنظمة المعرفية الإدراكية والثقافية (P. Watz lawick- K. Bateson) والتي جاءت بعد الدراسات التي أجراها بافلوف (Pavlov) حول الدفاع إلى اكتشاف مفاده أن التغيرات التي تحدث حول المعلومات التي تصدر عن الوسط، أي في الإطار المرجعي، تكره التفكير على إعادة تنظيم نفسه. والمحيط المطلوب تغييره هنا هو المحيط الإدراكي الإنساني والجسدي والعاطفي والانفعالي، ومن هنا بالذات تنطلق محاولات إعادة التربية أي من خلال الأبعاد المختلفة للوسط.‏

إن ضرورة التغير الشمولي للوسط كان غالباً ما يؤدي إلى إيجاد أنظمة تسلطية وإلى عملية تبشير ديني وإلى عملية اصطفاء في مرحلة الطفولة: تعلم الصلاة قبل التفكير، تعلم قراءة الإنجيل، تعلم الرسم بطباعة الشعارات، والمشاركة في التسلية والأنشطة الثقافية التي تحمل قيمة ثقافية واحدة، تعلم الرموز والخرافات المتداولة داخل الوسط.‏

ردود الفعل الدفاعية:‏

تؤكد الهوية الطبيعية نفسها من خلال إيجاد عناصر علاقات بيئية تستجيب للحاجات الأساسية الخاصة بالأساس الخاص بالهوية والوجود.‏

وإذا كانت الهوية تسعى إلى المحافظة على تكاملها وقيمتها فإنها تقوم بعمليات دفاعية شخصية واجتماعية في آن واحد (A. Mucchielli).‏

وتختلف هذه العمليات عن هذه الخاصة بالذات والتي يوضحها لنا المحللون النفسيون والتي تهدف إلى حماية الذات ضد إحساس القلق الداخلي.‏

ويبين التحليل الخاص بمسألة ردود الأفعال (الفردية أو الجماعية) تجاه تهديدات الهوية وجود ثلاث فئات رئيسة من السلوك: الهروب والمهاجمة أو السلبية. ويتمثل الموقف السلبي في عمليات كبت النفس والتكتم والانكماش أمام الخطر من أجل تجنبه، وأخيراً الاقتراب أو المقاربة (حيث يتم التوافق مع موضوع الخطر أو تبريره من أجل جعله حيادياً).‏

وسنعمل هنا على دراسة العمليات الجارية الخاصة بالدفاع عن الهوية وهي العمليات الأكثر شيوعاً وتوتراً في العصر الراهن.‏

الهجوم والهروب الدفاعيان:‏

تجسد هاتان العمليتان دون شك ظواهر العنف الاجتماعي والتي ما زالت حتى أيامنا هذه الأكثر شيوعاً. لقد عرفت الحروب في الأزمنة كافة وخاصة في مجال الدفاع عن الهوية الوطنية. وغالباً ما تكمن أسباب الحرب في اغتصاب ملكية أو في أضرار حيوية تهدد الهوية. والحروب الثورية والدفاعية معروفة أيضاً. ولذلك فإن الجماعات التي تشعر بأنها مهددة تناضل لتسحب اعترافات الجماعات الأخرى بهويتها. ومن هنا يمكن أن ينظر إلى عنف جماعات الشباب المبعدين بوصفه تعبيراً دفاعياً عن الهوية.‏

وتبين الدراسات الخاصة بالعنف الاجتماعي أن الجماعات المتمردة هي جماعات هامشية بالدرجة الأولى: جماعات العاطلين عن العمل والعمال المؤقتون، والمتمرنون، والعمال الفصليون، وعمال الأسواق السوداء. حيث يلاحظ أن كفاءاتهم المهنية لا تسمح لهم بتحقيق ذواتهم الاجتماعية والاندماج جيداً في إطار الحياة الاجتماعية. وبالإضافة إلى حالة انعدام الأمن هذه نجد هناك عملية تبخيس اجتماعية واضحة المعالم وذلك في إطار أشكال متعددة من الرفض الذي يذهبون ضحية له (احتقار اجتماعي، انعدام الثقة، المراقبة الأمنية البوليسية). ومن ذلك المنطلق فإن إحساسهم بالاستلاب يضاعف في نفوسهم رغبة الانتقام حيث يرغبون بالتخلص من هويتهم السلبية ويعملون على رفضها (X. Rulfer).‏

وهنا يأخذ العنف صيغة التهديد والمطالبة في آن واحد (اسمح لي أن أكون شيئاً آخر وإلا...). وهنا يتجلى العنف بوصفه ردود فعل ضد حالات صعبة لا مخارج لها من أجل تحقيق الهوية وحيازة التقدير الذاتي وذلك حين يجد الإنسان نفسه في وضعية تشعره بمضاعفات اختناقية ويبرز التهديد كسلاح يستخدم في إطار تحولات عاطفية خاصة وذلك كله من أجل تجنب عملية التبخيس المستمرة التي تأخذ طابعاً قدرياً.‏

فالآلام الهدامة التي تعانيها هذه الجماعات هي أكبر بكثير من المعاناة التي تأخذ طابعاً هجومياً. وبالتالي فإن الهجوم يبدو بوصفه الأداة الوحيدة التي تحفظ للجماعة هويتها المحتملة. وتجري الأمور هنا وكأن الاعتراف بالهوية هو المعنى الوحيد للوجود، وهي الهوية التي يراد لها أن تكون أكثر أهمية في نظر هؤلاء الذين يمارسون القهر والتعذيب، وهم الذين يجب عليهم أن يدفعوا الثمن غالياً.‏

وتعلن بعض الجماعات الإرهابية عن مشاعر الاستلاب عبر عمليات عنف حمقاء. ويكون ذلك عندما ترجع إخفاقها إلى مسؤولية المجتمع. وتجعل منه كبش الفداء. وفي هذا الصدد يبين سزاز (Szaz) كيف يعود ذلك الاتهام الدفاعي إلى عمليات دفاعية عامة والتي تتمثل في اكتساب الشرعية عبر استلاب شرعية الآخر.‏

وهناك بعض ايديلوجيات القومية والدينية التي تبرر للإرهابيين إمكانية بناء هوية المواجهة. ومن جهة أخرى تبين الدراسات الجارية حول الإرهابيين وجود تشويش ينال الهوية الخاصة بهم وخاصة انعدام التجذر الاجتماعي والذي يتمثل في الانتماء إلى عائلات عصابية تمارس فيها السلطة السلبية التسلطية أو وجود مشكلات أخرى أو وجود أشخاص لا مهن لهم أو عند شباب أعزب.‏

(ص 150) إن الاحتجاجات الاجتماعية التي يقودها المثقفون، كما يرى المؤرخ ديبو (G. Dupaux)، على سبيل المثال تخفي إلى حد كبير الصعوبات التي يعانونها حيث لا يعترف المجتمع الصناعي بالمكانة التي يجب أن يحظى بها هؤلاء المثقفون أو لأن المجتمع لا يعيرهم الاعتبار الذي يقدرونه لأنفسهم. وبالتالي فإن إخفاقهم في الحصول على الهوية الاعتبارية يدفعهم إلى اختراع مقولات مثل "المجتمع الاستهلاكي". ولذلك فإنهم يسخرون من المجتمع الذي لا يعترف بهم على نحو كاف.‏

فالمعارضة التي تكون أكثر أو أقل ميلاً إلى العنف هي وظيفة الجماعات التي تشعر بالاستلاب ومثال هذه الجماعات جماعات الهيبز "Hippie" أو البوب "Pop" التي ظهرت عام 1960. وهي جماعات تعبر عن ثورة الشباب ضد المجتمع حيث تنظر هذه الجماعات إلى المجتمع بوصفه مجتمعاً غير طبيعي وهم يعملون على إيجاد الحياة الطبيعية (الحياة الجماعية الحياة النباتية، العودة إلى الأرض). فالمجتمع الذي يتميز بخاصة الوجود الكلي يستلب وهي الذات كما يستلب القدرات الإدراكية والتعبيرية عند الأشخاص. ولذلك يجب على الإنسان أن يجد الوضعية الطبيعية الخلاقة (العودة إلى الينابيع الهندوسية وإلى حالة الفرح والسعادة والصفاء الروحي المطلق). ولذلك فإنه ومن أجل تجاوز الأحكام السائدة في المجتمع يجب أن يتحول الإنسان إلى حياته الطبيعية.‏

وفي هذا السياق يؤكد اليسار الذي يدخل في إطار هذه الحركة العامة الرافضة بأن الأنظمة جميعها تؤدي إلى استلاب الأفراد. وهو يسار يجد مصادرة الإيديولوجية في إطار الماركسية والفرويدية وذلك لأن أية علاقة بالنسبة لذلك اليسار تعبر بالضرورة عن علاقة السلطة وعن علاقة السيد بالمسود وتؤدي إلى عمليات الهدم بالتحديد. ومن هنا يجب تفجير البنى التي تنطوي على مثل هذه العلاقات. ولذلك فإن اليسار يدعم هؤلاء الذين يعانون من الاضطهاد والاستبعاد (المجانين واللواطيون، المستقلون وكافة أشكال الحركات الحرة). وذلك من شأنه أن يجعل من الإرهاب شكلاً من أشكال اليسار الذي نفد صبره. إن إدراك أشكال الاستلاب وتجاوز الأنظمة هو الهدف المنشود للإرهاب. وأعمال العنف كما تبدو هنا تسعى إلى استبعاد الاضطهاد الذي تعلنه طبائع الاستبداد الفاشية للدولة.‏

ويمكن للرفض أن يأخذ أشكالاً تعبيرية أخرى. ونحن نعرف اليوم الحركات المتعاقبة "Punks" أو النيوواف "New-wave" وهي حركات شبابية. (ص- 116).‏

إن استعراض القوة والعنف يمكنهما تجسيد عمليات تبخيس الهوية الخاصة بالأفراد أو بالجماعات الخارجية.‏

تنطوي سياسة الهدم على استعراض القوة وذلك من أجل التنبؤ بإمكانيات الهجوم المحتملة، ومخاطر الاندفاعات الخاصة بالدفاع عن الهوية وهنا نجد توظيفاً لمبدأ قديم معروف في كل الأزمنة والعصور.‏

الانهزامات الدفاعية:‏

يمكن لنظرة الآخر أن تشير أحياناً إلى مخاطر الأحكام السليبة الخاصة بالهوية. وهناك كثير من التجارب والملاحظات السوسيولوجية التي تلقي الضوء على ظاهرة الاقتلاع الثقافي الخاص بعملية تجنب وضعية أن يكون الإنسان موضوع المراقبة (E. T. Hall) فالهرب الدفاعي الراديكالي يتمثل في عملية الانتحار. بعض الناس يلجؤون إلى الانتحار لأنهم لا يحتملون ازدراء الهوية وتبخيسها. وتتجلى أشكال التبخيس هذه على مستوى التبخيس الجسدي: انتحار "هيمنغواي ومونيزالان" التبخيس الاجتماعي: الانتحار العام لأحد أعضاء القبيلة من غير الشرفاء: ضياع الاستلاب والقيمة الخاصة بالرجل الحر. مثاله: انتحار العبد أو الانتحار الذي يسببه فقدان الاعتقاد بشيء ما: خيبة الأمل، الخيانة، موت الزعيم... الخ.‏

وعلى ذلك المنوال يدرس علماء الاجتماع ظاهرة المسافة الاجتماعية "Distanciation" حيث يلاحظ أن بعض الجماعات تحافظ على هويتها وصورتها المميزة وذلك من خلال الابتعاد عن الذوبان في جماعة أخرى وذلك من خلال المحافظة على مسافة أمن اجتماعية. إذ يلاحظ في المدن أن سكان حي ما يغادرون مساكنهم إذ كانت نسبة السكان الخاصة بفئتهم الاجتماعية أقل من حد معين..‏

ويلاحظ على المستوى الثقافي أن الجماعات التي تتعرض للاضطهاد تجعل من أساطيرها أسراراً تعويضية تسعى إليها من أجل تعزيز هويتها الخاصة (ص- 117). ويبدو واضحاً أن ظهور الايتوبيا يكون في اللحظة الحرجة في تاريخ تطور المجتمعات الإنسانية. وهي تعبر عن وضعية جماعات مستلبة تشهد انحطاطاً في قواها وتأثيرها وأهميتها الاجتماعية أو الاقتصادية. حيث تصبح هويتها الاجتماعية موضع مراهنة، ومن هنا تحول الايتوبيا إلى أداة تصورية تسعى إلى إزالة وضعية الاستلاب التي تباشر الهوية. فالايتوبيا تنظم مدناً مثالية تزول فيها كل المشكلات والصعوبات (J. Sorvier).‏

الحصار والانكفاء الدفاعي:‏

لقد شاهدنا حتى اللحظة صورة عمليات كبت مختلفة وانغلاقات دفاعية متعددة عند حديثنا عن الانهيارات الانفعالية الخاصة بالهوية وفي مواجهة عمليات التبخيس العاطفي الذي لا حدود له يستجيب الأفراد والجماعات وفقاً لآلية الانطواء الدفاعي. ولكن حينما تكون هناك مخارج فإن ردود الفعل تتمثل بوضوح في أشكال انهزامية أو هجومية دفاعية.‏

وفي هذا الخصوص يمكن للخجل أن يكون حالة مرضية لتأكيد الهوية. فالخجول يعاني من شلل يعود إلى قهر يمارسه حكم الآخرين حيث يوجد دائماً في حالة مأساوية. ومثل ذلك السلوك يعبر عن نقص الإحساس بالثقة بالنفس وهو نقص يعانيه الفرد لأسباب تربوية تقوم على أساس التبخيس الدائم وأحكام الدونية (لقد لاحظنا في سياق الحالات المتطرفة كيف يمكن لذلك أن يقود إلى حالة من هدم الهوية في مسألة عقدة الحضاء).‏

فالجماعات التي تعاني من هجمة نقدية تنال الهوية قد تختار سياسة الثبات (الموت أو إدارة الظهر) وهي سياسة تعني عدم الاستجابة للانتقادات بانتظار توقف الهجوم.‏

فالجماعات والثقافات تنطوي على ذاتها من أجل حماية نفسها ضد هجمات العالم الخارجي الذي يعضها في قفص الاتهام. حيث تنغلق على نفسها في دوائر تقاليدها واعتقاداتها السرية الباطنية التي تضمن لها الحماية والتعويض في آن واحد. وفي هذا الخصوص تكون ردود فعل التكامل حالة من حالات التراجع والانكفاء الدفاعي التعويضي لأن انعدام الأمن الذي يعزى إلى مواجهة صعبة من ثقافة خارجية ومخاطر الهزيمة والإخفاق والتبخيس تستبدل بالعودة إلى ذوبان خالص داخل معطيات القيم الماضوية أو السلطية.‏

ويمكن أن نلاحظ ردود أفعال وتوقعات نقدية وخاصة عند بعض الشعوب التي تشعر بأنها ضحية، وأن التغير والتقدم الحضاري قد يتجاوزها. وذلك يشير إلى التوازن بين عمليات كبت (كل شيء خارجياً والإنسان لا يؤدي أي جهد) وعملية رفض (رفض كل ما هو متوقع ونقده).‏

وبالتالي فإن اللامبالاة الجماعية يمكن أن تكون صيغة رد فعل لجماعة ما ضد ثقافة تهدد الهوية الثقافية. ويمدنا ايركسون (Erikson) بمثال عند الأطفال الخجولين الذين أرسلوا إلى مدارس البيض. لقد لوحظ أن هؤلاء الأطفال لا يستجيبون أبداً فهم في حالة خجل وتحفظ دائمين حيث يشرح المربون هذه الحالة قائلين: لا يمكن تحقيق التواصل معهم. إن مثل هذه اللامبالاة تساعدهم على الاحتفاظ بهويتهم الثقافية المهددة.‏

وغني عن البيان أن الكبت الدفاعي يجد صبغته الكاملة في التابو العام. حيث نجد وصفاً دقيقاً في مجال الانتولوجية لظاهرة الجنون المقدس الذي يهيمن على الجماعات الأولية وذلك عندما تتعرض هوية الجماعة للتهديد فعندما يتعرض الزعيم للمرض في هاواي "Hawai" يتم الإعلان عن تابو "Tabou" عام يستمر عدة أيام حيث يتم إطفاء الأنوار وتتوقف المراكب عن الإبحار وتمنع الكلاب من النباح ولا يسمح بالخروج من المنازل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244